قصة والدة الإله ودخولها إلى الهيكل،هي مجرد قصة،ولا تنتمي _إن أردنا أن نستعمل تعبيرا حديثا_إلى التاريخ بمعناه الراهن.لكنها تحمل معنىّ جليلاً في حياة الكنيسة.قالوا أنها دخلت إلى الهيكل حين كانت في الثالثة من العمر. القصد هو أنها منذ الطفولة كان ربنا قد التزمها بالكامل.والقصة تقول أنها أقامت في قدس الأقداس.وما معنى قدس الأقداس؟قدس الأقداس،بحسب ترتيب الهيكل،هو أقدس مكان في الهيكل .كان هناك ترتيب في الهيكل،وقدس الأقداس كان المكان الذي يكون فيه الله. عند اليهود لم يكن الله في كل مكان كما هو اليوم،بل إن ربنا اختار مكانا سكن فيه على الأرض.هذا المكان هو الهيكل،وفي الهيكل هذا المكان هو قدس الأقداس.إذاً،حين تقول القصة إن مريم أقامت ،منذ الطفولة،في قدس الأقداس ،فهذا معناه أنها كانت مقيمة في كبد الله منذ الطفولة.
الله اتخذها والتزمها وتبناها منذ الطفولة بالكامل. وتقول القصة أيضا أن ملاكا كان يأتي ويطعمها. طبعا هناك قصص عديدة كقصة إيليا النبي،كان فيها الملاك يأتي ويطعم اخصاء الله كما اطعم إيليا.لكن الموضوع هنا هو أن ربنا انشأ مريم هذه ع الإلهيات.لأنه حين يأكل الواحد الخبز النازل من فوق فهو يغتذي بطعام الهي. ومريم اغتدت بهذا الطعام الإلهي منذ الطفولة.
لا نظنّنّ أبداً أن ربنا قد سحبها من كنف أمها وأبيها ومن الجوار الذي كانت تعيش فيه ووضعها عنده في الهيكل وحجز عليها ورباها ع طريقته بالكامل منعزلة عن بقية الدنيا.
الحقيقة أن مريم ولدت في بيت بار.ففي التاريخ كان هناك أناس أخيار وأناس أشرار.فمريم نشأت في بيئة عائلية لا شك أنها كانت بارّة.فأمها وأبوها يواكيم وحنة اللذان هما قديسان في الكنيسة كانا بارين. ففي هذا الجو فعلت نعمة ربنا بمريم. تكلمت نعمة الله بما فعله يواكيم وحنّة لجهة تنشئة مريم على التُقى والبر و القداسة.لذلك مريم هي زهرة البشرية. هي مختارة الله ولكنها زهرية البشرية في آن.وطبعا إن كون يواكيم وحنة بارين معبر عنه أيضا في القصة،إذ تقول أنهما أتيا بابنتهما وقدماها للهيكل،قدماها لله ،أراداها نذيرة لله،لأنها من الأصل عطية من الله. يواكيم وحنة كان عندهما عُقر ولم يكن ممكنا لحنة أن تنجب كما تنجب النساء عادة بصورة طبيعية تلقائية. فربنا حلّ هذا العُقر،عُقر حنة. طبعا مريم أتت نتيجة التلاقي بين يواكيم وحنة،ولكن في إطار النعمة الإلهية التي ألتزمتهما وأعطتهما أن ينجبا هذه الفتاة مريم التي أضحت أماً لابن الله.
إذاً،علينا أن ننظر للأمور دائما باعتبار أن هناك تعاونا بيننا وبين ربنا
ربنا لا يعمل لوحده. هولا يريد ان يعمل لوحده،ليس لأنه غير قادر بل لأنه لا يريد.ثم في الوقت نفسه الذي عمل هو فيه يريدنا نحن ان نتعاون معه.
وبما انه قادر ع كل شيء فهو يعرف كيف يدخل وكيف ينسل في ضعفات الناس حتى يصل.فاذا ما كان لدى البشر من الحنكة أحياناً ما يكفي ليتمكنوا من التسلل عبر ضعفات الآخرين ليبلغوا الآخرين إلى نتائج طيبة،فان ربنا قادر على ذلك من باب أولى.
إذاً،ربنا كان، بمعنى من المعاني،متكلا على تعاون يواكيم وحنّة كما اتكل فيما بعد على تعاون مريم نفسها لما أرسل لها رئيس الملائكة جبرائيل وأرادها أن توافقه على قصده، إذ أتى ليقول لها ما هو قصد ربنا وأنها سوف تحبل من دون رجل وقد كانت النتيجة أنها قبلت وقالت له: "ليكن لي بحسب قولك".
الأمر نفسه الذي حدث مع مريم حدث أيضا مع يواكيم وحنّة، إذ تقول القصّة أنهما قدماها وفرحا جدا بأنها،لما استقبلها زخريا بن بَرَجيا مشت معه ولم تنظر إلى الوراء.لم تتطلع الي أبويها وكأنها متعلقة بهما.لا أمها وأبوها كانا متعلقين بنفسيهما ولا هي كانت متعلقة بهما، بل الكل كان متعلقا بالله.وهذا مُعَبّر عنه جيدا في هذه القصة اللطيفة البسيطة.ثم،بعد ذلك،حين مشت مريم مع زخريا،فإن الشيء الجميل الذي حدث هو أنها دخلت في شيء من الوجد،أي في شيء من نشوة الإقامة في هيكل الله.وهذا معبر عنه في القصة بأنها أخذت ترقص. يُقال أن مريم ابنة الثلاث سنوات إنها أخذت ترقص.
إذا القصة في ذاتها تتخطى المعطيات التاريخية والعقلية لأنها تحمل معان إلهية جميلة جدا وتحملها بشكل قصصي تعبيري مهما قرأناها لا يمكننا أن نستنفذها.
لهذا بقيت هذه القصة في كنيسة المسيح جيلا بعد جيل، ولا زلنا إلى اليوم نحتفل بهذا العيد لأننا لا زلنا إلى اليوم نحتفل بان مريم اتخذها الرب الإله.
دخلت في قلب الله وأدخلت البشرية جمعاء لمِا قالت النّعَم والآمين واقتبلت ان ينزل روح الربّ القدّوس ويُخصب حشاها وان تنجب ابن الله المتجسِّد،الربّ يسوع المسيح،الذي جعل رابطاً عضوياً بيننا وبين الله،حتى أن الله أقام فينا وبتنا نحن بالرب يسوع مقيمين في أحشاء الله.
بهذا تم هذا الوصال وتم هذا القصد الإلهي الذي كان في قلب الله وفي فكر الله منذ البدء والذي تحقق في أوانه،وهو يتحقق أيضا في أوان كل واحد منا،لان كل واحد منا مُعطى أن يختبر شيئاً مما خَبِرته مريم،وان يدخل هيكل الله،قلب الله ،حتى نكون جميعا في شركة واحدة في شركة روح الرب،حتى نصير جميعا عائلة للآب.
تعيِّد كنيستنا المقدسة في الحادي والعشرين من تشرين الثاني من كل عام لعيد دخول سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة إلى الهيكل
فبشفاعات والدة الإله، يا مخلص خلصنا. آمين
الإرشمندريت توما (بيطار)_نشرة مطرانية بغداد والكويت وتوابعها للروم الأرثوذكس
المفضلات