هذه الدراسة تتطلب من القارئ سلاماً روحياً ونقاوةً قلبية ويقظة ذهنية ليستطيع بالصلاة والتأمل أن يصل إلى أفكارها العميقة.


مقدمة:

إله الوحي المسيحي إله شخصاني. هو ليس إله الفلاسفة (مُجرد جوهر بسيط أو طبيعة إلهية متعالية). إنه إله شخصاني يُخاطب الناس كأشخاص بأسمائهم ويخاطبه الناس باسمه. إنه إله شخصاني يُخاطب الناس كأشخاص بأسمائهم ويخاطبه الناس باسمه. هذا الإله الشخص كان هكذا حتى في العهد القديم. لكن العهد الجديد كشف ملء الوحي الإلهي فعرفنا أن إله إبراهيم واسحق ويعقوب هو نفسه إله بطرس ويوحنا ويعقوب، وهو نفسه الآب والابن والروح القدس.

نؤمن بالثالوث القدوس لأنه هكذا أظهر نفسه للإنسان، كما مثلاً في معمودية الرب في نهر الأردن. يومها تُرتِّل الكنيسة المقدسة: "باعتمادك يا رب في نهر الأردن، أظهرت السجدة للثالوث" أو "السجود للثالوث". نؤمن بالثالوث لأنه هكذا علّم الكتاب والآباء. نؤمن بإله واحد، لأنه توجد طبيعة (جوهر) إلهية واحدة. ونؤمن بالآب والابن والروح القدس، لأن الله ثلاثة أقانيم أو أشخاص ممتلك هذه الطبيعة الواحدة نفسها. يقول القديس باسيليوس الكبير: "موطننا وحياتنا هو الثالوث القدوس الواحد في الجوهر وغير المنقسم، الإله الوحيد". إذاً: في الله نُميّز بين الطبيعة الإلهية الواحدة البسيطة من جهة وبين الأقانيم (الأشخاص) الإلهية من جهة أخرى والتي لها الطبيعة الإلهية الواحدة التي تكون واحدة للأقانيم بدون انفصال أو تجزئة أو انقسام فيما بينها. أيضاً يوجد تمييز آخر في الله هو بين الطبيعة (أو الجوهر) الإلهية من جهة والقوى الإلهية أو النعمة الإلهية غير المخلوقة من جهة أخرى وهي تصدر عن الجوهر الإلهي [1].

مسألة انبثاق الروح القدس له المجد ذات علاقة مباشرة بالتمييز الأول (بين الجوهر والأقانيم)، وعلاقة غير مباشرة بالتمييز الثاني (بين الطبيعة الإلهية والقوى الإلهية غير المخلوقة) كما سنرى.

لهذا فأي لاهوت يؤدي إلى إرجاع إله الوحي المسيح الشخصاني إلى مجرد جوهر أو طبيعة إلهية غير شخصانية أو يخلّ بالتوازن بين الجوهر (الطبيعة) الإلهي والأقانيم الإلهية ويُضعف التمايز الأقنومي لصالح الجوهر إنما هو لاهوت مرفوض أرثوذكسياً لأنه يُخالف وحي الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة وتعليم الآباء القديسين. هذا بالضبط ما تصنعه عقيدة الانبثاق من الآب والابن.

بالنسبة لعقيدة الثالوث القدوس، يأخذ الغرب الطبيعة الإلهية الواحدة كنقطة بداية، ومنها ينطلق إلى الأقانيم (الأشخاص)؛ أما الشرق فيأخذ الاتجاه المعاكس بادئاً من الأشخاص ومنها ينطلق إلى الطبيعة الإلهي. القديس غريغوريوس اللاهوتي يُفضّل الطريقة الأخيرة (الشرقية) لأنها متوافقة أكثر مع الكتاب المقدس ومع صيغة المعمودية والتي تُسمّي الآب والابن والروح القدس. والفكر البشري لا يتعرض لخطر الضلال إذا ما انطلق من الأقانيم إلى الطبيعة الإلهية الواحدة. مع ذلك، فالطريقتان مقبولتان طالما الطريق الأولى لا تعزو للجوهر (الطبيعة) تفوقاً على الأقانيم، ولا تعزو الطريقة الثانية تفوقاً للأقانيم على الجوهر المشترك.

الآباء استعملوا لفظتين (الجوهر Ousia والأقنوم Hypostatsis) ليثبتوا التميّز بين الطبيعة والأشخاص، بدون المبالغة أو المغالاة في أحد الطرفين. فعندما تتكلم عن الأشخاص تتكلم عن الطبيعة والعكس بالعكس. فلا يمكن تصوّر الطبيعة بدون الأشخاص. إذا تمّ الإخلال بهذا التوازن التضادي antinomy بين الطبيعة والأشخاص، لوجد خطر الوقوع إما في ضلال جعل الله مجرد طبيعة واحدة ذات وجوه متعددة وأسماء عديدة (أو ما ندعوه موحود سابيليوس: وهو الله-الجوهر الخاص بالفلاسفة) أو في تعدد الآلهة.

إن إدخال الانبثاق من الابن كان عاملاً حاسماً ساعد في الانشقاق الأرثوذكسي الكاثوليكي. حتى اليوم لا يستطيع الكثير من المسيحيين أن يفهموا لماذا كان لهذا العامل تلك الأهمية. فإذا كان كل من الأرثوذكس والكاثوليك يؤمنون بالآب والابن والروح القدس، فأي فرق كبير يوجد بين الانبثاق من الآب وحده أو من الآب والابن [2]؟
الجواب يمكن في أن كلا الطرفين يؤمنان إيماناً مختلفاً بالثالوث القدوس؛ هذا الإيمان المختلف تعبّر عنه عقيدة الانبثاق من الآب والابن. فاستعمال الكنيستين للفظة "ثالوث" لا تعني أن لهما الإيمان الواحد عينه. لنبدأ بالخلفية التاريخية هنا فهي مهمّة لفهم هذا الموضوع.

....الباقي تجده في المرفقات من هنا انبثاق الروح ال&#1.rar

انبثاق الروح القدس


د. عدنان طرابلسي


نقلاً عن كتاب:

سألتني فأجبتك

الدراسات الملحقة


ص 575-602

الطبعة الأولى 2005
----------------
[1] راجع السؤال 182 المتعلق بالنعمة غير المخلوقة في الفصل السادس، والدراسة الخاصة بهذا الموضوع في قسم الملاحق.
[2] مجرد الإيمان بالآب والابن والروح القدس وحده لا يكفي. فالمورمون يؤمنون بالآب والابن والروح القدس وإنما بصيغة كفرية وثنية مجبولة بضلالة تعدد الآلهة. وشهود يهوه يستعملون الصيغة نفسها وإنما بمعنى يهودي كفري.