ظنون رديئة من ناحية امور جليلة ( 2 )

قبول الله للإنسان

" لم يرفض الله شعبه الذي سبق فعرفه "(رو 11 : 2)

من أكثر الأمور التى تقابلنا فى حياتنا الروحية الشك فى قبول الله لنا ، وهو امر يجتاز به أغلب الناس فى علاقتهم بالله سيما الذين عاشوا فى الخطية كثيراً حينما يقدمون توبة ويشكون فى قبول الله لها ، و الذين يبتغون الوصول إلى مستوى أفضل فى الحياة الروحية حينما يتقابلون مع من هم أفضل منهم حالاً فى معرفة المسيح .

ولكن أمر رفض الله للإنسان أمر مردود عليه تماماً ، لأن الإنسان مخلوق لا لكى يعرف ذاته والأخرين ولكى يعيش طائعاً لشهواته مستعبداً لضعفاته ، بل وكا قال الطوباوى بولس الرسول " لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها (اف 2 : 10) " ، فإذا هناك حكمة إلهية من وراء خلق الله للإنسان ، ولا يعقل أن يرفض الله من خلقه لذاته وقدسه وأعطاه من روحه أيضاً .

وحرى بنا ان نفرق هنا بين أمرين فى غاية الأهمية وهما : رفض الله للإنسان وإهمال الله للإنسان أيضاً ..
فرفض الله للأنسان شىء لا يعقل كما أسلفنا ، أما إهمال الله للإنسان فهو متصور وممكن حدوثه ، وهذا يكون لحكمة إلهية بقصد تبكيت نفس ما على ما صدر منها من شر أو خطاً ، ولكن لا تلبث ان تعود المراحم الإلهية لهذه النفس متى إستفادت من فترة التخلى او الإهمال .

ولكى نتيقن تماماً من عدم رفض الله للإنسان ، علينا الأخذ فى الإعتبار ومراعاة بعض النقاط الهامة وسألخصها فى خمس نقاط ، كالتالى :

+ الله لا يرفض التعامل مع أى أحد ، ولكنه يعرض عن الذين يستمرون قى رفضه كل حين ، وليس هذا عيباً فى محبته ، إنما تقديراً لحرية الإنسان الذى اختار السلوك بعيداً عن النور والكمال والحق الذى فى المسيح يسوع ، والله على أتم إستعداد للتعامل مع هؤلاء الرافضين له ، ولكن لن يفعل هذا حتى يظهروا رغبتهم فى تبعية المسيح وحاجتهم لعمله فى حياتهم ، ووعد السيد موجود وحاضر كل حين " من يقبل الي لا اخرجه خارجا " (يو 6 : 37) .

+ قبول الله للإنسان أمر لا يتوقف على أى شروط من قبل الله سوى السلوك بروح الإنجيل وعبادة الله من كل القلب ، وهذا ما صرح به بطرس الرسول فى بيت كرنيليوس حينما قال : " بل في كل امة الذي يتقيه و يصنع البر مقبول عنده (اع 10 : 35) فالأمر إذن يحتاج لقبول الإنسان لعمل الله فى حياته ، ومتى تيقنا من ذلك سنعي قدر إحترام و تقدير الله لحرية الإنسان .

+ لا يتآتى للإنسان إدراك عمق محبة الله له سوى بقبول الإرادة الإلهيه فى حياته - بكل رضى وشكر وتسليم – ومتى تيقن الإنسان من كل ما تحمله الإرادة الإلهية له من إخلاص ومحبة ورغبة صادقة فى إحضاره كاملا في المسيح يسوع ومقدساً فى الحق ، حينئذً سيعى هذا الإنسان عظمة محبة الله له والتى تحمل فى طياتها كل إستعداد لقبول كل الذين يرغبون فى معرفة الحق ، حتى ولو كانوا قد امضوا حياتهم فى الفساد والشر ورفض الحق ، لأن محبة المسيح أعظم من كل هذه الأمور .

+ محبة الله لكل أحد تجعله يعرف كل أحد بإسمه ، فإذا كان الأباء حسب الجسد لا يعقل أن يجهل أحد منهم أسم وحال كل واحد من أبنائهم فكم وكم سيكون حال الله الذى يهب العقل والمحبة التى تجعلنا نهتم بالإخرين ونحبهم حتى الموت طاعة لوصاياه .

+ من أعظم الإدله على قبول الله للإنسان الفرصة الدائمة للإلتقاء معه من خلال الصلاة ، فمن يرفض أحدً يرفض الحديث معه أيضاً ، ولكن عندما يعلن الله لنا رغبته ويطلب من الإنسان الصلاة كل حين ، الحديث معه كل حين ، بل حلوله بالفعل فى داخلنا بروحه القدوس ، إنما فى كل هذا لأعظم إعلان منه عن قبوله للإنسان ، فبالصلاة يعرف الإنسان أن إرادة الله فى أن نكون دائماً بمعيته أقوى من رغبة أعظم مجاهد روحي على الأرض يشتهى الوصول لأقصى درجات التقوى والكمال والقداسة .

يا صديقى الله لا يرفض أحد يأتى إليه قارعاً باب معرفته ويرغب فى الإقتراب منه ، بل يرجو قبول الجميع إليه ، لأن مسرته منذ القديم وستظل كم هى إلى أبد الدهور ، " اكون لكم الها و انتم تكونون لي شعبا " ، ولأنه لا يرجع عن كلمته فسوف لا يرجع عن وعده بقبولنا إليه متى رغبنا فى ذلك ، وإظهرنا ذلك أيضاً بالعمل والحق ، لك القرار والمصير .