تأملات في قضية الانتحار

الانتحار يعني إنهاء الإنسان حياته بملء حريته واختياره. وهو عملية تدمير للذات إرادية، متعمدة وخالية من أي ضغوط خارجية أو داخلية.

حتى وقت متأخر، كان ذكر الانتحار يقتصر على الكتابات مثل أسطورة سيزيف التي كتبها الفيلسوف الوجودي الفرنسي ألبير كامو، الذي أعلن أن الانتحار هو (المشكلة الفلسفية الحقيقية الوحيدة). ولكن في يومنا هذا، يطرح علماء الأخلاق ومفسرو الكتب المقدسة الأسئلة المتعلقة بشرعية الانتحار والرغبة فيه، بشكل متزايد، لا سيما في ضوء التقدم الذي تحققه التقنيات الطبية الأحيائية التي جردت الموت من (لذعته الأخيرة) وخصّت بها عملية الاحتضار.

يشير العلماء إلى أن اعتبار الانتحار خطيئة لا تغتفر يرجع إلى عهد القديس أغسطينس وأن الكتاب المقدس لا يدين الانتحار بشكل صريح في أي موضع. يذك العهد القديم خمس حالات انتحار هي: أبيملك (قض 9، 54)، شاول وحامل سلاحه (1صم 31، 4 وما يليها؛ 1 أخ 10 ، 4 وما يليها)، أحيتوفل (2صم 17 ، 23)، وزمري (1مل 16 ، 18). أما في العهد الجديد فتُذكر حادثة انتحار واحدة فقط هي حالة يهوذا (متى 27، 3 – 5) الذي كان انتحاره علامة على التوبة والندم. وقد طوّر القديس أغسطينس جدالياته ضد قيام الإنسان بإنهاء حياته في سياق مغالطته بعض الدوناتيين الذين كانوا يظنون أن الانتحار استشهاد، إذ رأى أغسطينس أن هذا الاستشهاد (مزيف) لا بل نوع من الانتحار. ومنذ ذلك الوقت، راح لاهوتيو الغرب يعتبرون الانتحار بمثابة جريمة حتى أحلّوه محل الخطيئة الوحيدة التي لا تُغتفر وهي (التجديف على الروح القدس).

تطور في الشرق موقف مشابه من مسألة الانتحار ولاسيما تحت تأثير بطريرك الإسكندرية طيموثاوس الأول (381 – 85). ففي (رده القانوني رقم 14) أعلن أنه (لا يجب تقديم القرابين لأجل راحة نفس المنتحر ما لم يتم التثبت بوضوح من أنه كان مجنوناً بالفعل عندما أقدم على فعلته)*

وهذا يدل على وجود ممارسة وموقف معاديين بشدة لإقامة مراسم الدفن والذكرانيات في حالة (الانتحار الواعي). وبناء على هذا ينص القانون الكنسي Nomocanon رقم 178 على تحريم مماثل. ويستند كتاب الإفخولوجي الكبير إلى هذا المرجع نفسه إذ يوصي بعدم الترتيل على من يقدم على إنهاء حياته بنفسه، وعدم ذكره في الصلوات إلا إذا كان مختلاً؛ وبولغاكوف يورد الرأي ذاته إذ يذكر بوجود اتفاق بطريركي في هذا الشأن. ويعبر N. D. Patrinicos عن التوافق الأرثوذكسي في يومنا الحاضر بأن لا تقام خدمة الجناز أو الدفن أو الذكرانيات للذين (قطعوا أنفسهم، بغرادتهم الخاصة، عن الشركة الكنسية). ولكن الجدير بالذكر أنه حتى أواخر القرن الرابع كان المسيحيون إما صامتين حيال هذه المسألة أو أنهم كانوا ينظرون غليها في ضوء إيجابي كونها تماثل الشهادة.**

ما هو الأساس اللاهوتي الذي تستند إليه الكنيسة في رفضها الانتحار كخيار أخلاقي؟

تشدد التعليقات حول هذه المسألة وبشكل منهجي على موضوعين أساسيين: خلق الإنسان على صورة الله ومثاله (تك 1،26) والاقتناع بأن الحياة إنما هي هبة من الله، تأتي منه وتقع في فلك قدرته. كونها هبة، الحياة البشرية تدعو الإنسان كي يكون (وكيلاً) لله وبالتالي أن يحمل المسؤولية. حياتنا ليست ملكاً لنا بل لله خالقنا الذي يجب علينا أن نقدم له ذواتنا (ذبيحة تسبيح). وبما أنه هو سيد الحياة والموت، وسيد الأحياء والأموات، يجب أن يكون تقديم حياتنا تقديماً كاملاً، يشمل كل جوانب وجودنا الأرضي من المهد إلى اللحد.

