"باركوا ولا تلعنوا"
(رو 12: 14)

الله لا يلعن أحدًا. لذا مَن قال لأحد: "لعنة الله عليك!" فليس من الله. الله يبارك، وهو يبارك الصّالح والشّرّير سواء بسواء، الأوّل حتّى يتمجّد الله به والثّاني حتّى يصطلح ويتمجّد الله به. البَرَكة من المحبّة، والله محبّة. لذا لا فقط لا نلعن بل نبارك أيضًا الّذين يلعنوننا (مت 5: 44).

الّلعن، في لسان العرب، هو الإبعاد والطّرد من الخير والله. فكأن الّلاعن يضرب الملعون بالسّوء ويشتهي له الأذيّة ويروم له البليّة، ويستعين بالله عليه عن ضعف وعجز. وبما أنّ الله لا قِبْل له بالّلعن فإنّ الإله الّذي يستجير به الّلاعن هو إبليس. الّلعنُ، إذًا، من إبليس ويشدّ إليه ويستدعيه. بالّلعن يجد إبليس معبرًا إلى النّفس، وبالّلعن، أيضًا، يرجم الّلاعن الملعون بما هو من إبليس. فإذا لم يكن الملعون محصّنًا بروح الله فإنّ الأذيّة تلحقه في النّفس، أوّلاً، وفي الجسد أيضًا. الّلعنة، في هذه الحال، قوّة سالبة قد تتسبّب بمرض أو بعرقلة مسعى أو بخلاف بين النّاس أو بحادثة مؤلمة أو بفشل أو بموت. بعض الّذين يشعرون بخطر يداهمهم من لعنة يلجأون إلى التّبصير أو التّعويذة أو الحجاب أو أيّ فعل من أفعال السِّحر والشّعوذة، فتكون النّتيجة أسوأ لأنّهم يسعون إلى ردّ روح خبيث بروح خبيث؛ ولا يحدث كما يشتهون، لأنّ الشّيطان لا يُخرج شيطانًا لئلا يوجد منقسمًا على ذاته وتنحلّ مملكته (مت 12: 26).

بالّلعن، إذًا، نعطي مكانًا لإبليس في ذواتنا ونمدّ عمل إبليس بين النّاس وفي الخليقة. وهكذا نوجد مساهمين في إثارة الفتن ونشر الأمراض، لا سيّما النّفسيّة، والجسديّة أيضًا، وتسميم البيئة، ومن ثمّ تفكيك الخليقة.

والّلعن لا يكون بالكلام فقط بل بالفكر أوّلاً. فمن حيث هو مرتبط بالغضب والحقد وسائر الأهواء كالطّمع والحسد والأنانيّة وشهوة الجسد، وما سوى ذلك، فإنّه، أيّ الّلعن، فعل نيّة في القلب، أوّلاً وقبل كلّ شيء. لذا لا حاجة، بالضّرورة، إلى الكلام ليصير الّلعن واقعًا، يكفي أن تتضافر النّوازع السّالبة في النّفس وينشحن القلب بالعداء حتّى يوجَد الّلعن حركة تقبض على زمام الكيان وتستدعي قوّة إبليس وتبثّها، من ذاتها، في اتّجاه الشّخص أو الجماعة المستهدفة بالّلعن. هذا قد يأخذ تعبيرًا حسّيًّا ويخرج في كلمات مشحونة بالعنف وقد يبقى في مستوى النيّة والقصد تبعًا للظروف المحيطة بالنّاس وعلاقتهم بعضهم بالبعض الآخر. ولعلّ أخطر الّلعن وأسوأه هو المموّه بتعابير البَرَكة كأن تلعن في قلبك وتتمنّى السّوء في نفسك لمَن تستهدف، فيما تباركه بلسانك. مثل ذلك أن تقول: "الله يسامحك!" فيما قلبك يلعن وتشتهي لغريمك الأذيّة حاسبًا الأذيّة تأديبًا، أو ظانًّا أنّك إن ذكرت اسم إلهك فإنّه سينتقم لك بطريقة هو يعرفها أو تتوقّع أن يصيب مَن بإزائك الضّررُ بعد حين وإيّاك البَرَكة لأنّك تتمسّك، شكلاً، بقول البَرَكة. وهكذا إذ يكون قلبك غير نقيّ فإنّ الكلام النقيّ الّذي تتفوّه به لا يوجد فاعلاً، بل نيّة قلبك تكون هي الفاعلة، فيصيب غريمَك الأذى وتقع أنت في خطيئة الانتقام ظانًّا أنّ ما حصل هو من تأديب العليّ. من هنا الحاجة الدّؤوب إلى تنقية القلب أوّلاً وأخيرًا. "نقّ أوّلاً داخل الكأس والصّحفة لكي يكون خارجُهما أيضًا نقيًّا" (مت 23: 26).

في مقابل الّلعنة عليك بالبَرَكة. البَرَكة، أوّلاً، موقف صحوة في النّفس. تعي أنّ ثمّة ما في نفسك غير نقيّ وأنّه عنيف وملحاح ويهدّد باجتياحك. هذا تقابله بعنف الإرادة الطّيِّبة في المسيح. للأهواء في النّفس إرادتها وللإيمان بالرّبّ يسوع إرادة أخرى. إذًا تفعّل إرادة الصّلاح في المسيح، المدعّمة بنعمة الله. تدخل في صراع مع نفسك حتّى تلجم كلّ نزعة غير نقيّة فيها. هذا صعب لكنّه ميسور. جهاد الإرادة الطّيِّبة أساسيّ لتفعيل نعمة الله في النّفس وباتّجاه الآخرين. الصّلاة تعين. ذِكر الخطايا الشّخصيّة يعين. لوم النّفس يعين. ونستعين بالله. "الّلهمّ بادر إلى معونتي. يا ربّ أسرع إلى إغاثتي" (مز). "لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين. أُنظر إلى نفسي وخلِّصها" (مز). يرفع المصلّي عينيه إلى فوق باعتباره قاصرًا وعاجزًا من دون الله وخاطئًا. "إن كنتَ للآثام راصدًا يا ربّ فيا ربّ مَن يثبت فإنّ من عندك هو الاغتفار" (مز). على هذا النّحو تأخذ البَرَكة في فعل فعلها. تبدأ النّفس مُرّة، مشوَّشة، ولا تلبث أن ينحسر الصّراع الدّاخليّ فيها وتنجلي الأمور وتسود النّعمة. في أوّل الأمر توجد النّوازع السّالبة مقيَّدة بالإرادة الطّيِّبة في المسيح، ثمّ شيئًا فشيئًا تستكين النّفس ويسود سلام النّعمة وتقوى المحبّة في المسيح على روح العداء والانتقام. إذ ذاك تأخذ بَرَكةُ الله في فعلها داخل النّفس وبإزاء من دخلنا وإيّاهم في صراع. على هذا النّحو تنبثّ بَرَكة الله وتُشيع سكينة وفرحًا في النّفس وتغلّف الإخوة المضلَّلين بالرّحمة فيَسلمون وتنحسر عنهم موجة القوى الشّرّيرة. هذا هو المسرى المحبّي في المسيح ويؤول إلى نتائج علاجيّة طيِّبة. البَرَكة تصدّ عمل إبليس وتوقفه عند حدّه وتعطّله وتطرح إبليس خارجًا. لا ضرورة لأن يعرف مَن بإزائك ماذا حدث. المهمّ أن يَسلَم ويَصيرَ إلى سلام. وقد يتسنّى له أن يدرك، في عمق نفسه، أنّ رحمة الله نجّته. إذ ذاك يهتدي ويشكر. وفي نهاية المطاف، المحبّة تجمع، لذا البَرَكة تشدّنا أحدنا إلى الآخر وتحفظنا متماسكين.

"باركوا ولا تلعنوا": هذا عملنا، أن نحفظ، أن نصون، أن نرمّم، أن نعزّي، أن نحبّ. بالحبّ تُبنى النّفس ويُبنى الإخوة. حيثما كان التّفكّك كانت الحاجة إلى البَرَكة، وحيثما كانت الحاجة إلى البَرَكة كانت الحاجة إلى المحبّة. ملايين يعملون بنشاط على تقويض العالم ولا ينجحون طالما هناك قطيع صغير يحبّ بإزاء الأنانيّات القاتلة ويبارك بإزاء الّلعنات الفاتكة. "من أجل سلام كلّ العالم". "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرّبّ يسوع المسيح" (رو 1: 7). "المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة".

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما