يا أبتي أنسى أن أتلو صلاتي




يا ولدي، إن هذا الأمر ليس غربياً طالما أنك لا تعرفه قبلاً بدأت تتعلمه الآن، فالأمر يحتاج إلى محاولة وإلحاح، كما هو الحال في كل المهارات الأخرى. وخاصةً لأن الشيطان يحاربنا لكي يمنع تقدمنا، فالرسول يعقوب رغم بساطة شخصه يعلّمنا "قاوموا إبليس فيهرب منكم" (يعقوب7:4)
كثيرةٌ هي الصلوات الصغيرة التي قمت بها بهذه المسبحة، وكثيرة هي الشكوك والتجارب التي أبعدتها والتي كانت ستكلفني خلاصي
في كل صراع أو معركة هناك موقفان "مع، وضد"، هذا الذي يهاجم وذلك الذي يدافع، ونحن يجب ألا نتردد في أن نحارب ونقف في وجه السبب الذي يمنع تقدمنا، فهذه هي طبيعة الأمور
لقد نقضنا خضوعنا للمشيئة الإلهية وخضعنا للفساد والموت، والآن بتوبتنا عن ذنوبنا نحاول أن نرجع التوازن في علاقتنا مع الله، مضمّدين جروحنا، بحكمنا وإرادتنا الصحيحين
وبالطبع إن المظلم والمأسور في الأهواء وفي الجمود الذهني، لا يريد أن يدعو المسيح لمساعدته، سنملي عليه نحن بالقوة هذا العمل، لأنه وحده مخلّص نفوسنا "بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يوحنا 5:15)
أبونا يوسف باستمرار يذكّرنا بقول القديس يوحنا السلمي "صراع الطبيعة مستمر".
لقد تحدثت مطولاً عن معنى الصلاة، لأن الخبرة علمتنا أنه بدون الإلحاح في طلب اسم فادينا الفائق القداسة، لا نستطيع وحدنا أن ننتصر على قوى الظلام في الحرب اللامنظورة.
يجب أن لا نيأس عندما نسير "في الطريق الضيق والكرب" (متى 14:7)، لأن هذه الطريق فقط تقود إلى عدم الخطأ في الحياة وبالتالي إلى الخلاص.
عندما يثبت الذهن في الصلاة اطلبوا وألحوا في طلبكم لأن "الرب قريب من الذين يلتمسونه" لكي يمنح "خبرة عظيمة" للذين بألم وشوق يدعونه لأنه "لا قياس لعطائه"
الصلاة هي مرآة لنفس الراهب، وهذا العمل لديه مراحل ودرجات، القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: "إن الإنسان الذي لا يذهب إلى الكنيسة فقط بسبب الحاجة، يستطيع أن يعمل نفسه مذبحاً بالصلاة". فالنعمة تسبّب التقدّم، والنعمة بالصلاة تصير. الصلاة تبدأ بالأقوال "أيها الرب يسوع المسيح، إرحمني"، هذه هي المرحلة الأولى، وأما المرحلة الثانية فهي عندما تترك النفس الأقوال الكثيرة، ذلك لأنها لا تستطيع أن تركّز بل تتشتت إذ تقول "يا يسوع المسيح، يا ابن الله، إرحمني" ، وعندما تأتي إلى مستوى أعلى، تترك "أيها المسيح، يا ابن الله، إرحمني"، وتقول "يا يسوعي، يا يسوعي"، وعندما يريد الله أن يرفع النفس إلى مستوى أعلى أيضاً تقف الأقوال، كما مع الأب يوسف الهدوئي، عندما كنت في حضرته مفسّراً للصلاة تكلم قليلاً ثم خُطف إلى المعاينة الإلهية.
بالإلحاح تصبح هذه الأمور عادية، وعندئذ تنكشف النعمة مع شعور المحبة للمسيح، وعندها لا يتوسل الإنسان، لكنه يفرح ويتمتع بثمار المحاولة الأولى والجهاد، لكي يواظب على الصلاة
عندما تسود نعمة الصلاة داخل الإنسان، عندئذ تبدأ تجدّده، ويزول "الإنسان العتيق" بأهوائه وعاداته، فلا يعود الإنسان كما كان سابقاً أسيراً لعواطف هذا العالم، ولا يعمل حسب العالم الرائع والساحر، ولكنه يعمل بعكسه، ويبقى لديه فقط الشوق إلى محبة المسيح الذي يكمّل كل شيء
لقد علّمتنا الخبرة أنه لا بد من الإصرار في المحاولة والصلاة. غادرت من كاتوناكيا متجهاً إلى دير القديس بولس، استغرق الطريق ساعتين ونصف، ولكن لأني كنت مخلصاً في الصلاة، بالصبر والقهر وصلت دون أن أنتبه.
عندما تعتاد أن تقول الصلاة، فإنها سوف تتكرر في داخلك مرات عديدة وباستمرار دون أن تدرك ذلك، عندئذ تلاحظ أنه في داخلك يقال "أيها الرب يسوع المسيح" ويتكرر دون أن تشعر بذلك، فكل الأشياء هي عادة.
أريد أن أوضح أن هذه الأقوال التي يعلّمها الأب الروحي نظرياً في موضوع الصلاة، وكل ما يصفه من خبرته الشخصية لا يحدث دائماً مع باقي الناس، لأن ليس لديهم نفس الصفات.
الأب كان يقول: "إن من يقول الصلاة يشعر بالنعمة الإلهية، حيث تأتي الدموع، وعموماً تستيقظ الغيرة الإلهية. من الممكن أن تكون نفس البداية، ولكن إذا كانت النتائج غير ذلك هذا لا يعني أن خطأً أو فشلاً قد حدث".
نحتاج أن نلحّ، والنعمة ستفعل في كل شخص حسب صفته "خاصيته" واستعداده، الدموع هي بالتأكيد من النعمة، ولكن ليس دائماً بنفس الطريقة، لأن البكاء عادةً هو ثمرة الألم والضيق، اللذين ينبعان من تأنيب ضمير الإنسان.
يوجد في قصص الآباء الورعين والصابرين على الآلام، البعض لم يملكوا دموعاً على الرغم من محاولاتهم المتكررة، حيث أنهم كانوا يحدثون لأنفسهم الحزن مع الضربات والعذابات، لكي يسبّبوا الدموع
يجب أن لا ننسى أن نعمة الله هي واحدة، تفعل حيث يشاء هو، وبتناسب مع صفات كل شخص، فالنعمة تشبَّه من الآباء بالماء الذي يروي الأشجار المختلفة، فمع أن الماء هو نفسه إلا أن الأزهار والثمار تختلف من شجرة لأخرى، وهكذا النعمة تفعل في التائبين حسب صفاتهم وعاداتهم وأهوائهم واندفاع قصدهم.
لن يفشل أحدٌ إذا طلب بصبر وإلحاح وتوسل، كتبنا هذا التفسير، لكي لا يثبط عزم أحد إذا لم يشعر بفاعلية النعمة عند دعوتها في صلاة الحل من الخطايا، فهذا الشعور للنعمة يعيشه بشكل أفضل الأبناء الروحيون الحقيقيون، الذين قطعوا تماماً إراداتهم وقالوا مع الرسول بولس "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا 2:2).
هؤلاء يقولون علناً لسيدنا "ها نحن قد تركنا كل شي وتبعناك" (متى 27:19)
إلى هؤلاء وعد الرب بإعطائهم ملء كمال المواعيد الإلهية، التي تتحقق بدخولهم في توبة حقيقية وصبر على الألم.
الأب أفرام كاتوناكي


ترجمة عيسى صليبي