لماذا يبخّر الكاهن الناس في الكنيسة؟؟؟

التبخير للأيقونات والمقدسات مصحوب بالتكريم والسجود..
أما للمؤمنين فهو بركة من جهة ودعوة لتصويب الصلوات مستقيمة نحو الله ..
الكاهن يبارك المقدسات فتصير جسد الرب ودمه ...
هذا السلطان عام يستطيع بمو جبه أن يبارك المؤمنين وكل شيء..
فالانسان صورة الله الحية الذي لبس المسيح بالمعمودية
فصار الأيقونة الجديدة التي ترنو الى شركة تامة مع الثالوث القدوس...
كانت عادة القدماء تستخدم العطور بوفرة كرمز التقدمة. ولقد تبنى شعب إسرائيل هذه العادة.
فكانت ليتورجية الهيكل تخصّص مذبحاً للبخور (خروج 30: 1- 10)، ومجامر (1 ملوك 7: 50) وجامات للبخور (عدد 7: 8)، فذبيحة من الطيب كانت تقدَم، كل صباح وكل مساء، في عبادة بهيجة (خروج 30: 7- 8 لوقا 1: 9- 11) فكانت رائحة البخور الصاعد في دوائر من الدخان، تعّبر عن الحمد المقدَم للألوهية (حكمة 18: 21 مزمور 141: 2 رؤيا 8: 2- 5، 5: 8)، فيعادل تقديم البخور السجود لله وطلب مرضاته (1. ملوك 22: 44، 1مكابيين 1: 55).
غير أنه لا يمكن أن تكون هناك إلا عبادة واحدة: هي عبادة الإله الحقيقي، فالبخور وعطره لا يشيران في النهاية إلا للعبادة الكاملة، للذبيحة غير الدموية التي سوف تقدمها جميع الأمم في آخر الأزمنة (ملاخيا 1: 11، إشعيا 60: 6، راجع متى 2: 11).
إن هذه العبادة الكاملة حققها المسيح. فلقد قدم ذاته "قرباناً وذبيحة لله، طيّبة الرائحة" (أفسس 5: 2، راجع خروج 29: 18، مزمور 40: 7)، أي إن حياته قد بذلت كتقدمة ومحبة مقبولة لدى الله.
وعلى المسيحي بدوره، وقد مُسِح في المعمودية بالمسيح، بواسطة علامة الميرون، وهو خليط من العطور الفاخرة الثمينة (راجع خروج 30: 22- 25)، أن ينشر "رائحة المسيح الطيبة " (2 كورنتس 2: 14- 17)، ويشبع حتى أصغر أعماله (فيلبي 4: 18) بروح البذل والتقدمة هذا.
منذ العصور الأولى تستخدم الكنيسة البخور أثناء الصلوات ، وللبخور قيمة عملية فى الصلاة. لذلك أمر الرب موسى أن يعمل مذبحاً للبخور بمواصفات خاصة: "وتصنع مذبحاً لإيقاد البخور. من خشب السنط تصعنه، طوله... وتغشيه بذهب نقى.. وتصنع له إكليلاً من ذهب حواليه.. وتجعله قدام الحجاب.. فيوقد عليه هرون بخوراً عطراً كل صباح... وحين يصعد هرون السرج فى العشية يوقده. بخوراً دائماً أمام الرب فى أجيالكم. لا تصعدوا عليه بخوراً غريباً، ولا محرقة أو تقدمة. ولا تسكبوا عليه سكيباً، ويصنع هرون كفارة على قرونه مرة فى السنة" (خر 1:30-10).
أما البخور المستخدم فى الصلاة والعبادة؛ فأيضاً كانت له مواصفات خاصة وله قدسية خاصة، حتى أنه لا يجوز الإنسان أن يصنع مثله أو يستخدمه فى منزله.. وقال الرب لموسى: "خذ لك أعطاراً. ميعة وأظفاراً وقنة عطرة ولباناً نقياً. تكون أجزاء متساوية؛ فتصنعها بخوراً عطراً صنعة العطار مملحاً نقياً مقدساً، وتسحق منه ناعماً، وتجعل منه قدام الشهادة فى خيمة الاجتماع حيث اجتمع بك. قدس أقداس يكون عندكم. والبخور الذى تصنعه على مقاديره.
لا تصنعوا لأنفسكم مثله بل يكون عندك مقدساً للرب. كل من يصنع مثله ليشمه يقطع من شعبه" (خر 34:30-38).
