مقتطفات من الفصل الرابع والثلاثون



على خُطى معلِّمه


إن كنت تحج إلى فلسطين وتتوقع رؤية أراض جميلة، سيخيب ظنك. فالمناظر الطبيعية أكثر جمالاً في أميركا، أو سويسرا، أو البلقان. لأنّ لا شيء هناك يلفت النظر. لكن رغم ذلك، فهي البلاد الأكثر اجتذاباً للناس على الكرة الأرضية. لماذا؟ بسببه "هو" الذي دُعي "أبرع جمالاً من بني البشر" (مز 45: 2). فشخصية المسيح هي التي تجعل من تلك الأراضي أجمل بقعة في العالم .
في أيام سابا، كانت الأراضي المقدسة صورة عن الخراب والدمار. فقد غزتها خمس حملات صليبية. ويعجز المرء حقاً عن القول من بين تلك الحملات عبثت بها وشوهت وجهها أكثر؟ أهم المتحمِّسون ونصراء المصلوب أم حاملو الصليب أنفسهم؟ لم يفتش سابا قط عن الجمال في مسقط رأسه صربيا، ولم يُعر حتى اهتماماً للوقوف طويلاً يتأمل بشاعة مسقط رأس مخلِّصه، إنّما ركز نظره فقط على المخلص نفسه، متشوّقاً لعبادته في كلّ خطوة حيث كانت ذكراه "هو".
في بيت لحم، وقف سابا تحت في المغارة الحجريّة التي ولد فيها المسيح من العذراء القديسة. في الناصرة، زار بيت يوسف حيث زفّ الملاك جبرائيل إلى مريم نبأ بشارة انتقائها من الله كي تلد ملك الملوك. صعد إلى جبل ثابور حيث أظهر المسيح
بهاء مجده في التجلي. ذهب إلى قانا حيث حوَّل يسوع، في حفل الزفاف ، الماء إلى خمر وكانت هذه أولى عجائبه. وتبعه إلى بحر الجليل حيث شرح هناك تعاليمه وقام بعجائب كثيرة. وسافر سابا إلى نهر الأردن حيث عمّد يوحنا المعمدان يسوع هناك. واجتاز النهر ليرى الصحراء الخالية من الحياة حيث عاش يوحنا ثلاثين سنة من حياته، وهناك أيضا وفي المكان ذاته، نافست سفيتكا بيتكا، الفتاة الصربية، أسد الصحراء. زار ديري القديس يوحنا والقديس جراسيموس، وذهب بعدها عبر أريحا إلى جبل التجربة حيث جُرِِّب يسوع بعد عماده من الشيطان. هناك، في دير يوناني، بني المذبح فوق الصخرة ذاتها التي، وفقاً للتقاليد، صام عليها المسيح أربعين يومأ وأربعين ليلة طيلة مدة تجربته. على هذا المذبح، أقام سابا الذبيحة الإلهية. زار بعدها المغاور حول البحر الميت لرؤية النساك المسيحيين والتحدث إليهم، إذ كان سابا نفسه مولعاً بالنسّاك وكان متشوقاً للتعلّم منهم. أعطاهم هدايا متنوعة وطلب إليهم الصلاة من أجله، من أجل الملك ستيفان الراحل ومن أجل جميع الأحياء والأموات من قطيعه. وفي الطريق من أريحا إلى أورشليم، زار لافرا الكبير دير القدّيسين أوثيميوس وثيوكتستوس، دير خوزيبال ودير القديس شاريتون. وكان أينما حل تراه متشوقاً لتعلم شيء مفيد، ومستعداً دوماً للمساعدة. في بيت عنيا، زار بيت ليعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات بعد أربعة أيام من وفاته ودفنه. أخيراً توقف لإقامة أطول في دير القديس سابا المتقدس المشهور باسم "مار سابا". استقبل سابا في هذا الدير بمحبة فائقة وذلك بسبب نبوءة قديمة بقيت حية بين الرهبان هناك. عندما شارف مار سابا، مؤسس هذا الدير على الموت، قال للأخوة الرهبان إنّه في المستقبل البعيد، سيأتي إلى الدير رئيس أساقفة كبير، رجل من لدن الله، يحمل اسم سابا، من بلد غربيّ بعيد جداً. وأوصى له مار سابا، مؤسس الدير، بعكازه وبأيقونتين لوالدة الإله [الأيقونتان هما: أيقونة السيدة والدة الإله "ذات الأيدي الثلاث" (28حزيران و 12 تموز) وأيقونة "المُرضع" (12 كانون الثاني)]. وعندما دخل سابا الدير تعرف إليه الرهبان وقدموا إليه العكاز والأيقونتين.
سمع البطريرك أثناسيوس بكثير من الفرح أنباء سابا من كل الأماكن التي كان زارها، عن الخدم الإلهية التي أقامها وعن أعماله الخيرية وعن حكمته وإيمانه. لذا، عند عودة سابا إلى القدس، استقبله البطريرك أثناسيوس بقبلة أخوية وامتنان. ومع ازدياد شهرة سابا بدأ اسم صربيا والشعب الصربي ينتشر وأصبح معروفا في الأراضي المقدسة كلها.
بدأ سابا بتحضير رحلة العودة. طلب من البطريرك أن يذكره وشعبه في صلواته على الضريح المقدّس، تبادلا الهدايا وانصرف. مكث قليلا في دير القديس جاورجيوس بانتظار سفينة تبحر به إلى أسيا الصغرى لأنه أراد زيارة الإمبراطور والبطريرك ثانية في نيقية.

......

في خيلاندار، وجد أن كل شيء يسير بانتظام وبشكل حسن، فأثنى على المشرف والأخوة وأعطاهم بعضا من تعليماته الجديدة المؤسَّسة على اختباراته من المشرق. وذكر الرهبان بأن الملكوت السماوي يجب أن يكون دوما الهدف الوحيد في سعيهم ورياضاتهم الروحية ؟ وأخيراً قبلهم وباركهم جميعاً. غادر خيلاندار والجبل المقدس، للمرة الأخيرة، تاركا هناك أيقونة السيدة العذراء القديسة "ذات الأيدي الثلاث" التي جاء بها من دير مار سابا في القدس كي تكون هي المشرفة على خيلاندار.


من كتاب "سيرة القديس سابا رئيس الأساقفة (1173-1236)"
نيقولاي فيليميروفتش
تعريب نوح كومين

منشورات أبرشية بصرى حوران وجبل العرب والجولان