أحد الدينونة - أحد مرفع اللحم
"بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ ،فَبِي فَعَلْتُمْ"
يستخدم السيد قبل تعليمه بالأمثال عبارة: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (متى2:22)، فيشبّه ملكوت السموات بالعذارى العشر، بالدرهم الضائع... الخ، أما في مقطع اليوم فهو لا يتكلم بأمثال بل يكشف لنا ذاته كدّيان ويقول: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ" (متى 31:25)، ومن خلاله يكشف بوضوح على أي أساس ستتم دينونة الإنسان الأخيرة.
رحمة الله ورحمة البشر:
إحدى صفات الله أنه رحيم، ورحمته هذه لا تتوقف، وبما الإنسان مخلوق على صورة الله التي من خلالها يصبح لديه بنعمة الله بعض الصفات المشابهة لخالقه، كالرحمة والإحسان للقريب مثلاً، التي باقتنائها تجعل لديه الإمكانية للتشبّه بالله (هو مخلوق على صورة الله ليحقق المثال). قام السيد في حياته على الأرض، و بدون انقطاع، بأعمال رحمة نحو الجميع: "وَتَشْفِي الْجَمِيعَ" (لو19:6). حتى أنه قدم ذاته: "وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مر45:10) وكل ذلك بسبب محبته للبشر. الكل يعرف أن إخوتنا الفقراء عامةً هم إما جائعون أو مرضى أو عراة، والمسيحيين من بينهم هم أيضاً إخوة للمسيح، فهم معمّدون مثلنا، ولديهم النعمة ذاتها، يخضعون لقوانين الله ذاتها، يشاركون بالقداس الإلهي ذاته ولديهم الرجاء ذاته. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "كل أخ بالمعمودية يحق له الاشتراك بالمناولة المقدسة". فالذي يجعل من الإنسان شريكاً في ملكوت الله هو أن يملك قلباً رحيماً وليس بعضاً من المواهب الأخرى كصنع العجائب أو التعليم أو التأليف ...الخ
يوضح القديس إسحاق السوري أن القلب يصبح رحمياً ومحباً للبشر عندما يحترق من محبة الخليقة، فيبدي اهتماماً بأخيه الإنسان وحتى بالحيوانات وإن أمكن حتى أن يصلي للشيطان. الإنسان الذي يملك قلباً كهذا دموعه لا تتوقف، فلا يستطيع أن يرى أو يسمع أي شيء سيء إلا ويتأثر، وحتى أن يبكي، هو يصلي بدموع من أجل أعدائه ومن أجل الطبيعة ككل، لكي ينالوا الرحمة من الله. هكذا نرى كيف تعطينا أعمال الرحمة فرصةً ليكون فينا ملكوت الله.
كيف تظهر محبتنا للأخر:
في لحظة الدينونة لن نُحاكم حسب الشهادات التي نملكها أو المكانة الاجتماعية التي نتصدّرها أو الأموال التي نملكها أو بحسب جمالنا الخارجي، فهذه الأمور ليس لها أهمية في لحظة الدينونة ولكنها تصبح ثانوية، إنما قليل من الطعام أو مساعدة مادية تُقدم للآخر، أو الوقوف بجانب هؤلاء الذين يمرّون بأوقات صعبة أو زيارة شخص متألم، هي الأمور الأساسية. أعمال الرحمة هذه يجب أن تتم بدون ضجة كبيرة أو إعلام حتى بدون معرفة أحد. المؤمن الذي يعيش إيمانه يبتعد عن الظهور في أعمال الخير التي يفعلها بل يحاول أن يخفي آثاره. وهكذا ما سيبقى لنا في لحظة المحاكمة ليس سوى أعمال الرحمة الحقيقة المفعولة من أجل محبة الآخر وليس حباً بالظهور، التي ستكون لنا سنداً كبيراً في لحظة الدينونة.
إنجيل اليوم موجّه لنا نحن الذين نبجّل أيقونة السيد، وكي لا نُهمل صورته التي نراها أمامنا، أي أخينا الإنسان، ولنسمع قول القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي يحثّنا: "الغنى ليس هو الغنى المادي بل أعمال الرحمة..." أي لنرحم كل فقير نقابله أمامنا لكي يرحمنا الله. آمين
الأرشمندريت سلوان أونر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات