القنوات الفضائية بين الجذب و التنفير!
و المعلمون بين العارفين و غير العارفين يعلمون الضالين!!
القنوات الفضائية قد ملأت فراغا كبيرا بلا شك، خاصة لمرحلتى الكبار سنا و متوسطى الأعمار، الذين الآن يتمتعون بالكنيسة التى تزورهم فى بيوتهم. أما بالنسبة للأطفال و الشباب فلا يزال الإحتياج إلى الكثير.
و لكن هذه القنوات هى سلاح ذو حدين. فهى تقوم بعمل السفير ببراعة، لذا فهى قادرة على الجذب بكل رقة (إلى المسيح و الكنيسة و الطائفة) أو التنفير منهم، بقوة الإعصار، و هذه بعض الأسباب :
1- الديالوج أم المونولوج : الديالوج يعنى الحوار بين الرأى و الرأى الآخر، سواء بين إثنين أو أكثر. أما المونولوج فهو حديث الفرد الواحد، عرض الرأى المنفرد، الرأى الواحد الذى لا شريك له. الرأى الذى يظن أنه وحده مالك الحق. و إن كان المونولوج هو أسلوب الوعظ التقليدى، إلا أنه يكاد يتلاشى كأسلوب للتعليم وتبادل الفكر و المعرفة فى المجتمعات المتقدمة. الديالوج علامة التحضر و الثقة بقوة فيما أؤمن به و أعتقد "مستعدين، دائما، لإجابة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم" . أما المونولوج، ماعدا فى الوعظ التقليدى، فهو غالبا علامة الضعف الفكرى و الثقافى و الخوف من مواجهة الآخر، لئلا يتأكد ضعفى أمام حجة الرأى الآخر.
الشرق فى عمومه، لضعف المعرفة يعتمد على رأى السلطة المنفردة، لدرجة الإستقالة من الحياة و الفكر أحيانا، و يستعذب المونولوج بل و يُطرب له!!! برامج الواعظ الواحد عادة أقل منفعة و جذبا من برامج الحوار. و الحوار بين إثنين فقط أقل قيمة و تعليما من الحوار بين جماعة. كثرة برامج المونولوج هى دليل الكسل فى الإعداد العلمى و الفنى و عدم الرغبة فى مراجعة النفس و الإستماع للآخر بتواضع و رغبة فى المعرفة، مع أن مراجعة النفس هو النسك الأصيل و منهج الإنجيل و الكنيسة التى تحثنا على التوبة (تجديد الذهن) بلا توقف. و الإستماع لرأى الآخر هو مفتاح تطور الإنسان و الأمم. أجيبونى : كيف يستفيد الشباب مما يسمى "ندوة" يقدمها محاضر واحد أو إثنين لمدة ساعة، يتحدث "إلى" و ليس "مع" 30 شابا و شابة؟ و للأسئلة فيها 5-10 دقائق فقط، فى النهاية، و بدون حوار جماعى؟ هذا النمط من التعليم يكاد يختفى فى المجتمعات المتقدمة. لذلك نرى الشباب يصوت بأرجله تاركا بيت أمه، ذاهبا إلى بيت الخال، فنبكى و نصرخ و نحن السبب. ثم نشتم الطوائف الأخرى و ندعى أنهم قد خطفوا أبنائنا، و نعد لهم ما استطعنا من قوة و رباط الخيل نرهب به من يذهب لبيت الخال. لو عندنا حبا و فكرا و معاملة تشبع ما كنا نحتاج للبكاء ولا رباط الخيل.
أمثلة لأقوال عاشقى المونولوج : " نحن لا نحتاج لإصلاح أو لسماع الرأى الآخر، لأنه تشويش على إيماننا، كله تمام يا أفندم – إحنا أجدع ناس و كفاية – إحنا وبس فى الملكوت – ليس بالإمكان أبدع مما كان - الكل زاغوا و فسدوا و أعوزهم مجد طائفتى"، و الحضور يصفق و يزغرد إستعذابا و طربا!!! إستعذاب منهج المونولوج، و تفضيله على الديالوج، هو مرض من أسوأ الأمراض الإجتماعية و الفكرية الحضارية، خاصة فى الأوساط الدينية. و الحجج لتبرير هذا التوجه كثيرة على كل وجه. فعاشقى المونولوج يجيدون أيضا ببراعة إساءة الإقتباس من الكتاب المقدس و العبارات اللآبائية (الرد جاهز) : "ألم يقل الله أن كثرة العلم تنفخ؟" و أن "الله قد إختار جهلاء العالم ليخزى بهم الحكماء؟" "كن بسيطا متواضعا و إهتم بخلاص نفسك فقط، دع الفكر للفلاسفة، بلاش وجع دماغ. كثرة الفكر تؤدى إلى الإلحاد". "إبن الطاعة تحل عليه البركة، تكفى كتب و عظات فلان، ده قديس ما حصلش!" و آخر يعظنى يإختباره : "عند ذهابى للكنيسة، أسمع العظة كما هى، و لا أتساءل؛ ثم بعد التناول لا أحدث أحدا و أجرى إلى بيتى. ألم تسمع تعليم الرهبان : فروا فروا يا إخوة، قبل أن يخطف الناس و الشيطان أفضل ما سمعتم من تعليم؟"
2- المحتوى و المضمون الفكرى للبرامج : يمكننا تقسيم البرامج، أو الحديث عموما، إلى ما يخاطب الفكر و ما يخاطب العاطفة. مخاطبة العاطفة ضرورى فى الوعظ و العبادة الجماعية. فهو يحرك القلب للتوبة و الحب لله. أما فى التعليم فالهدف هو نقل المعرفة بمخاطبة العقل أولا و العاطفة ثانيا، إذا لزم الأمر لجذب إنتباه المتلقى.
التسبيح و الترنيم و الوعظ و القداسات كلها تخاطب و تحرك القلب أساسا. هذا جميل جدا و ضرورى. و لكن بنظرة عامة، لا تحتاج إالى نظر ثاقب، و كما سمعت من كثيرين، كلما قويت القناة الفضائية و نضجت كلما إزدادت نسبة البرامج التى تخاطب العقل و تناقش و تحاور فيها الجماعة متعمقة فيما يهم المشاهد من مشاكل يومية و أسرية و زوجية و تربوية و شبابية و نفسية و طبية وظيفية. المشاهد إذن ينجذب لما يخدم إحتياجاته و يساعده على مواجهة مشكلاته، إن كان يهتم بإعمال العقل. و لعل هذا هو سبب إنجذاب كثير من المشاهدين إلى فكر و تعليم طوائف خلاف طائفتهم، بدون أى مجهود تبشيرى، النفور وحده كافى جدا. التبشير السلبى أعمق مفعولا من التبشير الإيجابى.
نأتى أيضا إلى الحوار بين التفسيرات المختلفة للإيمان المسيحى الواحد. هذا أمر لابد من الحوار حوله بكل تفصيل و صراحة و إحترام للآخر أيا كان. و هذا لن يكون إلا بدراسة تاريخ العقيدة و تطورها و أسباب نشوء هذه الإختلافات على مر الزمن، بكل صراحة علمية. هذا سيكون أفضل بكثير من الكلاشيه المعتاد من غير العارفين أن"كل ما نعلّمه الآن فى العقيدة و نعمله فى العبادة، بكل تفاصيله، إنما هو بكل تأكيد قد تسلمه الرسل من الرب شخصيا فى الأربعين يوما بعد القيامة!!!" أبنائنا أكثر ذكاء، حتى و لو كانوا جهلاء عند السؤال. و أعتقد أن السلطة و السلطان و المركز وحدهم فى عالمنا المعاصر، حيث يقرأ أبنائنا لكل فكر و يسمعون لكل جديد بسرعة البرق، لا يمكنهم تأكيد مصداقية أى تعليم إن لم يكن التعليم موثقا بالدراسة الأكاديمية النقدية و التحليلية لتاريخ العقائد، و بأسلوب علمى و منطقي و يرتكز على التقليد الآبائى اللاهوتى بحق. أقصد هنا دراسة الفكر العقيدى الآبائى أساسا، و ليس فقط أقوالهم فى العبادات و الفضائل، التى تخاطب العاطفة أكثر من العقل. للأسف فى أكثر الأحيان على الفضائيات يحسبون أقوال الآباء عن العبادات و الفضائل أنها جوهر و عمق اللاهوت الآبائى. فيسمى البرنامج "آبائيا" و محتواه يخاطب العاطفة، و أن بذلك تكون القناة "آبائية"!!! هذا تسطيح مؤلم لعمق لاهوت آباء الكنيسة الفكرى كما يعرفه الدارسون.
عندنا فى الكنيسة القبطية علماء فى اللاهوت و لكنهم ممنوعين من التعليم بفاعلية و الوصول إلى أبناء الكنيسة و هم فى غاية الحاجة إليهم، أمثال أبونا متى المسكين و كتاباته، و جماعة بيت الآباء أخوة د. نصحى عبد الشهيد، و المتهمين بالهرطقة بغير دليل أو محاكمة، أمثال د. جورج حبيب بباوى، الذى تتسابق لسماعه و قراءته الكنائس الأرثوذكسية فى بريطانيا و أميريكا، كما رأيت و سمعت بنفسى لسنوات. و ذلك ليس إلا لأن هناك من غير العارفين من يتهمون هؤلاء حاملى الدكتوراه فى اللاهوت بأنهم من الضالين، و أعتقد أن السبب هو أن تعليم هؤلاء العلماء سوف يؤكد حال غير العارفين.
و أخيرا و ليس آخرا، البرامج التى تقدم المتخصصين فى المواضيع المطروحة للنقاش تزداد، و الشكر لله و للقائمين على هذه القنوات. و لكن لماذا يتكلم البتوليون عن الزواج و تربية الأبناء وحدهم؟ أليس من المنطقى أن المسائل الزوجية و التربوية تناقش و تتخذ فيها الإرشادات و النصائح أساسا من قبل المتزوجين المختبرين، و دارسى المشورة الزوجية و الذين يربون أبناء و بناتا، و يعرفون مشاكل الأزواج الجنسية و غيرها، مع مشاركة البتوليين إن كانوا خبراء في قوانين الأسرة؟ لعل هذا هو سبب تعليم بولس الرسول أنه يجب أن يكون الأسقف متزوج و قد ربى أولادا بنجاح و بشهادة غير المؤمنين أيضا؟ وكيف يستفيد الشباب فى الحديث حول مشاكلهم العاطفية و الجنسية مع البتول، خاصة لو كان يكبرهم بكثير؟.
هذه بعض النقاط أطرحها للحوار و للمسؤلين عن القنوات الفضائية.
هانى مينا ميخائيل
طبيب إستشارى بإنجلترا

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات