مجد الروح للذى يسلك حسب الروح


"وأما الروحي فيحكم في كل شيء، وهو لا يُحكم فيه من أحد"
( اكو 2 : 15 ) .



يبرز لنا الرسول بولس فى هذا القانون الروحى سمات رائعة للإنسان الروحى والتى تميزه ، بل تمجده ، عن غيره من الذين يعيشون فى الجسد ، ولكنهم يسلكون حسب الجسد أيضاً ، ولا يقصد بهذه السمات أن الإنسان الروحى يصير قاضى لأفكار واعمال الأخرين ، ولكن سلوكه بالروح يعطى له نعمة فى أعين الكل تجعله موضع احترامهم وتقديرهم وثقتهم ، بعد ما ظهرت على افكاره الإستقامة والحق وعلى تدابيره كل نجاح وثمر يدعو لمجد نعمة المسيح وعظمة صنيعه مع الذين يطيعون روحه ووصاياه بكل أمانه ومثايرة .

ومن الواضح تماماً أن هذا القانون الذى أورده الرسول بولس والذى هو موضوع تآملنا الآن ، يتكون من شقين أساسين هما :



الأول : أن الإنسان الروحى يحكم فى كل شىء .

الثانى : أن الإنسان الروحى لا يحكم عليه من أحد .

وسنتناول كل شق على حده :-



فالشق الأول يخبرنا فيه الطوباوى بولس ويقول أن الإنسان الروحى " يحكم فى كل شىء " وذلك ، لأن الأنسان المملوء من روح الله مملوء من الحكمة والفطنة ، أو كما علل العلامة أوريجينوس وقال أن الإنسان الروحي يحكم فى كل شىء " بسبب عمق فهمه وتجاوبه " ، وهذا يؤهله لكى يكون سديد الرأي عميق المدارك ، وذلك دون النظر إلى عمره الزمنى أو العقلى أو وضعه الإجتماعى ، لأن الروح لا ينظر إلى الأمور التى لا تخدم الإنسان فى خلاصه .، فى الوقت الذى يبغض فيه هذا الروح كل ما يعطل خطته لتحرير الإنسان و خلاصه .



أما الشق الثانى والذى يقول فيه بولس أن الإنسان الروحى لا يحكم عليه من أحد ليس معناه ان إمتلاء الإنسان من روح الله يجعله بمنأىعن النقد والتجريح من الأخرين ، فتبعية المسيح تقتضى منه حمل الصليب واحتمال ضعف الاخرين بشكر وصبر ، فإذا ما وجهت اليه آهانات وشتائم ، عليه ان يعرف تماماً أن هذه هى طبيعة الحياه الروحية ، بل يجب عليه أن يفرح بكل ما يحل عليه من ضيقات واحزان وتجارب لأن هذا كفيل بأن ينقله من مجد إلى مجد ، فها هوذا بولس العظيم فى الرسل يعلن لنا أن حياته حسب الروح تقتضى منه أن يسر بالضعفات و الشتائم و الضرورات و الاضطهادات و الضيقات لاجل المسيح " (2كو 12 : 10) ، بل أن سلوكه بالروح جعله يقول " نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل. يفترى علينا فنعظ صرنا كاقذار العالم و وسخ كل شيء الى الان. " ( 1 كو 4 : 12 ، 13 ). ، واحتمال الإنسان لكل هذه الأمور يؤهله لصيرورته إنساناً روحيا .. لإن مواجهة هذه الصعاب بصبر يحتاج إلى انكار الإنسان لذاته ، وكلما انكر الإنسان ذاته وأماتها كلما وجد الروح فرصة للعمل والثمر ..



بل أن الكتاب المقدس يربط أمتلاء الإنسان من روح الله بإحتماله الألامات من تعير وظلم الأخرين له واعتدائهم عليه وعلى حقوقه ، إذا يصرح بذلك بطرس الرسول قائلاً " ان عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لان روح المجد و الله يحل عليكم ... " (1بط 4 : 14) ، ففى سبيل وصول الإنسان إلى مستوى الروحانيين ربما يحتمل هذا الإنسان الكثير والكثير من الأتعاب والآلامات ، ولكن بدون اجتيازه بالآلم والضيقات لا يستحق أى تعزية ، إذ ان التعزيه مرتبطه تماماً بوجود الضيقة والإجتياز بها ، فإذ لا ضيقة لا مبرر لمجىء التعزية.


ولعل سر بلوغ المرام فى حياة الذين كملوا فى طاعة الحق والإيمان بالمسيح ، هو ترك أنفسهم بالكامل للروح القدس ، لذا تقدست نفوسهم بفعل تدبيره وشفاعته كل حين من آجلهم ، تركوا له كل شىء ، أفكارهم وخطواتهم وإرادتهم ومستقبلهم ، بل أدنى ما فى حياتهم من مشاعر وميول ، تركوا كل شىء " ولم يحبوا حياتهم حتى الموت " .. فحفظ لهم الروح كل ما قدموه من شهادة ومثابرة وإنتظار .. ربما تعبوا كثيراً وعانوا من ضيقات مريرة وآلامات مبرحة نتيجة دخولهم من الباب الضيق وسيرهم فى الطريق الكرب ، ولكنهم كانوا دائماً يحملون فى داخلهم كل فرح وبهجة وسلام من الروح الذى كان يقودهم ويعزيهم ويرفعهم كل حين .. تعبوا زماناً قليلاً ولكنهم كانوا آبان صبرهم وجهادهم ممجدين من أعمالهم المعموله حسب الروح و بما أفاضه عليهم هذا الروح من مواهب وبركات ، كان القليل منها معروفاً لدى المقربين منهم والأكثر كان محجوب عن رؤية الجميع ، وكلها كانت سبباً فى مثابرتهم فى جهادهم وعزائهم فى ضيقاتهم ، وكانت أيضاً حسب غنى الروح فى العدل السخاء والعطاء .

وبذلك يكون قصد بولس الرسول من قوله أن الإنسان الروحى لا يحكم عليه من أحد ، هو أن الإنسان الروحى أصبح إنساناً مملوء من الحق ، ولا يستطيع أحد من الناس أن يلوم الحق أو يحكم عليه ، وهذا هو حال الإنسان الروحى ، لا يحكم عليه من أحد ، أى لا يحكم على أفكاره أوتدابيره أوأقواله أوأعماله ، لأنها على ضوء الحق الذى لا ينتقد .




فهنيئاً لكل إنسان قدسه الروح وجعل منه كيان جديداً يشهد على عظم نعمة المسيح ومجد صنيعة فى السالكين حسب شر ميولهم ونجاسات قلوبهم ، لأنه ضمن لهم سعادة غامرة وأمجاد لا يعبر عنها بفعل تقديسه لنفوسهم ، وما تعيشه هذه النفوس على الأرض من بركات لا يقاس إطلاقاً بقدر ما سوف يلحق بها من أمجاد ، لانه ثمة فارق كبير بين التعزية والمكافأة ،و لا مجال لتوضيح هذا الفارق الآن .



أنها فرصة لك يا صديقى أن تكون إنساناً روحياً ، تنال إهتمام الروح وعنايته وتمتلأ من عطاياه ومواهبه ، وتكون موضع ثقة واحترام الكل ، تحكم فى كل شىء ولا يحكم عليك من أحد ، لأن الروح سيقودك ويملأك حسب غناه فى المجد ، هو يرغبك ويحبك ويعدك بأمجاد تفوق عقلك و إدراكك ، ويطلب منك الدخول فى شركة معه لكى تكون إنساناً جديداً ومخلوقاً جديداً تشهد له بغناه فى المجد ودعوته الصادقة والمخلصة فى ان ينال كل احد من البركة والمجد والكرامة لما يدعوه للفرح فى المسيح كل حين ، فهل تقبل دعوته الأن ، لك القرار والمصير .