ما هو دور الابن الروحي؟ وما هي مساهمته في إطار علاقته بأبيه الروحي؟
باختصار، كل ما يقدمه الابن الوحي لأبيه هو طاعته التامّة وغير المشروطة. يروي آباء الصحراء في مجموعة أقوالهم قصة راهب طُلِبَ منه أن يزرع قضيباً خشبياً في الرمل وأن يرويه يومياً. وكان نبع الماء بعيداً جداً عن صومعته الأمر الذي حتّم عليه الذهاب لجلب المياه والعودة في اليوم التالي. خلال ثلاث سنوات كان ينفذ وصية أبيه الروحي بكل إخلاص. في نهاية هذه المرحلة، بدأ القضيب يزهر ويثمر. فقطف الشيخ الروحي الثمر وأحضره إلى الكنيسة ودعا الرهبان إلى الأكل منه قائلاً: "هلموا، ذوقوا ثمرة الطاعة"..
هذه الرواية يمكن أن تترك في ذهن القارئ المعاصر شيئاً من الازدواجية أو عدم الوضوح. فهي تبدو وكأنّها تهدف إلى التقليل من نضج التلميذ ووعيه أو وضعه في مستوى أقل من مستوى الإنسان العادي بحرمانه من كلّ قدرة على الحكم او الاختبار الخُلُقي. ونحن اليوم مجرّبون بأن نسأل بتعجّب: هل هذه هي حريّة أبناء الله ومجدهم؟
لا بد من التشديد هنا على ثلاثة عناصر: اولها أن الطاعة التي يقدّمها الابن الروحي إلى أبيه ليست طاعة بل هي طاعة طوعية يقدّمها بملء ضاه. يبقى على الأب الروحي إذاً تبنّي إرادتنا ولكنه لا يستطيع ذلك إلا إذا جيّزناها نحن إليه، بحرية اختيارنا الخاصة. فالأب الروحي لا يسحق إرادتنا، بل يقبلها منا. وغني عن القول إن الطاعة القسرية وغير الطوعية تخلو بطبيعة الحال من كل قيمة روحية. الأب الروحي يطلب من كل إنسان أن يقدّم إلى الله قلبه لا أعماله الخارجية(....).
لكن هذه التقدمة الطوعية، أي تقدمة حريتنا، لا يمكنها أن تتم، مرة واحدة وإلى الأبد، بحركة واحدة لا غير. بل أن هذه الهبة يجب أن تكون حركتنا المستمرة وأن تتكرر طيلة حياتنا. ذلك أن نموّنا في المسيح يزداد بمقدار ما نهب أنفسنا له. فيجب أن نهبه حريّتنا بتجدّد كلّ يوم، وفي كلّ لحظة، بأشكال متعدّدة ومتغيّرة باستمرار. هذا يعني أنّ العلاقة بين الأب الروحي والابن الروحي ليست علاقة جامدة بل متحركة، وليست علاقة غير متحولة بل هي متنوعة جداً. ففي كل يوم وفي كل ساعة، يواجـِه التلميذ، مسلَّحاً بإرشاد معلمه، أوضاعاً جديدة تتطلّب منه، في كل مرة، جواباً مختلفاً.
ثانياً: العلاقة بين الأب الروحي وتلميذه ليست علاقة أحاديّة الجانب، بل هي علاقة متبادلة. فكما أن الأب الروحي يخوّل تلاميذه ان يروا أنفيهم على حقيقتها، كذلك التلاميذ يكشفون للأب الروحي ذاته، أو بالأحرى يجعلونه يعرف نفسه من خلالهم. في أغلب الأحيان لا يعي الإنسان موهبته في الأبوّة الروحية إلا عندما يأتي آخرون إليه معربين عن رغبتهم في البقاء تحت رعايته. هذا التفاعل المتبادل يستمر طوال مدة العلاقة التي تجمع الأب الروحي بأبنائه. فالأب الروحي لا يملك برنامجاً كاملاً وضعه مسبقاً بكل تفاصيله ليفرضه على الجميع بالطريقة ذاتها (وهذا ما يوقع الكثير من الأبناء الروحيين في معاثر الغيرة من بقية الأبناء الذين يعترفون لنفس الأب، دون أن يفهموا أن لكل شخص كيان خاص به وما يناسبه لا يناسب غيره، وكل هذا تبعاً للوضع الروحي الشخصي لكل واحد على حدة) فإن كان الأب الروحي أباً حقيقياً، فكلمته تكون مختلفة باختلاف الأشخاص، وبمقدار ما تكون الكلمة التي يعطيها، في عمقها، لا كلمته هو بل كلمة الروح القدس، فإنه لا يدري مسبقاً ما ستكون هذه الكلمة.
تتجلى هذه العلاقة المتبادلة (علاقة الأخذ والعطاء هذه) في بعض حـِكَم آباء الصحراء، حيث كان لأحد الآباء الروحيين ابن متفوق عليه. فعلى سبيل المثال، كان الابن يفاجئ أباه في فعل فسق فاضح ولكنه يتظاهر بأنه لم يرَ شيئاً ويبقى تحت رعايته، هكذا بفضل تواضع الابن الصبور، توصّل الأب في نهاية الأمر إلى التوبة والحياة الجديدة. ففي هذه الحالة نجد أن الابن الروحي هو الذي ساعد أباه وليس العكس.إن الحالات المماثلة ليست هي القاعدة ولكنها تُظهر أن الابن الروحي مدعوّ أحياناً إلى العطاء مثلما أنه يتوقع الأخذ.
في الواقع، ليست العلاقة ثنائية بل ثلاثية. إذ بالإضافة إلى الأب الروحي وابنه، هناك شريك ثالث وهو الله. فربّنا يوصينا أن ندعوه " أبانا لأن ليس لنا إلا أب واحد وهو في السماوات (متى9،23). ليس الشيخ الروحي قاضياً لا يخطئ أو محكمة استئناف، بل هو خادم للإله الحي، وهو ليس ديكتاتورياً بل مرشد ومرافق على الدرب لذلك تنحصر مهمة الابن الروحي بأن يسلم طاعته لأبيه وهو بدوره يرشده مُنارَا بالروح القدسً.
+ صلواتكم +
منقول عن كتاب الملكوت الداخلي للمطران كاليستوس وير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات