دير السيدة ...وقفة خشوع وتأمل

ما أن، يصل زائر صيدنايا إلى مدخلها الغربي، وتطأ قدمه أرض "السرنوبا" حتى يرى نفسه قبالة صرح ديني مهيب موغل في القدم، يطالعه حصن فيه من الإعجاز ما يدعو إلى الدهشة.... يقترب من مقصده أكثر.... وفي طريقه المتعرجة يمّر على السوق القديمة، تشدّه مناظر كنائس ومعابد كثيرة، يتساءل؟.. أأقف للزيارة والتبرك، أم أغذّ السير للوصول إلى مأربي؟... ويهمس شيء في داخله ...تابع....سر... يتابع السير بحذر وبطء شديدين، ينعطف شمالاً نحو طريق صاعدة، يلهج قلبه بالدعاء والتشفع، وعند منعطف كبير أخر يجد نفسه مدفوعاً للوقوف والترجل، فهو أمام واجهة الدير الشرقية يشمخ برأسه نحو أعلى البناء، ثم يجول بناظريه يميناً وشمالاً ونحو الأسفل أجل، أنت أيها الزائر في حضرة التاريخ، هنا، وقبل آلاف السنين، وعلى هذه التلة بالذات، وقبل انبساط حكم الرومان، ترك اليونانيون لنا أثاراً خالدة لاتمحوها الأحقاب ولا يزيلها خراب، من تلك الآثار معبد دانابا الذي رمم ليكون معبداً للشمس.


ومن أثارهم أيضاً..... المغارة التي أمامنا (مغارة الأصنام) المنقورة في الصخر والمخصصة كمدفن لكهنة المعبد، وهذه المغارة الواسعة، والمتقنة النحت والصنع هي عبارة عن مدافن مزينة بالنقوش والتماثيل، فيها ستة وعشرين قبراً بنحت جيد في أرض المغارة الصخرية، ولكل لحد غطاء مؤلف من بلاطة واحدة، تنزل في فرز على مستوى الأرض بحيث تصبح أرض المقبرة بعد تغطية لحودها كأنها مبلطة.
عمق اللحد 150 سم. وطوله /200/ سم وعلو المقبرة /250/سم بابها إلى الشرق يعلوه تماثيل حجرية ونقوش تشير إلى عبادة المدفونين وديانتهم.
ويستأنف الزائر سيره من جديد، يتأمل في الصخور السمراء القاسية التي يزهو عليها الدير، في تعاريجها وكهوفها الصغيرة، في الكتابات المرسومة أو المحفورة عليها، ويقول في ذاته: ترى، كم من الأجيال مرّت على هذه الدرب، ويستدرك، قد أكون واحداً من ملايين البشر الذين سمحت لهم أحوالهم المادية من الوصول إلى هذا المحج الطاهر، ولكن، يتساءل من جديد: كم من الملايين الأخرى المغلوبة على أمرها، التي لم تمكنها ظروفها المادية من التعرف على هذا المزار؟... ويستذكر قول الفادي، ويدرك المعاني السامية التي أتى بها الإنجيل.
" لاتقدرون أن تعبدوا الله والمال، فلهذا يحب ألاّ تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ولا أجسادكم بما تلبسون، لأنه أسهل أن يدخل الجمل من ثقب الإبرة من أن يدخل غني ملكوت السموات"
وبلهفة وشوق يصل الزائر إلى ساحة الدير الفسيحة المحاطة بسور حجري تعلوه صلبان معدنية، يترجل من عربته، يشم أريج صيدنايا ورياحينها، يدهشه المنظر الخارجي للدير وأدراجه المتعانقة يرى صخوراً ضخمة اقتلعت ونحتت، ثم ركبت مداميك من غير ملاط بينها، ومن دون أجراز معدنية تضمها لتشكل أساسات هذه الآبدة الفريدة ولتجعل من محيطها الخارجي سوراً منيعاً.
يقرأ في أعلى السور لوحة مضيئة مكتوبة بخط عربي كبير (دير سيدة صيدنايا) يخالجه شعور داخلي يحكي له عن أمجاد السلف الغابرين، عن جبروت الأجداد، عن عظمة الخالق في خلقه، عن ثراء الرسالة المسيحية، عن المبشرين الأوائل الذين قدموا أنصع الصور لمعاني البذل والعطاء عن القيمة الحقيقية للحياة (العمل والحب والتضحية من أجل إسعاد الآخرين) أوليس هذا سر الصليب المقدس أوليس إعلانهم للملأ بأن العبد هو عبد للرب وليس أداة إنتاج للسيد هو ترجمة لهذه المعاني، ألم يقل المخلص:
"تعالوا إلي يا جميع المتعبين أو المثقلين أنا أريحكم"
وبعد وقفة تأمل وتقصٍ يدرك الباحث بأن الدير في مظهره، وفي هندسته وزخرفته بيزنطي النمط، ويعود إلى القرون الأولى لانطلاق البشارة المسيحية.
كما يلمح دلائل حسية تشهد على عراقته وأصالته وقدمه، وعلى النهضة البنيوية التي طرأت على بعض أقسامه ومرافقه. فثمة مغاور طبيعية وأخرى منحوتة، ثمة زرائب ومرائب، ومدرسة تذكر بالدور التعليمي والتنويري الذي لعبته وتلعبه الأديرة قديماً وحديثاً.
وعندما يهم الزائر بالصعود يجد أمامه ثلاثة سبل للوصول إلى مقصده.
فهناك الدرج القديم المنحوت على خاصرة التلة والمعاصر لتاريخ بناء الدير، وهناك المصعد الكهربائي، وبين هذا وذاك درج حديث مسّور ...... والدروب الثلاثة تؤدي إلى فسحة علوية صغيرة مقابلة لباب الدير، يطل الزائر من خلالها على قسم كبير من مدينة صيدنايا التي حباها الله بعدد كبير من الأوابد الأثرية.
والدخول إلى هذا الدير الكبير المخلد، يتم عبر باب صغير لاتزيد أبعاده عن متر في ذراع، وبخشوع المؤمن يلج المرء الباب عبر درج آخر قٌدّ من صخر يتفرع إلى فرعين، الأول: يقوده إلى الفسحة المحاذية للكنيسة، والثاني: إلى الفسحة السماوية المقابلة للمتحف، وخلال هذه الأروقة المقبية يلمح فريسكات جداريه غاية في الروعة والإتقان.
كما يشاهد على أرض الدهليزين بلاطتان حجريتان تغطيان فوهتا بئرين منقورين في أرض الدير، كانا وما زالا يستخدمان لجمع مياه الأمطار من أجل الطوارئ.
ودير السيدة كمعظم الحصون والأديرة فيه- إذا ماحلّت به كارثة – من المؤن ولوازم الطوارئ ما يكفيه لفترات زمنيه طويلة.
لابل أن الدير وعبر تاريخه الطويل كان وما زال يقدم الطعام لكل جائع يطرق بابه، ويسهم في منح كل صاحب حاجة شيئاً من المؤن التي تفيض عن حاجة الدير وسكانه والعاملين فيه.
والدير ومنذ نشأته مؤسسة رهبانية نسائية أرثوذكسية فيه مجموعة من الراهبات إضافة إلى عدد من المبتدئات واليتيمات اللواتي يرعاهن الدير ويعشن ويتعلمن في أحضانه.
كما ساهم الدير – وما زال- من أمواله الفائضة والتي تأتيه من مغلاته ومن أوقافه ومن التبرعات في إعمار وترميم بعض دوائر الدير مثل: دائرة خنيصر، دائرة العمارة، ودائرة نجيبة الفوقا، ودائرة مارينا، بالإضافة إلى مساهمته الجدّية في بناء وترميم بعض أديرة وكنائس صيدنايا مثل أديرة التجلي وماريوحنا، والشيروبيم وبربارة وغيرها، عدا مساهماته في دعم بقية الكنائس التابعة لبطركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.