أخبر أحد الآباء قائلاً: كنت مرة في مدينة الاسكندرية أتجوّل في كنائسها، فدخلت إلى إحداها لأتبرّك وأسجد لذخائر قديسيها. فصادفت هناك إحدى النساء المؤمنات، يصحبها حشمها وخدمها، متوشحةً بزي الأرامل ساجدةً قرب جسد أحد القديسين وهي تبلّ الأرض بدموعها وتتمتم باكية: "لا تتخلَّ عنّي أيها السيّد، بل ارحمني يا محب البشر أنا غير المستحقة". وكانت تكرّر هذا القول مرات عديدة.

ومن شدّة بكائها وعويلها، استرعت انتباهي لدرجة أني تركت صلاتي متأثّراً بدموعها وحرارة توسلاتها، متفكّراً ومخاطباً نفسي: "لا بد أنّ أحداً ما يتعرضها ويزعجها بما أنها أرملة، فحضرت إلى هذا المكان المقدس تستجير بالقديسين عساهم ينصفونها".

فانتظرت ريثما انتهت من صلاتها، ثم استدعيت أحد عبيدها وقلت له: "ادعُ لي سيدتك إلى هنا فإني أود محادثتها. فاقتربت مني بوقار، وهي تكفكف دمعها، فبحتُ لها بما جال في خاطري. فاجابتني بصوت متهدج: "إنك لا تعلم ولا تدري يا أبي القديس عظم المصاب الذي حلّ بي. لقد هجرني الرب ولم أعد أنا التعيسة أحظى بزيارته لي. فمنذ ثلاث سنوات لم أتعرّض لا أنا ولا أحد من عبيدي أو أمائي ولا أحد من أفراد عائلتي لمرض أو ضيق ما. وأعتقد أنّ الرب خذلني وأشاح بوجهه عني. نعم إن كثرة خطاياي وجسامة زلاتي هي السبب، وإنّه لعادل ومحق. ولهذا أبكي وأتضرّع إليه، عساه يعود فيتحنّن عليّ كسابق عهده، ويفتدقني كجزيل رحمته. فصلِّ من أجلي أيها الأب القديس، كي لا أُحرَم إكليل الصبر على المحن والأمراض".

تعجبت جداً من موقف هذه السيدة التقيّة ومن إيمانها القويّ ففارقتُها بعد أن باركتها متّعظاً من أقوالها السديدة وممجداً الله.