يلخص القديس أغسطينوس نظريته فى الادراك الى ثلاثه أنواع :
1. الادراك الجسدى : وهو الذى ندرك به الاشياء بالحواس الجسديه .
2. الادراك التصورى : الذى به ندرك الاشياء الطبيعيه فى غير وجودها أو وهى غائبه عنا سواء كان بالذاكره أو بالتصور .
3. الادراك العقلى المطلق: وهذا لا تتدخل حواس الجسد ولا التصور الفكرى ايضا فى ادراك هذه الرؤيه . وهو إدراك العقل للحقائق والصفات المطلقه التى ليست لها صوره ما والتى لا يستطيع الخيال والتصور ان يحدها بصوره ما . اما الانواع التى يتعرف عليها الادراك العقلى فهى اولا طبيعه العقل ذاته ثم الفضائل المطلقه فى حقيقه جوهرها وليس فى استعمالها ثم فى الله فى جوهره .
اولا : الدهش :
الدهش أو الغيبوبه الروحيه ، حاله إختطاف روحى يعبر عنها الكتاب المقدس بعدة إصطلاحات مثل : "وكان روح الرب عليه " أو " كانت يد الرب عليه "
وهذا الاختبار الروحى يستلزم أن يكون الانسان فى حاله استعداد روحى داخلى لقبول اعلانات الله . لذلك فالدهش يكون دائما ملازما لحاله الهدوء الكامل والسكينه التى بعدها يتوقف اتصال الانسان نفسه وبالعالم المحيط ويصبح تابعا لله بكل كيانه . وفى الدهش يفقد الانسان السيطره الحره على عقله وحواسه لان الروح القدس هو الذى يقوده فى هذه اللحظات . لا تستعلن كل الاسرار الالهيه الفائقه التى تختص بمعرفه الله للعقل الانسانى الواعى لانه ذو طبيعه قائمه على اساس القياس المادى والتصورى المنطقى فيكون عاجزا تقريبا عن معرفه الله الكامله والحقيقيه لان طبيعة الله ليست خاضعه للقياسات الماديه أو المنطقيه . لكن لكى يعان الله محبته للإنسان الذى احبه وآمن به استلزم ان يظهر الله نفسه للانسان احيانا حتى تكون محبته شخصيه ذاتيه حقيقيه على الواقع البشرى . ويستلزم ذلك ان يجاوز الانسان كل ما يمكن ان يقع تحت بصره وسمعه وفكره وذلك يستلزم توقف نشاط وفاعليه العقل المتصل بالحواس فتره معينه يتم فيها هذا الاتصال الفائق للطبيعه المحسوسه وهذا هو الدهش بالله . وإختبار الدهش بالله لا يتوقف على إستحقاقات معينه يشترطها الله ليعان نفسه للانسان سوى المحبه العميقه من كل العقل والقلب والنفس . واختبار الدهش مناسب للمبتدئين لانهم يكونون فى حاله روحيه عاليه .
الدهش أى الجذب الابهى وما يلازمه من إنفعالات نفسيه :
يعتبر الدهش ظاهره لبلوغ قمة التأمل ونهايته . ولان الانسان يكون منجذبا نحو الله بقوه خارجه عن ارادته بينما تكون النفس والعقل وكل الحواس مخطوفه وغير قادره على مباشره نشاطها الطبيعى . والجذب الالهى ليس واحدا لكل السائرين على الطريق .
النواحى الجسديه :
الدهش الالهى حسب الفحص الطبيعى هو حاله غيبوبه تتراوح بين العمق الشديد والخفه وتتفاوت فى مدتها من الاستغراق الطويل الى اللحظات القصيره . وفى هذه الحاله يدخل فيها الجسد إما تدريجيا وببطء . كإنتقال طبيعى من حاله التركيز الذهنى فى موضوع التأمل الى حاله إستغراق وإنشغال شديد ثم الى حالة الدهش حيث يبتلع الموضوع كل انواع النشاطات الذهنيه الشعوريه . وإما يكون الدخول فجائيا وسريعا بمجرد لمح الذهن لموضوع التأمل . وسواء كان تدريجيا أو فجائيا فإن الانسان يشعر اثناء العبور عليه بحاله من السرور المفرط . وبمجرد أن يدخل الانسان فى حاله الغيبوبه تظهر عليه العوارض الطبيعيه لها مثل انخفاض سرعه التنفس وهبوط فى الدوره الدمويه وبروده الجسد وتصلب الاعضاء وثبوت الجسد فى وضعه مهما كان هذا الوضع مؤلما وغير طبيعى . وقد تصبح الغيبوبه عميقه لدرجه فقدان الاحساس وعدم الاستجابه لاى مؤثر ألمى والعجيب أن الجسد احيانا لا يضار من الايذاء مهما بلغ .
وهذا الدهش هو احدى الظواهر الثانويه على الطريق الروحى ولا تنم عن قيمه روحيه اساسنه خلاصيه فى حد ذاتها. ولكن هناك حالات مرضيه من الدهش . وتكون راجعه الى ضعف الاشخاص أو قصه مؤلمه فى حياة الفرد . اما الدهش الالهى فتكون الغيبوبه فوق مستوى العلل العصبيه والعقليه وهنا تكون الغيبوبه غير ناتجه عن ضعف البناء الجسدى للانسان او بسبب هبوط الطاقه العصبيه . انما تكون بسبب تفوق القوه الروحيه على ميكانيكيه الشعور البشرى . اما الغيبوبه الناتجه من حالات النسك الشديد يواجه الانسان بالضروره حاله ضعف فى القوه العصبيه يجعل اختلاط الدهش بحالات غيبوبه مرضيه امرا محتملا . ولكن المتقدمين يستطيعوا ان يميزوا بينهم .
النواحى النفسيه :
الدهش من الجهه النفسيه هو حالة تركيز كلى فى موضوع واحد هو الله فيه يدفع الشعور حتى الى حافته إما اراديا أو لا اراديا . وهو فى الواقع شىحا عمليا واقعيا لحاله تأمل بلغ اعلى حالاته " التركيز فى الموضوع الواحد " . والواقع انه يوجد بين اعلى درجة للتأمل الواعى اثناء اليقظه وبين الغيبوبه حاله قصيره يكون الانسان فيها متعطشا جدا لإستكمال الصله السريه مع الله. ومن هذا نستنتج ان الدهش حاله مكمله للتأمل , ولكن الدهش ليس مجرد تركيز كلى فى فكره واحده ولكنها شئ اعمق بكثير فهى تشمل حدوث تغيرات باطنيه فيها تتوحد كل القوى الداخليه للنفس وتتعاون معا ثم تنفتح فجأه على المجال الالهى الاعلى لتخدم قضيه اهم بكثير من قضيه الشعور والحواس والعالم الظاهرى قضيه الموضوع " الواحد " . اذ نرى ان الشعور عندما يعجز بكل اتساعه وامكانياته عن مواجهه الله ينسحب فى الحال ليعطى الفرصه للاشعور .
النواحى الروحيه :
الدهش من جهة الروح فهو درجه روحيه مرتفعه لادراك غير المدرك . فالنفس البشريه اثناء الدهش تحيا فى الابديه كما يحيا الجسد الطبيعى الان فى هذا العالم . هذه الدرجه تظل مختبئه فى الكيان النفسى الى ان يواجهها الانسان فجأه وذلك عندما يجهد الوعى الروحى للامتاد نحو الله مضحيا بكل شئ فيفاجأ بالاجابه على هذا الجهد بالدخول فى الدهش . ولانه يستحيل على الانسان ان يمارس الحياتين معا بالجسد فإن الجسد بحواسه يتخلف معطيا الفرصه للحياه الافضل . وفى الدهش يعرف الانسان الله ويدركه بغير منظر . الدهش من جهة الجسد والحواس يعتبر الستاره المعتمه التى لابد ان تلقى على الحواس حتى يتسنى للروح أن ترى ما للروح , وحالة الدهش فى كثير من الاحيان لا تبلغ درجه العمق الكافى للدخول فى غيبوبه كامله فكثيرا ما تقف عند حاله الاستكشانه العميقه والهدوء الداخلى حيث تواجه النفس حالة سرور مفرط . والذى يميز حالة الدهش الحقيقى من الغيبوبه المزيفه هو شعور الشخص فى الدهش الحقيقى بفقدان فرديته وإختفاء الاحساس بذاته ،والاحساس بالله الذى يجعله لا يحس الا به . اما الغيبوبه المزيفه فهى بضخم الانا . كذلك المعرفه المتولده من الدهش الالهى لا يمكن التعبير عنها بالكلمات عكس الغيبوبه المزيفه التى يمكن تذكرها وسردها بكلماتها . وكل ذلك يمكن التفريق عنهم بالدافع الصحيح او الخطأ .
+اقوال الاباء فى الدهش :
يقول القديس أغسطينوس : " الذهول هو ذهاب العقل كما يحدث احيانا من الفزع والرعب وهو يكون لاستعلان ما . وذلك بإبعاد العقل من منطقة الحواس الجسديه حتى يتسنى للروح ان تطلع على ما يراد اطلاعها عليه "
ويتحقق من اقوال القديسين أن درجة الدهش الاولى . اى رفعة العقل الحر الطاهر الخالى من حركات الجسد والفكر – انما فى بدايتها تكون إجتهادا من قبل الانسان فالنعمه تدخل عندما تجد استعداد العقل كاملا ليهم مرتفعا فوق المحسوسات والتصورات . لترفعه النعمه من تحت سلطان الحواس الجسديه والماديات لتحضره امام الله نقيا مطلقا . واعلم ان اى جفاف او ملل او قلق او ضيق يحدث للانسان وهو فى بدء إختباره للتأمل يكون بسبب الضيقه التى تعترى النفس عند محاولة تخلصها من الجسد الذى ارتبطت به طول الزمان وليس دليل على عدم إستعداد أو الفشل . وهناك نوعان من الدهش:
الاول : اختطاف العقل فقط بعيدا عن حواس الجسد حيث يبقى الجسد مع النفس .
الثانى : هو تحرر النفس كليه من ربقه الجسد وخروجها متحرره من كل علاقه تربطها بالجسد حتى أن الجسد يترك فى شبه حالة موت ، لا يستجيب للمؤثرات الخارجيه حتى قطع الاعضاء .
يتبع ......
المصدر : من كتاب حياة الصلاه الارثوذكسيه

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات