26ـ على الذين يجاهدون ان يصونوا فكرهم دائما من الاضطرابات لكي يتسنى للذهن تمييز الايحاأت الخاطرة له فيذخر في كنوز الذاكرة الايحاء ات الشريرة الشيطانية خارج مخازن الطبيعة. فعندما يكون البحر هادئا ينفذ نظر الصيادين حتى الى تحركات قعره فيكاد لا يخفي عليهم شيئ من الكائنات التي تجوب دروبه. اما اذا كان البحر عاصفا فانه يخفي في تموجه المعتم ما يتباهى بابرازه في بسمة صحوه اذ ذاك نشهد عجز حيل الصيادين في حرفتهم. هذا ما يحدث في كل الاحوال للذهن المتأمل امور الله، خاصة حين يكون قعر النفس مضطربا من جراء غضب غير محق
27ـ قليلون جدا هم الذين يتبينون بدقة كل زلاتهم . فان هذا فقط شأن الذين لا يتيحون لذهنهم الاقلاع ابدا عن ذكر الله فعيوننا الجسدية، اذا ما كانت سليمة، قادرة على رؤية كل شيء حتى الذباب والبعوض الهائم في الهواء، اما اذا كانت تغطيها غشاوة او رطوبة وتراءى لها شيء ضخم فهي تراه بشكل غامض، كما انها لا تبصر الاشياء الصغيرة الحجم. كذلك النفس ايضا اذا ما اذوت بالانتباه والصلاة التعامي الناجم عن حب العالم فانها ترى اصغر الزلات كانها كبيرة جدا ولا تبرح تقدم لله دموعا فوق دموع في شكرها العظيم له . فانه مكتوب " فيحمد الصديقون لذلك اسمك"( مز 13:139)، اما اذا بقيت على ميولها الدنيوية فانها، وان اقترفت قتلا او خطيئة تستوجب اقصى العذاب، فلا تشعر بها الا قليلا. اما بقية الزلات فلا يمكنها حتى ان تدل عليها ، بل كثيرا ما تعتبرها فضائل ولا تستحي الشقية ان تدافع عنها بحماسة
28ـ لا تتم تنقية الذهن الا بالروح القدس. فان لم يدخل القوي ويسلب السارق لن يطلق سبيل الفريسة قطعا. فيجب ادا ان تتيح للروح القدس بكل الوسائل وبسلام النفس خاصة ان يستقر فينا حتى يبقى مصباح المعرفة مضيئا فينا على الدوام. لانه اذا كان يسطع في كنوز النفس دون انقطاع فالذهن يري جليا كل تجارب الشياطين الشرسة المظلمة بل تتناقض هذه التجارب كثيرا عندما يفاجئها ذلك النور الجليل المقدس. لذا يقول الرسول : " لا تطفئوا الروح " ( 1 تس 19:5) اي حذار ان تحزنوا عظم لطف الروح القدس باعمالكم وافكاركم الرديئة حتى لا تحرموا ذلك البهاء الظافر. اذ ليس الكائن الازلي المعطي الحياة هو الذي ينطفئ بل حزنه،اعني ارتداده عنا يجعل الذهن في الظلام مجردا من نور المعرفة
29ـ ليس سوي حس طبيعي واحد للنفس كما سبق القول ( اذ من المسلم به نهائيا ان الحواس الجسدية الخمس انما تتنوع لكي تطابق حاجات الجسد). هذا ما يعلمنا اياه روح الله القدوس المحب البشر. لكن هذا الحس ينشطر تبعا لحركات النفس عينها نتيجة ازدواج الذهن الناجم عن المعصية. لذا فان قسما منه يتبع الجانب الشهواني فيستلذ طيبات الحياة. اما القسم الآخر فكثيرا ما ينعم بحركة النفس العاقلة الذكية . وبالتالي عندما نكون عقلاء يتوق ذهننا الي الارتقاء نحو الجمالات السماوية .. فاذا اكتسبنا عادة نبذ رباطات هذا العالم على منوال ثابت سوف نتمكن ايضا من ان نتحد شهوة النفس الارضية بميولها العاقلة وذلك بنعمة الروح القدس الذي يدبر الامر لاجلنا فان لم ينر لاهوته كنوز قلبنا علي وجه ناجع فلن نستطيع ان نذوق ما هو صالح بحسنا الواحد غير المنقسم، اي في استعداد للنفس كامل
يتبع