السّجود للصّليب المقدس
فصلٌ من رسالةِ القدّيس بولس الرسول إلى العبرانيّين
عب 14:4-16؛ 1:5-6

يا إخوة إذ لنا رئيسُ كهنةٍ عظيمٌ قدِ اجتازَ السماوات يسوعُ ابنُ الله فلنتَمسّك بالاعتراف، لأنّ ليس لنا رئيسَ كهنةٍ غيرَ قادرٍ أن يرثيَ لأوهاننا بل مجرّب في كل شيءٍ مثلنا ما خلا الخطيئة. فلنُقبِلْ إذن بثقةٍ إلى عرش النعمة لننال رحمةً ونجدَ ثقةً للإغاثة في أوانها. فإنّ كلّ رئيسِ كهنةٍ مُتّخَذٍ من الناس يُقام لأجل الناس فيما هو لله ليُقرّب تقادمَ وذبائحَ عن الخطايا في إمكانه أن يُشفق على الذين يجهلون ويَضِلّون لكونه هو أيضاً متلبساً بالضعف. ولهذا يجبُ عليه أن يقرّب عن الخطايا لأجل نفسه كما يقرّبُ لأجل الشعب. وليس أحدٌ يأخذ لنفسِه الكرامة، بل من دعاه لله كما دعا هرون. كذلك المسيحُ لم يُمجِّدْ نفسَه ليصيرَ رئيس كهنةٍ بل الذي قال له أنت ابني وأنا اليوم ولدتُك. كما يقول في موضعٍ آخر أنت كاهنٌ إلى الأبد على رِتبةِ ملكيصادق.



فصلٌ شريف من بشارة القدّيس مرقس البشير
مر 34:8-38، 1:9
قال الربُّ من أراد أن يتبعني فليكفُر بنفسه ويحمل صليبَه ويتبعني لأنّ من أراد أن يخلّصَ نفسَه يُهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها. فإنّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالمَ كلّه وخسر نفسَه. أم ماذا يُعطي الإنسانُ فداءً عن نفسه، لأنّ من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحي به ابنُ البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين. وقال لهم الحقّ أقول لكم إن قوماً من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يرَوا ملكوتَ الله قد أتى بقوةٍ.

أحد السّجود للصّليب
المقدّس


"لصليبك يا رب نسجد ولقيامتك المقدّسة، نبارك"!
كلُّ رُكَبِ كنيسة الأَرضِ تسجدُ اليوم عند صليب الرّب الّذي عُلّق عليه، بأيدي عسكر هيرودس وبيلاطس وأصوات أبناء شعبه صارخين:ٱصلبوه...ٱصلبوه وأطلقوا لنا باراباس... اللصّ الّذي تسبّب بفتنة وٱعتقل... والفتنة كانت ضدّ قيصر!.
وٱرتفعتِ الرّؤوس من تحت الخشبة المزيّنة بالأزاهير لتمدَّ المؤمن المصلّي بعبق الرّبيع، الّذي أزهر هدية للمصلوب القائم من بين الأموات ولأبنائه الّذين أرادوا وما زالوا يريدون ٱتباعه، بعد أن أقامهم من ٱنجرافهم وراء ٱفتتانهم بعشق شهواتهم وتركهم للمسيح الإله الفادي وحده معلّقًا على خشبة الهوان الّتي هم سمَّروه عليها!.
من على خشبة الصّليب المرفوع أمام عيون الكون الّذي رأى وآمن والّذي رأى ولم يؤمن والّذي مرّ وٱستخف مستهينًا بالسُّجَّدِ عند قدمي المصلوب والّذي مرّ باصقًا على الصّليب وعلى السّاجدين الباكين، بصمتٍ وبعويلٍ ”قَدَرَ“ سيّدهم، وهم لا يحتملون ولا يفهمون لماذا قتل العالم إله خلاصه ومبدعه؟!.
من على الصّليب خرج صوت الإله الرّبّ يسوع المسيح قائلاً:
”من أراد أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني“...
دعوة الإله للألوهة والتألّه في هذا الكون، هي التخلّي، بل الكفر بالنّفس، حتّى يستطيع الابن أن يرث أباه، في حياته على هذه الارض!!.
ويكمل الرّب دعوته مفسّرًا ”الإرادة“ الأولى بإرادة ثانية :”لأنّ من أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها“.
هكذا يضع الرّب الفادي يسوع المسيح الفأس بين يدي السّابق الّذي دعاه من بطن أمّه العاقر، ليكون سابقُا له، مبشّرًا بالطريق والطريقة الّتي تجسّد ليختطّها ٱبن البشر ويكون بها وفيها إلهًا للكون المنظور وغير المنظور، مصلوبًا على صليب الهوان ومعلّقًا مختنقًا على حبّه للذين أبرأهم!.
العنوان اليوم هو العودة إلى الجذور، إلى ما قبل البداية، إلى الّذي كان وسيكون وهو كائن منذ الأزل وإلى الأبد!.
اليوم يقف كلّ آتٍ مختارًا الصّليب بملء حريّته بعد أن سمع ورأى الكون كلّه مشبوحًا بشكل صليب وغامرًا الّذي يريدون والّذين لا يريدون، والّذين آمنوا به بعد تسآل: ما هذا النّور الملتمع في جلد السّماء؟ الطالع من عتمات ديجور الليل؟ والمرتفع علوًا أعلى من السّماوات والأرض والكون، ليصير هو هو الكون الجديد للجيل الجديد، المولود من نزف جنب الّذي طعن يوم ولادته والّذي ما زال مطعونًا ومعلّقًا على صليب نزف آلام البشرية جمعاء؟!..
هكذا ”ٱجتاز الموت إلى جميع النّاس، إذ أخطأ الجميع“ (رو 12:5).
”أنتم آلهة وأبناء الله تدعون“ (المزمور 6:81). إذا... ٱتبعتم المسيح بٱختياركم وبحرّيتكم وركعتم سُجَّدًا أمامهُ ليَقصَّ نَذْرَ شعور رؤوسكم ويجعلكم أبناء له، أبناء الوعد الجديد، الّذي ٱختار أن يُهْلِكَ نفسه لأجل الإله المصلوبَ والمُعلّق على الخشبة ولكلمة الإنجيل!!.
الدعوة للجميع لكن القليل هم الّذين سيقبلون، ليدخلوا من الباب الضيّق!!.
أمختلُّ العقل أنتَ الّذي تختار الألم والضيق والسّجود والفقر ولا تركض وراء إشعاعات النّور الّذي يلتمع من الباب الواسع ليستقبلك إلى مائدة معدّة من ذبائح لحوم الأوثان لتأكلها؟!.
قل نعم يا مسكين، يا شقي، فتدخل بريق نار ونور جهنم!...
وأشِحْ بوجهك وصمَّ أذنيك عن نداء عرائس البحر السّحرية لتدخل ملكوت السّماوات من على الصّليب!!...
”بالصّليب أتى الفرح لكلّ العالم“
لأنّه بصليب المسيح يسوع الرّب، الإله، نخرج من شدقي التنّين الحوت البحري وندخل، مع غصن الزيتون، فم حمامة الوعد بعد الطوفان، لنخرج من فلك إختبائنا أثناء الطوفان، إلى الحياة الجديدة بالرّبّ يسوع المصلوب!!
لكنّ الشرّير لن يُشبع شهوته في قتلِ نفوس البشريّة إلاّ بإلقائها في التجربة، بواسطة جسدها، الّذي ٱرتضى منذ آدم الأول أن يسقط في تجربة عشقِ المجد الذاتي والتألّه بالأكل!!...
هكذا صارتِ الكلمة الإنجيلية كلمة عَكَسَ فيها الرّب الإله يسوع المسيح، ركائز الكون الزائل بمشيئة الإنسان لخرابه، وجرّ نفسه، تاليًا، إلى إلتزام الموت التافه السّخيف، قبلة أنظاره، وإعراضه عن كلمة الإله ووعده ليصير الإنسان إلهًا على مثاله وشاكلته.
”أنتم آلهة وأبناء الله تدعون“ (المزمور 6:81) إن أردتم ووافقتم المسيح!!!
هذه هي الدعوة الحق الإلهية للإنسان ذريّة الإله!!... ولكن بالصّليب أي بقطع المشيئة الذّاتية وسماع كلمة إلهنا في الإنجيل وطاعتها والسّير وراءه حاملين حبّه وٱسمه سلاحًا للظفر، نغلب!!.
والغلبة بالإنجيل وكلمته صعبة للذين يحبّون أنفسهم وسهلة للذين يحبّون العريس الختن الإله في أنفسهم!!. ”محبّة المال أصل كلّ الشرور“ (1 تيمو 10:6) ولكن دعوة المصلوب لنا اليوم أن نحبّ ذواتنا في المسيح!!! أن نُخلي ذاتنا من ذواتنا وشهواتنا العتيقة للامتلاء من ذات المسيح وكلمته، لأنّه هو وحده الّذي بعد أن تجسّد كإله، هُزِّئَ به ولطم وضرب وطعن وعلّق على صليب الهوان ليجعل من خشبة الصّليب لا أداة هوان، بل جائزة الفوز على الموت والهوان بإداة الهوان، لخلاص الإنسان!!... ”الحق أقول لكم، إن قومًا من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يَروا ملكوت الله قد أتى بقوّة“... وهذا الآن كلّه يربض في القلب المحبّ المتواضع الحامل كلّ الّذين أُعطوا له من الرّب، حياة للرب!.

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان
27 آذار