أهمية الكنائس الشرقية في المغتربات
بقلم: انطون سابيلا
في ندوة حول المجتمعات المهاجرة شاركت فيها سألني مواطن استرالي من اصل عربي من ابناء الجيل الثالث عن السبب الذي ينقل من اجله المهاجرون المسيحيون العرب كنائسهم معهم، وحول مدى أهمية وجود الكنائس الشرقية (الكاثوليكية والأورثوذكسية) في المغتربات (لأنه لدينا كنائس كثيرة في استراليا)؟ ومن الطبيعي أن السؤال فاجأني لعدة اسباب أهمها أن خلفيتي إعلامية وليست لاهوتية ثم أن الندوة لم تكن حول الأديان بإستثناء إعطاء سرد موجز عن الطوائف والمذاهب التي ينتمي إليها المهاجرون عموما. ولكن كما يقول المثل العربي الشعبي "من عزمك لزمك" اي من دعاك إلى شيئ فعليك أن تلبي ندائه، ضف إلى ذلك أن باطن السؤال إجتماعي بقدر ما هو دينيا.
في الواقع فإن المسيحيين العرب ليسوا وحدهم الذين تتنقل كنائسهم معهم. فالمهاجرون عموما ومن كافة الأديان يفعلون ذلك لاسباب مختلفة، ولكن موضوعنا هنا يتمحور حول الكنائس الشرقية في المغتربات التي تلعب دورا رائدا وحيويا على أكثر من صعيد، ووجودها ليس فقط ضروري لرعاياها بل للمجتمعات الغربية نفسها، كما سنرى.
وقبل الإسترسال في الحديث أجد لزاما أن اتحدث قليلا عن نشأة الكنائس الشرقية في المغتربات، وخاصة في استراليا حيث أنا مقيم. لقد هاجرت الكنائس العربية-الشرقية إلى المغتربات قبل أكثر من مئة عام، وكانت هجرتها بمثل قساوة المهاجر العادي في تلك الايام، حيث المسافات البعيدة القاهرة وإنعدام الإتصالات السريعة وإفتقار المهاجرين إلى الثروة المالية بسبب حداثة عهدهم بالهجرة، مما جعل الكنائس الوافدة تناضل وتتعب وتكافح، وما تزال، لكي تؤسس لمستقبل واعد. هناك من يعتقد واهما أن الكنائس الشرقية ذهبت إلى المهجر وهي مرتاحة البال والحال. وهذا إعتقاد خاطئ ما بعده خطأ. صحيح أن الجاليات المهاجرة دعمت الإكليروس ووفرت لهم كل هو ضروري لكن عملية التأسيس في أي مكان عملية شاقة وصعبة، فكيف الأمر إذا كان التأسيس في بلد جديد. وهي عملية تبدأ عادة بإستئجار منزل صغير للكاهن ثم يتطور الأمر إلى شراء منزل أو قطعة أرض، وهكذا داوليك حتى يتم بناء المؤسسة الدينية والتربوية. لقد بدأت الكنائس الشرقية في استراليا عملية التأسيس في عام 1895 عندما قامت في ذلك العام الكنيسة الملكية الكاثوليكية ببناء كنيسة القديس ميخائيل في ضاحية دارلنغتون قرب وسط سدني ثم تبعها بناء الكنائس الأورثوذكسية والمارونية والقبطية والسريانية وايضا الارمنية. ولم يكن ممكنا بناء هذه الصروح الدينية الرائدة بدون التضحيات الجسام التي بذلها الإكليروس والمؤمنون سوية.
واستطيع أن اوجز المجالات التي تخدم وتعمل فيها فيها الكنائس الشرقية بما يلي:
المحافظة على جماعة المؤمنين في المغتربات. لقد وفر انشاء الكنائس المهاجرة للمهاجرين ملجأ للذين يعانون من العداء والتمييز من قبل المجتمع الاوسع فضلا عن فرص التحرك الاقتصادي والاعتراف الاجتماعي. وفي المقابل، فإن الموجات المتتالية من المهاجرين ربما شكلت الطابع وكذلك المضمون للمؤسسات الدينية في الدول المضيفة. وفي استراليا مثلا، فإن الكنيسة الكاثوليكية هي في اغلبيتها كنيسة مهاجرة. ولا شك أن الأمر ذاته ينسحب على دول غربية أخرى. كما أننا اليوم نلاحظ في الكنائس الغربية تاثرا ملموسا بالكنائس المهاجرة من حيث التقاليد والإحتفالات.
إضفاء عامل الحرارة في الإيمان في المجتمعات الجديدة. .يلاحظ الذين يواظبون على الصلاة في الكنائس الغربية على انواعها الإفتقار إلى الحرارة الإيمانية في بعضها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن طقوس اعياد الميلاد والفصح والشهر المريمي واعياد القديسين تبدو في بعض (وليس كلّ) الكنائس الغربية وكأنها مراسيم إستقبال وتوديع مثل تلك المنوطة بدائرة البرتوكولات في وزارة الخارجية أو رئاسة الدولة. وربما يقول قائل إن الحرارة الشرقية نابعة من التقاليد ومن كون الشرقيين هم أصل الكنيسة، ولكن الحقيقة أن الغربيين أنفسهم يشتكون من مسألة الإفتقار إلى الحرارة الإيمانية، وهم "يحسدون" الشرقيين على حرارة إيمانهم، وهناك كنائس غربية أخذت تحذو حذو الكنائس الشرقية في إضفاء عامل الحرارة في الإيمان . في استراليا فإن المسيحيين العرب الذين يضطرون بسبب المسافات البعيدة إلى الصلاة في الكنائس الغربية خلال ايام الآحاد العادية نراهم في الاعياد ينتقلون للصلاة في كنائسهم الوافدة من مارونية وملكية وسريانية وقبطية وارمنية، علما أن اللاتين وحدم هم بلا كنيسة وافدة واغلبيتهم يتبعون الكنيسة الكاثوليكية الاسترالية. ومع ذلك فحتى اللاتين انفسهم نرى قسم كبير منهم في الكنائس الملكية في الاعياد.
الدور التعليمي والمؤسساتي. كما هو معروف، فإن الكنيسة هي مصدر الهيكلية الاجتماعية بين الاجيال وأيضاً ناقلة الثقافة وهي مكان لبناءالاحساس الذااتي ولعب أدوار القيادة. وتقوم الكنيسة بإنجاز الكثير من المهام الاجتماعية. و تأتي مع الكنيسة مدارسها وحتى جامعاتها. وفي سدني فإن الكنيسة المارونية اللبنانية حافظت على اللغة العربية واعطتها اهميتها وعلمتها لابناء المهاجرين، مما شجع الجامعات على تعليمها وتبنيها. وفي سياق عملي الصحفي التقيت بالكثير من الطلبة اللبنانيين والعرب من خريجي تلك المدارس ودهشت من مدى إتقانهم للغة العربية. واليوم فإن الكنائس الملكية والاشورية والكلدانية والكنائس الشرقية الأخرى لها مدارسها الخاصة وهي الأخرى تحافظ على اللغة العربية واللغات الشرقية الاخرى، ونرى تحديدا الكنيسة القبطية التي تتسع آفاقها في استراليا ويزداد عدد مدارسها ما يعني إزدياد عدد المتعلمين للغة العربية، علما أن الحكومة الاسترالية قررت السماح لعدد لا باس به من المهاجرين العراقيين المسيحيين القدوم إلى استراليا ضمن برنامج اللجوء الإنساني، وهذا يعني مستقبلا بناء المزيد من المؤسسات الكنسية والتعليمية والإجتماعية الكلدانية والآشورية.
الجسر الثقافي بين الشرق والغرب. يجب عدم التقليل من أهمية كون الكنائس الشرقية تشكل جسرا مهما وضروريا بين الثقافتين العربية والغربية. تنسق المؤسسات الكنسية الشرقية مع الكنائس المحلية في المغتربات، ومعظمها، إن لم تكن جميعها، مشاركة في مجالس الكنائس المحلية التي تعتبر من أهم المنابر التي يصل من خلالها الصوت العربي إلى أذهان المؤمنين الغربيين. وبالرغم من أن الكنائس عموما لا تتدخل في السياسة، فإن ذلك لا يمنع ان تدافع الكنائس عن قضايا رعياها في الردهات السياسية الخاصة أو ان تدعم مشاريع تعود بالفائدة على المنكوبين وضحايا الحروب.
المحافظة على التقاليد. قد يبدو ذلك للبعض صعب المنال وسط مجتمعات متعولمة لا تتشارك مع الشرقيين في الكثير من التقاليد الإجتماعية. ولكن الحقائق تشير إلى أن المهاجر الذي على إتصال متواصل مع كنيسته الاصلية هو الاقل تعرضا للمشاكل الإجتماعية والأسرية بسبب دعم الطائفة له والشعور بالإنتماء وعدم الشعور بالعزلة.
وفي المحصلة النهائية فإن الكنيسة اينما كانت تلعب دورا رئيسيا في حياة الإنسان، بغض النظر عن مقدار إيمانه، وهو موضوع قد نتطرق له في مناسبة أخرى.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات