كيف انتهى الأمر بعدد كبير من المخلوقات البشرية إلى الأخذ، على ما في ذلك من غرابة، بوجهة النظر المعادية للحضارة تلك؟ اعتقد ان استياء دفينا، من منشأ ناء للغاية، كان يتجدد في كل طور من أطواره، هو الذي حث على تلك الإدانة التي كانت تتكرر بانتظام بفضل ظروف تاريخية مؤاتية. ويخيل إلي انني قادر على معرفة ما كان الأخير وما قبل الأخير من تلك الظروف، لكنني لست ضليعا بما فيه الكفاية في العلم لأتتبع تسلسلها عبر الماضي السحيق للجنس البشري. حسبي أن أشير إلى أن عامل العداء للحضارة كان من أسباب انتصار المسيحية على الوثنية، إذ جرى وثيق الربط بينه وبين الخفض من قيمة الحياة الأرضية كما نادى به المذهب المسيحي. وقد قام ما قبل الأخير من تلك الظروف التاريخية حين أتاح تطور الأسفار الاستكشافية إمكانية الاتصال بالأجناس والشعوب المتوحشة. فقد تصور الأوروبيون، نظرا إلى عدم توفر الملاحظات الكافية والتفهم الصحيح لعادات المتوحشين وأعرافهم، ان هؤلاء الأخيرين يحيون حياة بسيطة وسعيدة، فقيرة بالحاجات، على نحو ما عاد متاحا للمستكشفين الأكثر تَمَدْيُناً الذين يزورونهم. وقد جاءت التجربة اللاحقة لتصحح، في اكثر من نقطة، ذلك الحكم. فلئن كانت الحياة اسهل عليهم بالفعل، فقد ارتكب الأوروبيون مرارا وتكرارا خطأ عزو خفة الأعباء هذه إلى غياب المطالب البالغة التعقيد والناجمة عن الحضارة، مع أن الفضل فيها كان يعود، بوجه الإجمال، إلى كرم الطبيعة والى جميع التسهيلات التي تتيحها للمتوحشين لتلبية حاجاتهم الحيوية. أما آخر تلك الظروف التاريخية فقد قام حين تعلمنا أن نمّيز أواليات العُصاب الذي هدد بتخريب القسط الضئيل من السعادة الذي فاز به الإنسان المتمّدن. وقد اكتشف الناس عندئذ ان الإنسان يصير عصابيا لأنه لا يستطيع ان يتحمل درجة العزوف والزهد التي يتطلبها المجتمع باسم مثله الأعلى الثقافي، وخلصوا إلى الاستنتاج بأن إلغاء تلك المطالب أو تخفيفها يعني رجوعا إلى إمكانيات السعادة.
هناك سبب آخر أيضا للخيبة ولانقشاع الأوهام. فخلال الأجيال الأخيرة تمكنت البشرية في مجال العلوم الفيزيائية والطبيعية وتطبيقاتها التقنية من تحقيق تقدم خارق للمألوف، وقد بسطت بنتيجة ذلك سيطرتها على الطبيعة على نحو ما كان يمكن تصوره قبل اليوم. وسمات هذا التقدم معروفة للجميع إلى حد يغني حتى عن تعدادها. وبنو الإنسان فخورون بتلك الفتوحات، وهم في فخرهم هذا محقون. بيد انه يخيل إليهم ان هذه السيطرة الحديثة العهد على المكان والزمان، وهذا الاسترقاق لقوى الطبيعة، وهذا التحقيق لصبوات وأماني لها من العمر آلاف السنين، لم تزد البتة من مقدار المتعة التي ينتظرونها من الحياة. ومن ثم، لا يعمر أفئدتهم الإحساس بأنهم صاروا نتيجة ذلك أكثر سعادة، وقد كان من المفروض ان يكتفوا بالاستنتاج بأن السيطرة على الطبيعة ليست شرط السعادة الوحيد، كما انها ليست الهدف اليتيم لعملية التمدين. لا أن يستنتجوا ان تقدم التقنية غير ذي قيمة بالنسبة إلى "اقتصاد" سعادتنا. وبالفعل، ألن نميل إزاء الاستنتاج الأخير إلى الاعتراض بقولنا: أليس مكسبا إيجابيا من اللذة، الا يزداد بلا لبس شعوري بالسعادة، إذا ما أمكنني أن أسمع متى ما شئت صوت ولدي الذي يقطن على بعد مئات الكيلومترات، أو إذا ما أتمكنني ان اعلم فور نزول صديقي من الباخرة التي كانت تقله أن رحلته الطويلة والشاقة قد انتهت بسلام. أهو شيء تافه ان يكون الطب قد افلح في تخفيض نسبة وفيات الأطفال، وفي تقليص أخطار إصابة الناس بالعدوى تقليصا يبعث على الدهشة حقا؟ أهو شيء عديم القيمة ان يكون الطب عينه قد نجح في إطالة الأمد المتوسط لحياة الإنسان المتمدن بعدد غير هين من السنين؟ أنه لفي مستطاعنا أن نضيف إلى هذه المحاسن، التي ندين بها لعصر التقدم العلمي والتقني هذا، على كثرة ما يتعرض له من ذم وتحقير، قائمة بكاملها.... ولكن هو ذا صوت النقد المتشائم يعلو ويرتفع! الصوت الذي يبث في الآذان ان غالبية هذه التسهيلات هي من طبيعة مماثلة لتلك "اللذة الرخيصة" التي تطريها النكتة المعروفة التالية: عرِّض ساقك العارية للبرد، خارج الفراش، فتفوز فيما بعد بـ "لذة" إعادتها إلى الدفء! فلولا السكك الحديدية، التي ألغت المسافة، هل كان أولادنا غادروا مسقط رأسهم، وهل كانت ستوجد، من ثم، حاجة إلى التلفون لسماع صوتهم؟ ولولا الملاحة عبر المحيطات لما كان صديقي فكر بالسفر، ولكنت استغنيت عن التلغراف للاطمئنان على مصيره. وما الفائدة من تقليص وفيات الأطفال إذا كان هذا التقليص ذاته يفرض علينا ان نضبط أنفسنا ضبطا شديدا في الإنسال، وإذا كنا بعد كل شيء لا نربي عددا من الأطفال اكبر من العدد الذي كنا نربيه أيام لم يكن لقواعد حفظ الصحة من وجود، وهذا بينما طرأ من جهة أخرى تعقيد على شروط حياتنا الجنسية في الزواج وانتفى في أغلب الظن التأثير الإيجابي للانتخاب الطبيعي؟ وماذا نجني أخيرا من طول أمد الحياة، إذا كانت هذه الحياة عينها ترهق كواهلنا بأعباء ومشاق لا تقع تحت حصر، وإذا كانت فقيرة بالأفراح، غنية بالآلام، إلى حد نرحب معه بالموت بوصفه خلاصا سعيدا؟

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
الإبتسامة لغة لا تحتاج إلى ترجمة ،هي أجمل شيء في الوجود
رد مع اقتباس
المفضلات