حتى لو رغبتْ في أن تغيّر سيرتها استمرّ الناس يعاملونها باعتبارها زانية.
ماذا يمنع أن يكون السارق سارقاً اليوم ثمّ يتوب غداً، ما الذي يمنع من ذلك ؟
حتى لايتشعب الحديث , وننتقل من فكرة لأخرى , دعونا يا أخوة نعود إلى جوهر الإعتراض على الموضوع من خلال الإقتباس أعلاه .

فكما أن الحضارة الإنسانية هي ذات طابع تراكمي , بمعنى انه لاتوجد حضارة آتية من فراغ , بل لها وعلى الدوام جذور عميقة في باطن الأرض , كذلك هي حياة الإنسان , فنجاح أي شخص فينا لابد وان يكون مصحوباً برصيد من أي نوع كان .

إذاً , الرصيد المعنوي مطلوب بكل أشكاله وأبعاده حتى يتحقق النجاح بأي ميدان في ميادين الحياة .

فشركات كثيرة على سبيل المثال تطلب مهندسين من اختصاص معين , وتأتيها عشرات الطلبات , إلا أننا نرى بأن الأفضلية تكون دوماً من نصيب الشخص صاحب الإمكانات الأكبر , فجميع المتقدمين هم مهندسون إلا أن الإختيار قد وقع على المتميزين فقط , وكذلك هو الحال إذا كان هناك من طلب على الأطباء أو المدرسين .

وانطلاقاً من هذا المثال البسيط , أرجو ان أوفق بطرح الفكرة التي حاولت شرحها من قبل , بمعنى أن توبة الشخص لاتعني أحداً إلا ذلك الشخص , لأن فكرة التوبة بالأساس هي موضوع خاص وشخصي بين الله والإنسان وليس هناك من شخص ثالث مستفيد من هذه التوبة , وما يزرعه الإنسان إياه يحصد .

النقطة الأبرز التي حاولت إيصالها هي : المصداقية . فهذه الصفة تحديداً هي قيمة إنسانية قبل كل شيء , وهي لا تأتي بين ليلة وضحاها , لا بل تحتاج إلى زمن ليس بالقليل كي تتوطد من خلال الثقة المتبادلة بين شخصين , وهذه الثقة هي التي من شأنها أن تولّد تلك المصداقية عند الشخص الآخر , وذلك في جميع أنواع العلاقات الإنسانية , إن كان بين زوجين , شريكين بالعمل أو حتى صديقين في هذه الحياة .

وإن كانت جميع صفات الشخص تحتمل النسبية , كالغنى والقوة على سبيل المثال , إلا أن الثقة لاتحتمل النسبية مطلقاً , بمعنى : عندما يكون هناك 1 % من الشك فإنها برأيي تلغي 99 % من اليقين , وكما نقول بالعامية : (يا أمين يا خاين) .

وبالرجوع إلى مثال بائعة الهوى واللص , فأنا لم أدن أحداً , فهذا من شأن الله فقط , فهو الديان العادل , وليس هناك من داعي ان يزايد أحدنا على الآخر ليظهر بمظهر صاحب القلب الأكبر , فالحياة لاتقسو على أحد , وإنما جشع الشخص وضعفه هما اللذان يجعلناه يقسو على ذاته أو يقصّر بحق نفسه , وبالتالي تكون يداه قد أوكتا وفوه قد نفخ , أو على نفسها جنت براقش .

لذلك اعتبرت أن المساواة بين الشخص الأمين واللص التائب , والمساواة بين العذراء العفيفة وبائعة الهوى التائبة أيضاً , هي ضرب من ضروب الخيال ولايمكن لضعفنا البشري أن يساوي بينهما , أما لماذا غفر الله لذاك وتلك , فالجواب لأنه الله وهو فاحص القلوب .

إذا رجعنا إلى إنجيل متى الإصحاح الخامس وقرأنا الموعظة على الجبل , لايمكننا اعتبار تلك الوصايا بأنها ألف باء المسيحية وإن كانت وقد وردت في بدايات العهد الجديد , لا بل على العكس تماماً , فهي نهايات بالمسيحية لايصل لها أو يعيشها وبفرح إلا ذلك الناسك الذي أفنى حياته بالنسك , وبهذا السياق أتذكر كتاب القديس يوحنا السلمي (السلم إلى الله) ودرجاته الثلاث والثلاثين , فعند انتهائي من المقال شعرت بأن أبونا بيطار يطالبنا بالصعود إلى الدرجة الأخيرة بين ليلة وضحاها , ومن هنا شعرت باستحالة هذا الكلام , ونحن ما زلنا نعيش بالعالم كأطفال بالمسيح , لهذا شعرت بتلك الخيالية بالطرح , كونه يخاطب الناس جميعاً وكأنهم نساك يعيشون بقلايات فردية على جبل آثوس .

والخلاصة : إن الكلام النظري شيء وأما الكلام العملي فهو شيء آخر في هذه الحياة , ومن يتتبع الأفكار الواردة في هذه العظة النارية , لابد وأن يصل لنهاية مفادها بان توبة الشخص يجب أن تغير من نظرة الآخرين له ! لهذا لم أجد الموضوع بتلك البساطة المطروحة , بنفس الوقت لايمكن أن يكون بتلك الآلية , فكما أن ذلك اللص قد تاب ورجع إلى ذاته بمحض إرادته , كذلك نحن لسنا مجبرين على قبوله كإنسان جديد إلا عندما نقبل ذلك التغيير بمحض إرادتنا , وبما يتناسب مع ضعفنا وقناعاتنا وتقاليدنا التي نشأنا وترعرعنا عليها , فالموضوع أعقد من أن يكون موضوع إدانة فحسب , بل له أبعاد نفسية واجتماعية كونه يمس قيماً إنسانية قبل أن تكون قيماً مسيحية .