+

" .. لا يرتئي فوق ما ينبغي ان يرتئي بل يرتئي الى التعقل .. "

(رو 12 : 3)

الارتقاء المتعقل من منظور مسيحي
( حسب تعاليم الإنجيل وأباء الكنيسة )


رغبة الله فى أن يسمو بالإنسان ويرتفع ، رغبة حاضرة كل حين ورغم كل ظروف وأحوال الإنسان المتغيرة، وذلك لان مسرة الله أن يكون لكل إنسان "قامة ملء المسيح " (اف 4 : 13)، وبالتالى فرغبة الله فى أن يسمو بالإنسان ويرتقى رغبة صادقة ومؤكده ، بل ان عمل الله الخلاصي من خلال المسيح كان بهدف الارتقاء بهذا الإنسان، كما أن مسرة الروح أيضا هى أن ينتقل بالإنسان من مجد إلى مجد ، وبذلك تكون قضية الارتقاء بالإنسان هى مسرة الثالوث القدوس .


بيد أنه كثيراً ما نخلط بين الارتقاء والرغبة غير المقدسة فى السمو و الارتفاع ، رغم التباين الواضح بين الأمرين والاختلاف الجذرى بينهم ، لان الارتقاء وفقاً لإرادة الله هو مسرة الثالوث القدوس كما أسلفت ، والرغبة فى الارتفاع والنمو مخالفة لإرادة الله اعتداء وشر وانحراف واضح عن طاعة الحق وإرادة الإنجيل ، وهذا ما يجعل الإنسان المعتدى بلا عذر .

لأجل ذلك مدح السيد له كل المجد من يعمل مشيئته ويصبر إلى المنتهى ومن يضع نفسه ويرذلها ومن يأخذ المتكأ الأخير ، وطوبى لمن وجد السيد فى نفسه مشاعر الانسحاق الصادقة والرغبة النقية فى الارتقاء حسب إرادة الله والاستعداد لطاعة الروح لأن هذا هى النفس التى تستحق مجد الله ونعمته كل حين ، أما النفس التى تبحث عن الوسيلة التى بها ترتفع وتسمو ، ولو على حساب ناموس المسيح وإرادته ، فهذه هى النفس التى ستلحق بها الكثير والكثير من الخسائر والمصائب والتجارب التى لا تنتهى .


وأرغب هنا فى ذكر بعض الملاحظات والتى أرجو أخذها بعين الاعتبار ، وهى كالتالى :

+ الارتقاء المقدس فى الحق يحمل فى طياته كل رغبة صادقة فى الحياة حسب إرادة الإنجيل وفكر المسيح ، أما الارتقاء الذى يهدف لمجد الذات والحرية التى ليست على مستوى الحق وإرادة الإنجيل ، فهو رغبة فى السلوك بكبرياء القلب وعناده ، والمصير هو سمو زمنى وضد إرادة الله .

+ الارتقاء يكون وفقا لإرادة الله متى كان الغرض من طلبه والسعي إليه إتمام الوصية وخلاص النفس والتحرر من القيود الباطلة وبدافع الغيرة المقدسة ، ولا يحتاج أحد يرغب فى الارتقاء لمعرفة متى تكون الرغبة فى الارتقاء مقدسة ومتى تكون غير ذلك ، لأن الدافع وراء الارتقاء يظهر ذلك تماما و يؤكده .


+ متى كانت الرغبة فى الارتقاء على حسب إرادة الله و روح الإنجيل فحتماً سيؤيد الله الإنسان بالعديد والعديد من المؤازرات والتى يكون الغرض منها المساعدة على البلوغ للمستوى الأفضل فى النمو والتجديد الذى يحتاجه الإنسان ويرجوه الرب له أيضاً ، وبهذا أيضاً يتحقق الكمال والثمر فى حياة الإنسان ، إذ يأخذ من الله ما يحتاجه لا بما يزيد عن احتياجه ، لئلا يسقط هذا الإنسان فى الكبرياء ويهلك.


+ المسيحية ليست ضد رغبة الإنسان فى السمو والارتقاء ، كما أنها ليست دعوة للسلبية والإنطوائية والحياة بلا ثمر ، ولكنها حياة مباركة مدعو إليها الإنسان ، وما يضمن لهذا الإنسان التمتع ببركاتها هو السلوك بتدقيق وخضوع كامل لتدبير الروح وخطته ،خضوعاً لا على سبيل الاضطرار ولكن عن إيمان بان لله خطة عظيمة لكل إنسان ، قد يبدو آبان إتمامها صعوبات وتحديات وضيقات ولكن النهاية مجد وكرامة ، وذلك عند حلول المواعيد واجتياز الإنسان لخطة الروح بنجاح .


+ يرغب الله فى أن يرتقى أولاده كل حين وفى سائر الأصعدة المقدسة فى الحق ، ولكن ارتقاء يتماشى ونعمة الطبيعة الجديدة التى أخذها الإنسان بالمسيح يسوع ، لان هناك أمور كثيرة نظن أنها نافعة وعاقبتها إنكار الإيمان و الهلاك الأبدي، والنفس الحكيمة لا تطلب ما تشك فى صلاحه وقدسيته ، ومن باب أولى لا تسأل لنفسها أمورا ضد سعادتها وعفتها ، لأن مصير نوالها لهذه الأمور ، هلاكها الأبدى وفقدانها ما أعُد لها من مجد و بركات .


صديقي ، لا تدع لأفكار الجهل والكبرياء موضعاً بداخلك ، بل كل اليقين فى أن الله يسر بنا حينما نطلبه وبما نطلبه حينما نسأله ، ومسرته أن نرتقي ونسمو ونرتفع ، ولكن حسب إرادته وتدبير روحه القدوس ، فلنقبل هذا صديقي لئلا نخسر جزاء دعوته المباركة ، لك القرار والمصير .