المسيح اللوغوس ، هاجس الفلسفة



ليست القطيعة مع الفلسفة - التي قد تبدو، من وجهة نظر اللاهوت المسيحي - بهذا القدر من المأساوية ، أو القدرية التي لافكاك منها . وليس هناك موضوع ، ينبغي أن يستعاد بخصوصه الود المفقود ، أكثر من موضوع " اللوغوس " ( Λούος = Logos) . وفي هذا السياق قد بات من " الحكمة " - والفلسفة هي حب الحكمة " φιλοσοφία =philosophia"- أن لايكون سعينا اللاهوتي الدائم - بخصوص هذا الموضوع - هو دحض شبهة الأصل الفلسفي لمفهوم اللوغوس ، المسيحي ، بل ينبغي أن يكون محاولة اكتشاف دلالة التشابه مع الطرح الفلسفي ، كقيمة إيجابية محسوبة في ميزان الطرح المسيحي وليس العكس .


لوغوس الفلسفة


اللوغوس في الفلسفة الإغريقية القديمة هو ذلك الوجود المستتر خلف الكون والذي بواسطته ظهر الكون ، هو المحرك والأصل لكل الأشياء . ولكن تظل طبيعة اللوغوس ضبابية ، غير شخصية ، ويبدو وجوده - بالرغم من كونه إلهيا - كما لوكان فقط من أجل الكون فهو باختصار القوة الكونية المحققة للكون .
ولنا هنا نموذجان من أبرز وأهم الفلاسفة في هذا السياق :


1- هرقليطس ( Heraclitus )

اهتم الفيلسوف اليوناني القديم ، بشكل عظيم باللوغوس وكان أول من أعطى له زخمه الفلسفي ؛ فقد اعتبره " القانون الكلي للكون " ، فيقول هرقليطس : " كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد ، لأن هذا يسود كل من يريد ، ويكفي للكل ، ويسيطر على الكل " . ووافقه الرواقيون وقالوا بأن اللوغوس هو المبدأ الفعال في العالم ، وهو الذي يشيع في العالم الحياة ، وأنه هو الذي ينظم ويرشد العنصر السلبي في العالم ( وهوالمادة ، وفقا لهم ) ، مع الوضع في الاعتبار أن الرواقيين لايضعون تحديدا فاصلا بين مفهوم " الله " ومفهوم الكون ، فالمفهومان يعنيان - بالنسبة لهم - شيئا واحدا .

2 - فيلون ، الفيلسوف اليهودي ( -20 إلى +50) ( Philo of Alexandria )

قال فيلون عن اللوغوس أنه أول القوى الصادرة عن الله ، وأنه محل الصور ، والنموذج الأول لكل الأشياء . وهو القوة الباطنة التي تحيي الأشياء وتربط بينها . وهو يتدخل في تكوين العالم ، لكنه ليس خالقا . وهو الوسيط بين الله والناس ، وهو الذي يرشد بني الإنسان ويمكنهم من الارتفاع إلى رؤية الله . ولكن دوره هو دائما دور الوسيط . ويقينه بأنه " إلهي " ( Theos ) ويميزه من الله بأداة التعريف التي تضاف إلى الله ( o Theos ) ولكنها لا تضاف إلى اللوغوس .


لوغوس إنجيل يوحنا


في استهلالية إنجيل يوحنا يتجلى اللوغوس على ثلاثة مستويات :
1 - اللوغوس ، كشخص من شخوص الثالوث القدوس
فهو الذي" كان في البدء ( en archi )عند الله ( pros ton Theon ) "( يوحنا 1 : 2 ). وهذه العبارة هي بمثابة دمج للعبارتين الاستهلالتين " في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، .( يوحنا 1 : 1 ) . ولعل ماقد أظهره هذا الدمج - الذي تم فيه تكرار العبارتين - هو مفهوم " البدء " ، ويتضح هنا جليا أن " البدء " المقصود ليس " بدء " سفر التكوين ، الذي فيه " خلق الله السماوات والأرض "( تكوين 1 : 1 ) ؛ فالأخير هو بدء الخليقة ، أما " بدء" إنجيل يوحنا فهو" بدء الله ، ذاته " ، هو شخص الآب . وعبارة " عند الله " ذات دلالة في هذا السياق ، وكلمة " عند " تحديدا - كما وردت في اليونانية " pros "وليس " para " - تعني الحركة ؛ فهي " عندية ديناميكية "( إذا جاز التعبير ) . وإذا أضفنا إلى الفسيفسائية اللاهوتية - التي يرسمها الوحي - عبارة " وكان الكلمة الله" - التي وردت بين وضعي العبارتين، من دمج وغير دمج ، مع الوضع في الاعتبار الحالة التي ورد عليها اسم " الله " ، من " عدم التعريف " ( Theos ) - نكون بصدد تجل رائع لعلاقة الكلمة ، الابن الذاتي بالآب في شركة الثالوث القدوس . فاللوغوس كائن أزليا - بل سرمديا - في علاقة ديناميكية نحو الله ، فهو كل ملء الآب ، والذي بحدث قبوله - الأزلي الأبدي - لكل ملء أبيه الذاتي فهو يحقق ألوهة الله ، فالله هو اللوغوس ، لأن الله وجود شخصي يقبل كل وجوده من أبيه الذاتي .
وفي عبارة لاحقة يؤكد إنجيل يوحنا هذا الطرح الاستهلالي - أي علاقة اللوغوس بالآب ، في شركة الثالوث القدوس ، فيكشف أن اللوغوس هو " الابن الوحيد ( الفريد = monogenis) ، الكائن ( o wn ) في حضن الآب ( يوحنا 1 : 18 ) .
2 - اللوغوس ، الخالق
" فكل شيء به كان ، وبغيره لم يكن شيء مما كان . فيه كانت الحياة ، والحياة كانت نور الناس ،.." ( يوحنا 1 : 3و4 )
3- اللوغوس المتجسد
" فاللوغوس صار جسدا وحل بيننا ( فينا ) ، ورأينا مجده ، مجدا كما لوحيد من الآب ، مملوءا نعمة وحقا ... ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ، ونعمة فوق نعمة ،...( يوحنا 1 : 14 - 16 ) .
إذن ،اللوغوس في إنجيل يوحنا هو الشخص الذي يستعلن الوجود الإلهي ؛ فالله موجود لأنه شخص اللوغوس المنطوق ذاتيا،هو كل ملء الآب . واللوغوس هو الخالق الذي بحضوره في الخليقة صارت الخليقة موجودة. ويبلغ اللوغوس قمة حضوره ، بتجسده في شخص الرب يسوع ، الذي فيه يمتلئ الجميع صائرين خليقة جديدة . وهذه هي الاتصالية - بين اللوغوس ( كأحد شخوص الثالوث) والكون والتجسد والخليقة الجديدة - التي يكشفها إنجيل يوحنا .

الفرق بين اللوغوس و" الريما " (Rhema= ῥῆμα )


. في يونانية العهد الجديد نجد تمييزا واضحا بين مفردتين ، يتم ترجمتهما في معظم اللغات - بما فيها العربية - بمعنى " كلمة " وهما " لوغوس" و " ريما " . ومما ينبغي ذكره هنا أنه في اللغة العبرية توجد مفردة واحدة بمعنى " كلمة " وهي " Dabar " ، ولكن عند ترجمة العهد القديم إلى اليونانية ( الترجمة السبعينية ) ، حمل الروح القدس المترجمين إلى ترجمة " الدابار " تارة إلى " ريما " ، وتارة أخرى إلى " لوغوس " ، بحسب دلالة السياق في كل حالة على حدة .

. يبرز استخدام " لوغوس " للتعبير عن الإعلان عن الهوية الذاتية أو الشخصية ، أو الذهنية لصاحب " الكلمة " ، بينما تبرز " الريما " كتعبير عن الإعلان " للآخر " ؛ فهي الكلمة التي تخاطب الآخر فيتلقاها ويتعاطى معها سواء كانت " منطوقة " ، فيسمعها ، أو مكتوبة فيقرأها ، وفي كل من الحالتين هو يتواصل مع ذهن وفكر المتكلم .
. ومن هذا المنطلق ، فلم يكن شخص الابن الكائن في حضن أبيه إلا شخص " اللوغوس "، ومن المستحيل أن يطلق عليه شخص " الريما " ؛ فهو كل ملء الآب وبه يتم - سرمديا - الاستعلان الذاتي للوجود الإلهي الكائن في شركة الثالوث القدوس .
. وعلينا أن نرصد - إنجيليا - حدثين متصلين ، من منظور الثالوث القدوس :
1- اللوغوس هو الشخص الذي يعطى للإنسان .
2- إذا قبل الإنسان " عطية اللوغوس " ، واشترك فيه - بالنعمة - يكون قد اشترك في الحياة الأبدية وعتق من هلاكه الطبيعي .
- " أنا قد أعطيتهم كلمتك ( ton logon sou) " ( يوحنا 17 : 14 ) .
- " إن كان أحد يحفظ كلمتي ( ton logon mou ) فلن يذوق الموت إلى الأبد "( يوحنا 8 : 52 ) .
- " شاء فولدنا بكلمة ( لوغوس )الحق لكي نكون باكورة من خلائقه " ( يعقوب 1 : 18 )
- "مولودين ثانية ، لا من زرع يفنى ، بل مما لايفنى ، بكلمة ( لوغوس ) الله الحية الباقية إلى الأبد " ( 1بطرس1 : 23 ).
- " الذي كان من البدء ، الذي سمعناه ، ولمسته أيدينا ، من جهة كلمة ( لوغوس )الحياة . فإن الحياة أظهرت ، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا .( 1يوحنا 1 : 1و 2 )

. أما بخصوص الاستعلان الإلهي على مستوى النعمة - أي من منظور البشر - إذ يعلن الله ذاته في خليقته ( فعل النعمة ) ، ولخليقته ( كلمات الوحي الإلهي ) - فالحديث هنا هو حديث " الريما "، والكلمة الذاتي ( اللوغوس ) قد صار بتجسده - واستعلانه في البشر - " ريما ". فالريما هي تجسيد للكلمة اللوغوس . الريما هي الاستعلان النعموي لحضور اللوغوس ، هي استعلان الشركة ( شركة البشر ) في اللوغوس :
- ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة ( ريما ) تخرج من فم الله ( لوقا 4 : 4 )
- الكلام ( ريما ) الذي أكلمكم به هو روح وحياة ( يوحنا 6 : 63 )
- إلى من نذهب ؟ كلام ( ريما ) الحياة الأبدية عندك ، ونحن قد آمن وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي ( يوحنا6 : 68و 69 )
- الكلام ( ريما ) الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال ( يوحنا 14 : 10 )
- إن ثبتم في وثبت كلامي ( ريما ) فيكم تطلبون ماتريدون فيكون لكم ( يوحنا 15 : 7 )
- لأن الكلام ( ريما ) الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقينا أني خرجت من عندك وآمنوا أنك أنت أرسلتني ( يوحنا 17 : 8 )
- البسوا سلاح الله الكامل ،... وسيف الروح الذي هو كلمة ( ريما ) الله ( rhema Theo ) ( أفسس 6 : 11 ، 17 )
- لأن الذين استنيروا مرة ، وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله ( Theou rhema ) الصالحة وقوات الدهر الآتي ، وسقطوا ، لايمكن تجديدهم أيضا للتوبة ، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه ( عبرانيين 6 : 5 و 6)



دحض شبهة الأصل الفلسفي


شبهة أن لوغوس إنجيل يوحنا مجرد نسخة من لوغوس الفلسفة ، أي أنه مجرد امتداد للفلسفة اليونانية القديمة ، هي شبهة مردود عليها على مستويين :
1- المستوى الأول هو " التفنيد المنطقي " ، فهناك هوة شاسعة بين لوغوس الفلسفة - الذي هو مجرد بنية من السببية أو القوة الباطنية المستترة خلف وجود الكون - ولوغوس إنجيل يوحنا الذي هو شخص الكلمة الذاتي المتجسد في البشر جاعلا منهم خليقة جديدة ، فيه . المفهوم الأول متجذر في الخليقة ، ويبدو اللوغوس موجودا وقائما من أجل الخليقة ، وليس هناك أي مضمون لماهيته ولا لوجوده الشخصي ، بمعزل عن الخليقة . وفي أفضل الأوضاع أعتبر وسيطا بين الله والناس ، كما عند فيلون الاسكندري ، أوحتى مجرد مبدأ إلهي يحكم الكون ( بحسب هيرقليطس وبحسب الرواقيين ) . أما المفهوم الثاني فهو متجذر في الله ذاته ، في الآب ؛ فهو شخص الابن الذاتي ، الذي يحقق وجود الله ذاته ، وهو قد أعطي ( بضم الهمزة ) للخليقة لكي مايجددها في جسده الخاص الذي أخذه منها . ويبدو المفهومان متعاكسان في اتجاهيهما .
أيضا فيما تحدث يوحنا عن ولادة الابن الوحيد ، اللوغوس ، من الآب ، فهو أيضا قد تحدث - بنفس المنطق وبنفس الطريقة - عن انبثاق الروح القدس من عند الآب ( بوحنا 15 : 26 ) . فالقضية إذن ليست امتدادا للوغوس الفلسفة الذي لايعرف " سر الثالوث القدوس " ، ومن المستحيل أن يكون الثالوث مفهوما متصلا مع - أو امتدادا ل - لوغوس الفلسفة .
2- المستوى الثاني هو " التفنيد الموضوعي " ، فلوغوس إنجيل يوحنا غائر في العهد القديم لاسيما في أسفار الحكمة . فالمسيح اللوغوس ، " المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم " ( كولوسي 2 : 3 ) يتحدث عن ذاته كشخص ، في سفر الأمثال ، الإصحاح الثامن ، قائلا :" أنا الحكمة "( 12 )... " أنا الفهم . لي القدرة (14 ) . وكخالق يتحدث عن ذاته - بينما هو ليس بمعزل عن أبيه ، أي بينما هو كائن فيه - إذ يقول :" الرب قناني أول طريقه ، من قبل أعماله ، منذ القدم . منذ الأزل مسحت ، منذ البدء ، منذ أوائل الأرض "( 22 و 23) . وأيضا يقول : " كنت عنده صانعا ، وكنت كل يوم لذته ، فرحة دائما قدامه "( 30 ).
وفي سفر " حكمة سليمان " ، الإصحاح السابع ، نجد عبارة مدهشة تشير إشارة جلية إلى ديناميكية اللوغوس ، كأحد شخوص الثالوث ، وهي عبارة " لأن الحكمة أسرع حركة من كل متحرك فهي لطهارتها تلج وتنفذ في كل شيء "(24 ) .
. ولو أردنا أن نفكر في لوغوس إنجيل يوحنا ، كامتداد ، فهو بالتأكيد امتداد متنام تحمله لغة الوحي الإلهي ، المتصل بين العهدين ، القديم والجديد ، وليس بين العهد الجديد والفلسفة ، إذ أن مفهوم العهد القديم ( للوغوس ) يتجاوز ويتخطى ، في عمقه ، المفهوم الفلسفي ؛ فالحكمة ليست مجرد سببية - غير شخصية - ضالعة خلف وجود الكون ، بل هي كيان شخصي مستعلن وظاهرفي الله ذاته ، فهي ، في حكمة سليمان : " بخار قوة الله " ( 7 :25 ) ، وهي " ضياء النور الأزلي ومرآة عمل الله النقية وصورة جودته . تقدر على كل شيء وهي واحدة وتجدد كل شيء وهي ثابتة في ذاتها " ( 7 : 26و27) .




مدلول التشابه العجيب


الرؤية الصحيحة للوغوس الفلسفة - من قبل اللاهوت المسيحي - ينبغي أن تكون في سياق أشمل وأعم ؛ فينظر إليه كقاعدة لهرم " معرفة اللوغوس " (إذا جاز التعبير ) ، إذا يبدو اللوغوس " القوة الحاضرة والفاعلة والمحققة لوجود الكون " . وفوق هذه القاعدة يبنى مفهوم اللوغوس في العهد القديم ، إذ يبدو اللوغوس شخصا أزليا وليس مجرد قوة كونية أو وعي كوني . ثم تأتي قمة الهرم - في مفهوم العهد الجديد ، لاسيما إنجيل يوحنا - في تجلي اللوغوس كشخص يحقق الوجود الإلهي ، ذاته ، ويحقق - بتجسده - وجود الخليقة الجديدة ، في ذاته . وفي هذا السياق يبدو لوغوس الفلسفة اليونانية القديمة عتبة معرفية هامة تتواصل مع إعلان الوحي الإلهي ، المتدرج ، فيبدو شحص المسيح ، اللوغوس - في النهاية - هاجسا إنسانيا فلسفيا ، يتكمل ويتجلى في الطرح المسيحي للمفهوم .



مراجع ، تم الاستعانة بها

. الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد اليونانية
. موقع : Parallel Greek Newtestament
. موقع : Wikipedia