في طقس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية, تبقى أبواب الأيقونسطاس الوسطية مغلقة خلال تلاوة الصلوات التي تسبق مباشرة بدء القداس الإلهي أو الإفخارستيا. وعندما يبدأ القداس الإلهي تُفتح الأبواب ويظهر الهيكل للعيان ويعلن الكاهن المباركة الأساسية. هذه اللحظة الهامة والأساسية يذكرها القديس يوجين تروبتسكوي (1861 – 1920) – وهو فيلسوف ديني روسي – في كلماته الأخيرة وهو على فراش الموت بقوله: "فُتحت الأبوبا الملكية! سيبدأ القداس الإلهي". لم يكن الموت بالنسبة إليه باباً يغلق بل باباً يُفتح؛ لم يكن الموت نهاية بل بداية. وشأن المسيحيين الأوائل , رأى هذا القديس موته أنّه يوم مولده.

إنّ وجودنا البشريّ أشبه بكتاب: فمعظم الناس يعتبرون حياتهم ههنا بمثابة النص الفعلي والرواية الرئيسة؛ إذ يرون الحياة المستقبليّة – ولا نعلم إلى أي حدّ يؤمنون بواقعيتها – مجرّد ملحق بسيط. أما الموقف المسيحيّ الحق فهو عكس ذلك تماماً. إذ إن الحياة الراهنة ليست في الحقيقة إلّا التمهيد للكتاب أو مقدّمته؛ أما الحياة المستقبليّة فهي الرواية الأساسيّة. ليست لحظة الموت خاتمة الكتاب, بل هي بداية فصله الأول.

في ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة لا بذّ من التذكير بأمرن بديهيّين ننساهما بسهولة فائقة: أولاً, الموت واقع محتوم لا مفرّ منه؛ ثانياً, الموت سرّ. لذا يجب علينا أن ننظر إيه بمشاعر متناقضة ورزانة وواقعية, من جهة, وخشية وانبهار, من جهة أخرى.

في هذه الحياة, لا يمكننا التيقّن إلا من شيء واحد وهو أننا سنموت كلنا يوماً ما, إلا إذا صادف حلول المجيء الثاني قبل أن نموت. الموت هو الحدث الوحيد المحدّد الذي لا مناص منه, وإذا حاولت أن أنساه وأن أخفي على نفسي طابعه المحتوم فلن يكون نصيبي إلا الخسارة. والنزعة الإنسانية الحق لا يمكن أن تنفصل عن وعي الموت؛ إذ فقط بمواجهة الموت الآتي وقبوله يمكنني أن أصبح بحق كائناً حيّاً. وقد أشار إلى ذلك د.ه. لورانس بقوله: "نغمة الحياة باهتة وسخيفة في غياب نغمة الموت". إذاً, بتجاهلنا بُعد الموت نجرّد الحياة من عظمتها الحقيقية.

لقد عبّر الميتروبوليت أنطوني بلوم (أسقف سوروج) عن ذلك بقوة قائلاً: " الموت هو حجر الزاوية بالنسبة إلى موقفنا من الحياة. فالذين يخشون الموت يخشون الحياة أيضاً. إذ من المستحيل ألا نشعر بالخوف من الحياة بكلّ تناقضاتها وأخطارها إذا كنا نخشى الموت. (... ) فبما أننا نخشى الموت, لن نكون مستعدين أبداً للمخاطرة القصوى, بل سنمضي حياتنا بجبن وحذر وخجل. فقط بمواجهتنا الموت وتحديقنا به, وبإعطائنا إيّاه المعنى الذي يستحقّه وتحديد المكانة التي تناسبه ومكاننا نحن بالنسبة إليه, نستطيع أن نعيش من دون خوف, مستنفدين طاقاتنا إلى أقصى حدّ".

يبقى مع ذلك, أن واقعيّتنا وتصميمنا على إعطاء الموت معناه يجب ألّا يجعلانا نحجّم الحقيقة الثانية ألا وهي الطابع الغامض للموت. فعلى الرغم من كل ما تعلّمنا إيّاه تقاليدنا الدينية المختلفة, نحن لا نفهم أي شيء حول "هذه البلاد المجهولة التي لا يعود منها أيّ مسافر ...". صحيح أن الخوف من الموت, كما يقول هاملت, "يربك الإرادة"؛ لذلك علينا أن نقاوم تجربة المغالاة في البحث والإفراط في الكلام. يجب ألا نسخّف الموت. فهو بالطبع واقع محتوم لا مفرّ منه ولكنه, في الوقت ذاته, ذلك المجهول الكبير.

يعبّر القديس إسحق السرياني (القرن السابع) عن الموقف الواقعيّ الرزين الذي يجدر بالإنسان أن يتّخذه حيال الموت بقوله: :"ضع في قلبك أيها الإنسان فكرة أنك سترحل فقل لنفسك باستمرار "ها هو الملاك الذي أتي ليصطحبني واقف عند الباب. فلِمَ أنا واقف هنا لا أفعل شيئاً؟ إن رحيلي مؤبّد؛ ولن أعود". أمضِ الليلة تفكر على هذا النحو وتأمّل بهذه الفكرة النهار كلّه. وعندما تأتي ساعة الرحيل استقبلها بفرح قائلاً "تعالي بسلام! كنت أعلم أنك ستأتين وأنا لم أهمل أيّ شيء يمكن أن يفيدني في طريقي".

في ما يتعلّق بمكانة الموت في حياتنا وموقفنا منه, لا بدّ من أن نفكر بأمور ثلاثة: أولاً, أن الموت أقرب إلينا مما نظنّ؛ ثانياً، أنّه غير طبيعيّ بشكل عميق جداً ومناقض للخطّة الإلهية مع أنّه هبة من الله؛ وأخيراً أنه انفصال ولكنّه، واقعياً, ليس كذلك.

ليس الموت مجرّد حدث بعيد يأتي ليختم وجودنا الأرضي، بل هو حقيقة راهنة لا تنفكّ تحدث فينا ومن حولنا. فالرسول بولس يقول "أواجه الموت كل يوم" (1كو15: 31). ويضيف س. إيليوت مؤكداً ذلك, بقوله إن "وقت المةت هو كلّ لحظة". كل شيء تدبّ فيه الحياة إنما هو شكل من أشكال الموت؛ فنحن نموت باستمرار. لكن في هذه الخبرة اليومية للموت نجد أنّ كل موت تعقبه ولادة جديدة إذ إن كل موت هو أيضاً شكل من أشكال الحياة. فالحياة والموت ليسا متناقضين, ولا يُبطل أحدهما الآخر بل هما مترابطان. ووجودنا البشريّ هو مزيج من موت وقيامة. "مائتين وها إننا أحياء" (2كو 6: 9) يقول القديس بولس. إن رحلتنا في هذا الأرض فصح مستمرّ وعبور مستمرّ من الموت إلى حياة جديدة. وبين ولادتنا الأولى وموتنا النهائي, تتألف مدّة وجودنا بأسرها من سلسلة من الميتات والولادات الصغيرة".

كلّما خلدنا إلى النوم عند حلول المساء, نتذوّق الموت بشكل مسبق, وكلما استيقظنا في صباح اليوم التالي, نذوق القيامة من بين الأموات. تقول إحدى العبارات اليهودية التي تستخدم للمباركة: "مبارك أنت أيها الرب إلهنا ملك الكون, إنك تخلق عالمك في كل صباح". والأمر ذاته ينطبق علينا أيضاً: ففي كل صباح, عند نهوضنا من النوم, نكون وكأننا خلقنا من جديد. وربما يكون موتنا النهائي, على هذا النحو أيضاً, "إعادة خلق", أي نوم يعقبه نهوض. نحن لا نخشى الخلود إلى النوم في كل ليلة لأننا نعلم أننا سنستيقظ مجدّداً في صباح اليوم التالي. ألا يمكن أن نواجه بثقة مماثلة نومنا النهائي في الموت؟ ألا يمكننا أن نترقب استيقاظنا مرة أخرى عندما يخلق الله مجدداً الأبدية؟

إن نموذج الموت – الحياة هذا يتجلّى أيضاً في مسيرة نموِّنا ولكن بفرق بسيط. ففي كل مرحلة من مراحل حياتنا, يجب أن يموت شيء مما فينا لكي نستطيع العبور إلى المرحلة التالية من الحياة. إنّ العبور من مرحلة الرضاعة إلى الطفولة ومن الطفولة إلى المراهقة وثم من المراهقة إلى البلو والنضج يستتبع في كل مرة, موتاً داخلياً يسمح بولادة شيء جديد. فهذه الانتقالات, وبشكل خاص الانتقال من الطفولة إلى المراهقة, يمكنها أن تسبب أزمة حادة ومؤلمة في بعض الحالات. لكن, إن رفضنا ضرورة الموت في هذه المرحلة أو تلك, فلا يمكننا بالتالي أن نتطور لنصبح أشخاصاً بكل ما للكلمة من معنى, وسنصبح, كما كتب جورج مكدونالد في روايته "ليليت", أمواتاً ما دُمنا نرفض الموت. إن الموت هو الذي يخلق فينا إمكان ظهور جديد؛ فبدون الموت لن يكون هناك حياة جديدة.

إذا كان العبور إلى سنّ البلوغ هو شكل من أشكال الموت, فإن الأمر كذلك أيضاً بالنسبة إلى الرحيل أو الانفصال عن مكان أو شخص قد أحببناه. هذه الانفصالات ضرورية لنموّنا المستمرّ باتجاه النضج. فإذا لم تكن لدينا الشجاعة لترك بيئتنا المألوفة والانفصال عن أصدقائنا الحاليين لنقيم علاقات جديدة, فلن نحقق أبداً كل ما نملكه, أي كامل قدرتنا الكامنة في داخلنا. إن تعلّقنا الطويل الأمد بما هو قديم يجعلنا نرف الدعوة إلى اكتشاف الجديد. وأجدني أردّد في هذا الصدد ما جاء على لسان سيسيل داي لويس: التفرّد يبدأ بالرحيل, والشهادة للحبّ لا تتحقّق إلّا بإطلاق الآخر وإعطائه حريّته".




يُتبع