رؤية في كتاب "سر الأخ" للقديسة الأم ماري سكوبتسوف


ميلاد ديب جبارة


أصدرت تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع, في عام 2008 كتاباً بعنوان: "سر الأخ", لمؤلفته القدّيسة الأم ماري سكوبتسوف الرّوسية الأصل. وقد قامت تعاونية النور بالترجمة, في 330 صفحة من القياس الوسط
إنني لا أغالي إن قلت أنَّ الكتاب, قمّة في الرؤية الفلسفية, كتاب يعنى بمواضيع متنوعة, تجتذب القارئ وخاصةً أنَّ لها لغتها المحببة والبسيطة, ونقلت إلى العربية بلغة سلسة بسيطة
ولكن انتابني حزن شديد, من يقرأ الكتاب وسيرة حياة القديسة, يجد ببساطة هجوماً كبيراً على الرهبنة التقليدية, ويعتقد أنّه موجه فعلياً إما لتحطيم الرهبنات القائمة أو لتدمير توجه الرهبنة لدى أذهان شبابنا
الرهبنة التقليدية القائمة على العمل والصوم والصلاة, لا غنى عنها في الكنيسة, وإن برزت شخصيّات خرجت عن المألوف كالقديسة الأم ماري والأم غافرييلا اليونانية فلا يصح تعميمنا للأمر على ما قاله أيضاًَ قدس الأرشمندريت توما (بيطار) في مقالة له بعنوان: "لا كنيسة دون رهبنة" في موقع ديره الالكتروني
وكثيرون شككوا بمدى صحة قداسة الأم ماري, بسبب أنها تزوجت مرّتين قبل سيامتها الرهبانية وكانت تعيش في فوضى عارمة, وتدخن السيجار وهو الأمر الذي يُعتَبر من قبل كثيرين خطيئة
لن ندخل في متاهة كهذه, ولكنني صرت أبحث دائماً عن أسباب إعلان القداسة لكثيرين في الكنيسة الأرثوذكسية الرّوسية, ولا أجد جواباً ولا أعرف إن كان أحد يملكه
قيل عن الكتاب أنه ثورة, ويحدث ثورة في داخل الإنسان الذي يقرأه, والأمر صحيح, فإما ستشعر أنك خاطئ كبير لا تدرك من الأمور الشيء اليسير. وإما سترى نماذج من حولك وقد يكون نموذجك أحدها, فتكتشف ذاتك أكثر وتمجّد ربك أكثر
كثيرون لم يستطيعوا إنهاء الكتاب لصعوبته. آخرون استخفوا به. ولعمري ولا أحد من الفريقين على دراية بما للكتاب من أهمية
أهميته تكمن في ثوريتّه ووضوحه وشموليّته, إنه بالحقيقة ما نحتاج إليه في القرن الجديد, ولكنّه ليس الكامل في كل شيء إنه يحوي شيء ولكن هذا الشيء هو جزء بسيط من الذي نحتاجه
عيب من قاموا بالترجمة والطباعة أنهم لم يضعوا ملحقاً توضيحياً أو تمهيداً ضرورياً تشرح فيه أمور كثيرة من ضمنها, مفاهيم الرهبنة والسلوك الاجتماعي المحب تجاه القريب وإعلان القداسة ومفهوم ضرورة وجود كتابها بالعربية
لا أعرف إن كان قصداً أو بغير قصد, لم يوضع هكذا أمر وهذا برسم المسؤولين عن تعاونية النور التي أرجو أن يصلها سؤالي هذا

وها أحد أقوال القدّيسة في إحدى مقالاتها:
" لا تكتفي الحياة المسيحية بجنون الصليب بل يجب أن يتلازم هذا مع جنون السيف. ولا تنحصر بالصلب بل تنفتح على المشاركة في صليب الآخرين, وبالوقوف على الجلجلة تحت قدمّي كل صليب بشري. ويجب على النفس البشرية أن تكون بنويّة وحاملة للصليب, وفي الوقت عينه والدية ومتقبّلة السيف"

وفي أخرى:
" قال المسيح: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه". كان باستطاعة المسيح أن يستعمل كلمة "حياة" بدل كلمة "نفس" إنّما تحدث عن "نفسه" أي عن التضحية بعالمه الداخلي, والبذل الكامل غير المشروط كحدِّ يستطيع الحب المسيحي أن يصله. أعود وأكرر, المسألة لا تحتمل الاحتفاظ بالمغانم الروحية إنّما تحتّم عطاء الكل"