رؤيا عن إطعام الأحياء والأموات

مرة ، عندما كنا في الإسقيط الجديد، راود أحد الإخوة فكرُ الارتياب، وقال في نفسه: " نحن نصلي ونسهر... حسناً. ولكننا هل ننفع الآخرين بهذا الأسلوب، أم ننفع أنفسنا فقط؟". وفيما أخذ يتهيأ للاعتراف بهذا الفكر أما الشيخ (خرالمبس الذيونيسياتي)، بادره هذا الأخير بوجه يبدو التأثر العميق وقال له:
- يا بني، لقد كشف لي الله هذا المساء رؤيا رهيبة. ففيما كنت أصلي، وفجأة في لحظة واحدة، بدا لي أنني موجود في غرفة طعام كبيرة، وأنا واقف أمام باب يُشبه الباب الملوكي في الكنيسة. اجتمع في ذلك المكان جمهور غفير من الناس ينتظرون دورهم. ولاحظت أنكم موجودون هناك بقربي، تقطعون خبزات كبيرة وتقدمونها لي. والناس يمرُّون ضمن صفين، صف للأحياء وصف للأموات، وأنا أوزع لكل شخص قطعة كبركة، وذهب الجميع فرحين. رأيت كثيرين ممَّن أعرفهم وأسماءهم مكتوبة في دفتر الأسماء من الأحياء والأموات. فقال الأخ بدوره:
- أيها الشيخ، هذه الرؤية هي من أجلي، لقد أجبتَ على تساؤلي الذي كان يحيرني والآن أدركت كم تنفع الصلوات والذكرانيات في القداديس لكل العالم.
- طالما أنك مهتم يا بني بهذا الأمر، سوف أقول لك عن المسبحة شيئاً آخر أكثر رهبة، وهو يتعلق بحياة شيخي يوسف (الهدوئي). كانت لشيخي قريبة في العالم يحبها كثيراً، رغم أن حياتها لم تكن جيدة. أخبروه مرة أن قريبته هذه ماتت بطريقة سيئة، فقد أظهرت تكشيرات وحركات غريبة، وتفوهت بكلمات بذيئة وغير ذلك، ثم لفظت أنفاسها الأخيرة وهي في تلك الحالة. عندما سمع الشيخ بذلك أخذ بالبكاء، حتى أني استغربت شدة بكائه ورهافته. ولما علم بما يدور في خلدي، استدركني قائلاً: "أنا لا أبكي يا بني لأنها مات، بل لأنها ذهبت إلى الجحيم".
ومنذ ذلك اليوم، انصرف الشيخ يوسف إلى الصوم والصلاة من أجل قريبته هذه. وبعد أيام، رأيته فرحاً جداً، فسألته: " ما الأمر أيها الشيخ؟". " سأقول لك يا بني. في الأيام الماضية لم أتوقف عن الصلاة والسهر والصوم بدموع من أجل قريبتي الصغيرة تلك. واليوم شاهدت رؤيا عجيبة سارَّة. ففيما كنت أصلي، رأيت قريبتي أمامي تناديني بابتهاج كبير: "اليوم هو يوم خلاصي. اليوم نجوت من الجحيم. اليوم أذهب إلى الفردوس".
وفجأة رأيت في الوقت ذاته، الأب المغبوط جاورجيوس، إنه قديس معاصر، عندما كنت في العالم عرفته قبل وفاته. كان مصراً على أن يُخرج، إن أمكن، جميع الخطأة من الجحيم، فكان يقدِّس كل يوم، ويذكر آلاف الأسماء، ثم يطوف حول القبور، وطوال النهار يقرأ التريصاجيون وصلوات الأموات. فعندما رأيته أمامي، سمعته يقول لي بإعجاب كبير: "يا للعجب! لقد اعتقدتُ حتى اليوم أن الموتى يخلصون بالقداديس والذكرانيات فقط. ولكنني الآن رأيت وأدركت أنه بالمسابح أيضاً يخلص الذين هم في الجحيم". وعاد وقال بتعجب: " بالمسابح أيضاً يخلص العالم...!"
بواسطة هذه الرؤيا، علمت أن قريبتي قد نجت، لكن الله بَّين لي قوة المسبحة، التي يمكنها أن تُخرج نفوساً من الجحيم أيضاً.
بعد أن تفوه الشيخ بهذه الأقوال أمام الأخ بتأثر عميق، منحه بركته وقال له "هيا اذهب، صلاتي معك. ولكن انتبه واغصب نفسك قدر استطاعتك على الطاعة والصلاة، إذا أردت أن تساعد نفسك والآخرين".

من سيرة "الأب خرالمبس الذيونيسياتي الرئيس البسيط ومعلم الصلاة الذهنية"
ترجمة دير راهبات السيدة – بلمانا 2008