تاريخ استخدام البخور
________________________________________
1- "منذ البدء نسمع عن نوح أنه بنى مذبحاً وأصعد محرقات فتنسم الرب رائحة الرضا" (تك 21:8)، لعل عبارة "تنسم الرب رائحة الرضا" هى أول إشارة للبخور فى تاريخ الإنسان... حيث صاحب تقديم الذبيحة، رائحة عطرة من أدهان الذبيحة ودخان حريقها.. اشتمه الرب كرائحة بخور يرضى عنها.
2- استخدمته الشعوب الوثنية فى عباداتهم المنحرفة "وأبطل من موآب يقول الرب من يصعد فى مرتفعة ومن يبخر لآلهته" (أر 35:48)، "وأقيم دعواي على كل شرهم، لأنهم تركوني وبخروا لآلهة أخرى وسجدوا لأعمال أيديهم" (أر 16:1)، "آثامكم وأثام آبائكم معاً قال الرب الذين بخروا على الجبال" (أش 7:65)، "ذهبوا من أمامهم يذبحون للبعليم، و يبخرون للتماثيل المنحوتة" (هو 2:11).ومن الملاحظ هنا أن الله لم يعترض على البخور، ولكنه أعترض على التبخير لآلهة غريبة؛( التماثيل) فالبخور فى ذلك - شأنه شان باقي الوسائط العبادية من ذبائح وصلوات وأصوام وأعياد وغيره - استخدمتها الشعوب استخداماً منحرف لعبادة المخلوق دون الخالق.. وطبيعة الأمر أن استخدامها لهذه الوسائل لا يصبغها بالصبغة الوثنية.. فليست الصلوات تراثاً وثنياً لأن الوثنيين صلوا، وكذلك الأصوام ولا الكنائس لأنهم بنوا معابد، وأيضاً ليس البخور عملاً وثنياً..
3- قننه الله في عهد موسى النبي للإستخدام المقدس داخل خيمة الاجتماع في عهد موسى النبي، واستمر الوضع هكذا في الهيكل أيضاً بعد بنائه في عهد سليمان الحكيم.. حتى أننا رأيناه في الهيكل قبيل ولادة السيد المسيح في قصة زكريا الكاهن "فبينما هو يكهن في نوبة فرقته أمام الله، حسب عادة الكهنوت، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر... فظهر له ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور" (لو 8:1-11).
4- قدمه المجوس للرب يسوع المولود ضمن هداياهم النبوية والرمزية، حيث فسر الآباء أن الذهب كان رمزاً لملكوته، والمر رمزاً لآلامه وموته، أما البخور (اللبان) فكان إشارة لكهنوته وألوهيته "ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا: ذهباً ولباناً ومراً" (مت 11:2).
5- رأينا حتى الآن أن البخور استخدم في العبادة الإلهية من عهد موسى النبي حتى زكريا والد يوحنا المعمدان.. وفي نفس الأثناء كان هناك وثنيون يستخدمون نفس البخور في عبادة منحرفة.. ما الذي يميز البخور الإلهى عن البخور الوثني؟أولاً: أنه يقدم لإسم الرب.ثانياً: أنه يقدم في أورشليم فى الهيكل وليس خارجه..دعنا الآن نتساءل عما فيهما يتنبأ ملاخي النبي..."لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها إسمي عظيم بين الأمم، وفي كل مكان يقرب لإسمي بخور، وتقدمة طاهرة، لأن إسمي عظيم بين الأمم قال رب الجنود" (ملا 11:1) لاحظ ما تحته خط (كل مكان، الأمم).. هل يتكلم عن بخور (لإسمى) إسم الرب.. فهل هو البخور اليهودي؟ أيضاً لا.. لأنه يتكلم عن (الأمم)..أنه هنا يتكلم بروح النبوة عن البخور المسيحي أى يقدم في كل مكان لإسم الرب، وليس في أورشليم فقط أو للأوثان.
6- رأينا في تسلسل التاريخ أن هناك بخوراً أيام نوح وبخوراً أيام موسى وهارون ثم بخوراً أيضاً في المسيحية.. فهل هناك بخور في السماء؟ هذا ما يشرحه القديس يوحنا الانجيلي إذ رأى أربعة وعشرون قسيساً فى السماء "ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القديسين" (رؤ 7:5)، وكذلك رأى ملاكاً آخراً جاء "ووقف عند المذبح ومعه مبخرة من ذهب وأعطى بخوراً كثيراً لكى يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذى أمام العرش فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" (رؤ 3:8-4).
إذا فالبخور مستخدم فى عبادة الله منذ البداية وإلى الآن... والسؤال الذي يطرح نفسه الآن...لماذا البخور ؟
- الإيحاء بحضور الله في الكنيسة "مادام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته" (نش 12:1). وسحابة دخان البخور تشير إلى أن الله محتجب وغير مرئي.. كما حدث وقت تدشين هيكل سليمان وكان لما خرج الكهنة من القدس، أن السحاب ملأ بيت الرب. ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب؛ لأن مجد الرب ملأ بيت الرب. حينئذ تكلم سليمان: "قال الرب أنه يسكن في الضباب" (1مل 10:8-12) إنه يسكن في الضباب بمعنى أنه غير مرئي وغير مفحوص وغير مدرك.. لذلك عندما ترتفع سحابة البخور بالكنيسة فأنها تنبه أذهاننا إلى حضور الله غير المرئي وسطنا ويصلي الكاهن في سر بخور عشية قائلاً: "أيها المسيح إلهنا العظيم المخوف الحقيقي الإبن الوحيد وكلمة الله الآب طيب مسكوب هو اسمك القدوس، وفي كل مكان يقدم بخور لإسمك القدوس صعيدة طاهرة".
2- شغل حواس الإنسان بالعمل الروحي.. فلا نكتفي فقط بصلاة العقل بلا تنشغل العيون بالأيقونات البديعة، وتنشغل الآذان بالألحان الشجية والموسيقى الروحية، كما الأنوف برائحة البخور العطرة.. فيرتفع القلب فى هذا الجو الروحى ليسكن السماويات.
3- والبخـور فـى الكنيسـة يشـرح ويعبـر عـن روح الصلاة.. فالإنسان في ذبيحـة التسبيـح يقـدم أفخـر ما لديه: الجهد والوقت والحب... ويطرحها فى حب وتسليم تحت قدس المسيح كالبخور الذي يطرح على الحجر؛ فتتصاعد روائح عطرة تملأ الكون الفسيح برائحة المسيح الذكية "لتستقم صلاة كالبخور قدامك" (مز 2:141)،
4- وسفر الرؤيا يكشف لنا عن ارتباط البخور بصلوات القديسين (رؤ 8:5، 3:8،4)؛ لذلك كلما ارتفع البخور بالكنيسة يرتل الشعب ذكصولوجيات وتسابيح خاصة بالقديسين، لنتشارك معاً فى الصلاة والتسبيح والفرح بالسيد المسيح "من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر" (نش 6:3).
5- يرمز البخور أيضاً إلى التطهير من الخطية، وإلى التوبة ورائحة القداسة والبر.. وهذا تعلمناه من قصة حدثت فى العهد القديم حيث تذمر الشعب فأصيبوا بالوباء.. "ثم قال موسى لهرون خذ المجمرة وأجعل فيها ناراً من على المذبح وضع بخوراً وأذهب بها مسرعاً إلى الجماعة، وكفر عنهم لأن السخط قد خرج من قبل الرب. قد ابتدأ الوباء؛ فأخذ هرون كما قال موسى وركض إلى وسط الجماعة وإذا الوباء قد ابتدأ فى الشعب؛ فوضع البخور وكفر عن الشعب. ووقف بين الموتى والأحياء؛ فامتنع الوباء" (عد 41:16-50).ولعل هذه القصة هي السر في أن أبونا يأخذ المبخرة ويبخر بها بين الشعب في الكنيسـة... إنهـا لحظات تطهيرية؛ لذلك يقـف الشعـب وينحنـي برأسـه ويعترف سراً بخطاياه ويعود أبونـا إلـى الهيكل ليصلي (سر إعتراف الشعب)،
6- والبخور أيضاً هو شركة مع السمائيين الذين يرفعون أمام الحي إلى الأبد الآبدين.. لذلك عندما يرتل الشعب الترصاجيون قبل قراءة الرسالة وقبل قراءة الإنجيل يمسك أبونا المبخرة ويقف أمام باب الهيكل يبخر.. مشاركاً بذلك السمائيين فى تسبيحهم وبخورهم. "قد جعلت ذاتي كنيسة للمسيح، ومرتب له داخلها بخور أو طيب بأتعاب جسدي" (مار افرآم السوري)
منقول بتصرف