ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فانهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين ( متى 6: 16 )


لمن نصوم؟ هل نصوم للناس لكي يروا صيامنا فيطرون عليه؟ أم أننا نصوم لله، وهل الله بحاجة لامتناعنا عن بعض الأطعمة والأشربة؟ وإن كان ما يدخل الفم يندفع إلى الجوف ولا يقدر أن ينجّس الإنسان، فهل عدم دخول هذا الطعام أو ذاك إلى الفم والجوف قادر أن يطهّر الإنسان؟ أليسَ ما يخرج من الفم هو ما ينجّس الإنسان؟ أليس ما يصدر عنه من أفعال وأقوال؟

إن صمنا فنحن نصوم لأجل نفوسنا، ليس لله وليس للناس. الشهوة قتلتنا قديماً عندما دفعت الأبوين الأولين لعصيان الأوامر الإلهية والأكل من الثمرة المحرمة " فرأت المرأة ان الشجرة جيدة للأكل وانها بهجة للعيون وان الشجرة شهيّة للنظر.فأخذت من ثمرها واكلت واعطت رجلها ايضا معها فأكل " ( تك 3 : 5 ) . ولا تزال نفس الشهوة التي تصور لنا الخطيئة أنها بهجة للعيون وشهية للنظر تفتك بنا إلى اليوم، وكل ما نعانيه هو بسبب الشهوات. فاشتهاء ما هو للآخر يدفع بنا إلى ابتزازه أو استغلاله أو خداعه من أجل الحصول على ما نشتهي، أو حتى قد يدفع إلى التخلص منه كما فعل الملك آخاب بنابوت اليزرعيلي إذ اشتهى كرمه ( الملوك الأول 21 )؛ أو كما تسبب داود في قتل أوريّا الحثي لكونه اشتهى امرأته بتشبع بنت أليعام ( 2 صموئيل 11 )، أو كما قتل هيرودس يوحنا المعمدان لأجل قسم قاله في سكره لراقصة خليعة، وشهوة السلطة تدفع بالبعض للتخلص من كل من يعترض أو يعرقل وصولهم إلى مآربهم بشتى الطرق والوسائل غير المشروعة، وشهوة الثروات الطبيعية والغنى والرفاهية تدفع بالدول القوية إلى قهر شعوب بأكملها واستعبادها واستغلالها وقتل أبنائها وتشريدهم والتسبب بشتى المآسي والأوجاع والأحزان لهم ... إلخ .

الصوم هو إذاً أول الأسلحة في حربنا المُعلنة على الشيطان وأتباعه " هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم " ( متى17: 21 ). فأول الطريق لحربنا على الشيطان هو في إخماد جذوة الشهوات في نفوسنا، وما الامتناع عن الطعام سوى شكل من أشكال ضبط الشهوات؛ لكنه لا يكتمل إلا بضبط كافة الشهوات الأخرى المحرّمة بطبيعة الحال وحتى المباحة منها، لكي نؤكد أنه " كل الاشياء تحل لي لكن ليس كل الاشياء توافق، كل الاشياء تحل لي لكن لا يتسلط علي شيء " على حد قول بولس الرسول في كورنثوس الأولى ( 6: 12 ).

الصوم فريضة كتابية أوصى بها السيد المسيح في قوله السابق بأن الصوم ضروري لقهر الشياطين، وفي قوله " ستأتي ايام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون " ( لو5: 35 )، وكان الرسل يصومون فعلاً ويصلون ( أعمال 13: 2 ) وأوصى بولس أهل كورنثوس بالصوم ( كورنثوس الاولى 7: 5 ).

وقد كان الصوم في العهد القديم تعبيراً عن الندم على الخطايا الكبرى والتذلل أمام الرب وطلب الغفران ، فداود صام إذ مرض الطفل الذي أنجبه من امرأة أوريا الحثي الذي قتله ومات ( صموئيل الثاني 12 )، وأهل اسرائيل صاموا متذللين أمام الرب ( عزرا8: 21 ) وكما يقول المزمور " أذللت بالصوم نفسي " ( 69: 10، 109: 24 ) بمعنى أخضعتها وقدمتها لك يا رب. والصوم كان أحد علامات العودة إلى الرب " آن يقول الرب ارجعوا اليّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح " ( يو 2: 12 ).

اليوم تحول الصوم لدى الكثيرين إلى موائد عامرة، ومأكولات فاخرة، يتسابق الناس في تحضيرها وتنوعها. حتى غدت فترة الصوم مرهقة اقتصادياً للعائلات الميسورة بدل أن تكون فترة تقشف وإحساس بالآخر الجائع، وتقاسم لعطية الرب مع الأخوة كما يقول الكتاب أنه في الكنيسة الأولى زمن الرسل " كان كل شيء بينهم مشتركاً " ( أعمال 2: 44، 4: 32 ). هؤلاء لا يصومون بل يحتفلون بأنفسهم ويدللون ذواتهم. حين يتساءلون هل تحلل الكنيسة تناول السمن النباتي عوض السمن الحيواني تصاب وأنت تسمعهم بخيبة عظمى !!! الكنيسة لم تحلل ولم تحرّم. الكنيسة ليست مؤسسة بل هي أنا وأنت، والصوم هو لقهر الشهوة والتوجه نحو الله بقلب نقي غير متعلق بأي قيود بهذا العالم، وخالٍ من رواسب الدنيا الفانية. إن أردت أن تأكل وتشرب فالكنيسة لا تمنعك ولكن " ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه " ؟

الصوم المنافق لا يريده الله، أن تفترش الأرض وتنزع ثيابك وتعفّر رأسك بالتراب وتؤذي جسدك غير مقبول في عيني الرب، أن تسير الجبال حافياً او جاثياً وتسيل الدماء من ركبتيك وأنت تسعى إلى ذلك الدير أو نحو تلك الأيقونة كنوع من التقدمة لا ينفعك بشيء إن لم يكن قلبك تغيّر، ونسى الخصومات واحتضن أخوتك في الرب وحتى أعداءك . يقول أشعياء النبي " يوما يذلل الانسان فيه نفسه يحني كالاسلة راسه ويفرش تحته مسحا ورمادا، هل تسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب؟ أليس هذا صوما اختاره : حل قيود الشر، فك عقد النير واطلاق المسحوقين احرارا وقطع كل نير ؟ اليس ان تكسر للجائع خبزك وان تدخل المساكين التائهين الى بيتك؟ اذا رأيت عريانا ان تكسوه وان لا تتغاضى عن لحمك ؟ حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعا ويسير برك امامك ومجد الرب يجمع ساقتك، حينئذ تدعو فيجيب الرب، تستغيث فيقول هانذا " ( أشعيا 58 ).

أما انت أيها المسيحي الذي تحيا في عالم لا تنتمي إليه ، بل تحيا وتنتمي للملكوت الذي ليس من هذا العالم كمسيحك " فمتى صمت فادهن راسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما بل لابيك الذي في الخفاء.فابوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية " ( متى6: 17-18 ).

صوماً مباركاً للجميع .. واستعداداً لائقاً لفجر القيامة المجيد