إذا كنا ندين بالحياة وبالموت للرب مبدعنا فإن ذلك مرده بشكل خاص إلى كونه بذل نفسه عنا بابنه الذي أتى كي يخلصنا. الهدية التي يمكننا أن نقدمها إليه هو ردنا على هديته الكبرى التي قدمها لنا في شخص يسوع المسيح. (التي لك مما لك) تعني أن نقدم مع ذواتنا القرابين المقدسة، تماماً كما نطلب أن يحل الروح القدس أولا (علينا) ثم على (هذه القرابين)، أي الخبز والخمر، فنتحول نحن والقرابين إلى جسد المسيح. قياسياً على ذلك المحبة الإلهية منصبة أساساً وبشكل رئيسي على الشخص بما هو كيان جسدي – روحي في آن واحد، وكيان يشارك جانبه المادي بشكل أساسي في عملية الشفاء والتقدس والتأله. إذاً، وجودنا البيولوجي يشكل بطريقة معينة (نمط) الحياة في ملكوت الله. إنه يعكس حياتنا الأبدية التي تحافظ على هويتنا الجسدية والروحية (1 كور 15، 44).

إهلاك الكيان الجسدي – النفسي بواسطة الانتحار تدينه أصوات عدة داخل الكنيسة الأرثوذكسية كعمل لا رجوع عنه ولا يغتفر باعتباره تمرداً في وجه الله الخالق والمخلص. وكما يقول بولغاكوف، فالانتحار يلّوث الذات والله إذ يعبر عن (انعدام تام للإيمان) بالعناية الإليهة.
وهكذا فإنه يعد أقوى تعبير عن التجديف. ويقول بولغاكوف أيضاً عن كل من ينهي حياته بنفسه أنه (الابن الروحي ليهوذا الخائن الذي رفض الله والله رفضه).

كيفما قيمنا الخلاصة التي يتوصل إليها بولغاكوف والتي مفادها أن الله يرفض كل من يقضي على حياته بنفسه، يبقى من الواضح أن موقفه يعبر عن الموقف السائد في الكنيسة الأرثوذكسية بصدد الانتحار. فاللفظ بحد ذاته يحمل شحنة عاطفية إلى حد يجعل أن أي تساؤل حول هذا الموقف قد يثير اتهامات ضد السائل تتراوح بين انعدام الحس الأخلاقي والهرطقة.

ولكن تحديداً بسبب الشحنة العاطفية المتعلقة بلفظ (انتحار) نشأت بلبلة كبيرة حول موقف الكنيسة من هذه الفعلة. لم يعد سراً اليوم، كما في الإسكندرية – أي من إقامة مراسم الدفن والذكرانيات – بخصوص من ينتحر بكامل وعيه لا يراعى وبخاصة عندما يكون الشخص المنتحر عضواً محبوباً من العائلة أو من الجماعة الكنسية. فإننا نشعر أن هناك شيئاً غير صحيح بخصوص هذا الرفض حتى لو كنا مقتنعين (عن حق) بأن الانتحار عمل لا أخلاقي. بالنتيجة فإننا إما نلتزم كلياً بـ (التقليد) ونرفض جدياً وبكل حزم دفن الضحية أو نبحث عن دليل يؤكد جنونها.


من كتاب: الحياة هبة مقدسة / جون بريك


يتبع....




*لا بد من الإشارة إلى أن رد البطريرك هذا كان يهدف إلى مساعدة الكاهن الذي قد يلح عليه أقارب المنتحر وأصدقاؤه على إقامة خدمة الدفن أو الذكرانية للإنسان المنتحر، وذلك بتشديدهم على أن المنتحر كان مجنوناً. لذلك يتابع البطريرك ليقول: (وبالتالي، يتوجب على الكاهن أن يتحقق جيداً من الأمر لكي لا يجب على نفسه الدينونة).

**دافع A. J. Droge في مقالته المذكورة آنفاً عن أن نظرة القديس بولس إلى الانتحار كانت نظرة إيجابية باعتباره كانت نظرة إيجابية باعتباره طريقة شرعية للموت و "الاتحاد بالمسيح". ويبني دروج حجته على قول القديس بولس في الرسالة إلى أهل فيليبي (فيل 1، 21 – 23): ((فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح)).