إنّ وحدة المواهبية والمؤسساتية (التنظيم) في الكنيسة مبنية بالأصل علىكون الكنيسة مؤسسة إلهية إنسانية معًا، وهذا عام ومعترف به في التقليد الأرثوذكسي.فالمؤسساتية في الكنيسة تعبر بشكل ما عن بعدها الإنساني، والمواهبية تعبر أيضاً عن بعدهاالإلهي.هكذا، فإنّ الطابع المواهبي للمؤسسات الكنسية، والطابع المؤسساتي للمواهب فيالكنيسة يظهر بوضوح أنّ الموهبة والمؤسسة، الروح والتنظيم، يتحدان ويعملان معاً كماطبيعتا المسيح البشرية والإلهية. فرغم تمايزهما الواضح تعملان معاً دون انفصال. وهذهنتيجة طبيعية للعقيدة الأرثوذكسية في الخريستولوجيا، التي تحدد طريقة عمل كلّ فعلومؤسسة في الكنيسة عبر تاريخها وتقليدها الطويلالنتيجة المباشرة لوحدة المواهبية والمؤسساتية هو بنيان الكنيسة ووحدتها بالذات، أوبشكلٍ آخر أنّ الروح القدس إذ يمنح مواهباً متعددة ومختلفة يعطيها لخدمة الوحدةوالبنيان.
لهذا إن وحدة الكنيسة تقوم بالوقت ذاته على تنوع مواهب الروح وعلى التنظيم المؤسساتي فيها. من هذا المفهوم إنّ لوحدة الكنيسة أساسان مستندان إلى الوحدة بينالموهبة والمؤسسات، وهما، أولاً أن تكون المواهب الفردية هي ثمرة عمل الروح القدس فيالكنيسة. وثانياً أن تعمل هذه المواهب دوماً لتحقيق وحدة الهيكلية الكنسية بالمحافظة علىالخدمة المواهبية لأعضائها يوضح بولس الرسول بطريقة جميلة جدًا وسلسة هذه الحقيقة عندما يعبر عنالكنيسة بصيغة الجسد المواهبي ك "جسد المسيح" ١. يتألف هذا الجسد من أعضاء يتمتعون بمواهب متنوعة، تشمل كل الخدمات الكنسية. لهذا وحدة الكنيسة هي مواهبية وخدمية عملية.
إنّ تنوع المواهب التي يتزين بها أعضاءُ هذا الجسد ليست أبدًا سبباً للانشقاقات بل هي ضرورية لأنها شرط لنجاح تناغم الأعضاء وتعاونهم بين بعضهم البعض، وللهدف ذاته وهو الحفاظ على وحدة هذا الجسم المواهبي وحيويته. لا يعمل أيعضو من أعضاء الكنيسة في هذا الجسد بشكل منفصل عن باقي الأعضاء أو كهيئة أوطرف مستقل بذاته، وليس من الممكن اعتباره غير ضروري. إنّ كلّ عضو هو حامل لمواهب من الروح متنوعة، وكلٌّ له خدمته المحددة من أجل بنيان ووحدة الكنيسة. هكذا تتشكل "هيكلية الكنيسة".لهذا، عبر تاريخ الكنيسة، عندما ظهر بعض المواهبيين، الذين أحبوا الاستقلالية وتصرفوا بانفرادية، أضعفوا وحدة الكنيسة، ومواهبهم هذه إما خمدت مع الوقت أوغابت، أو عادوا ودخلوا في الكنيسة أوالنظام الكنسي ومؤسساته
.مثال توضيحي، موقف بولس الرسول من موهبة "التكلم بألسنة" التي انتشرت واشتهرت في كنيسة كورنثوس ٢، وكان موقفه فاصلاً في مستقبل هذه الموهبة ٣. وكذلك موقف المجمع المسكوني الرابع من استقلالية وتفرد بعض الرهبان الذين أقلقوا الكنيسة بتصرفاتهم هكذا في الرعايا. لهذا أمر المجمع في قانونه ( ٤) أن يخضع الرهبان إلى مطران الأبرشية التي يعيشون فيها، وألاّ يتدخلوا بمسائل رعوية دون إذن راعي الأبرشية أو تكليفه وما يصح على أعضاء جسد المسيح الأفراد يصح على أجزاء الجسد من المؤسسات المختلفة، التي يعمل ا الأفراد أعضاء جسد المسيح، وكذلك حتى الأسرار الكنسية والمجامع المسكونية والمحلية، كلها خاضعة لهذا المبدأ، أي الحفاظ على وحدة طبيعتي جسد المسيح- الكنيسة المواهبية والمؤسساتية.
على سبيل المثال، إنّ الانتماء إلى الكنيسة غير ممكن بدون سر المعمودية. بالمعمودية نصبح أعضاءً في هذا الجسد، وبالتالي حاملين لمواهب من الروح القدس وأعضاء مساهمين في وحدة مواهبيته. وهذا ما يشدد عليه بولس الرسول حين يتكلم عن مواهبية جسدالمسيح- الكنيسة، "لأننا جميعنا بروحٍ واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد يهودًا كنا أم. يونانيين عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سقينا روحاً واحدًا"
مثالٌ آخر، سر الشكر، الذي يشكّل مركز الحياة المسيحية، يهدف أولاً إلى بنيان وحماية وحدة الكنيسة. فإذا كانت بداية الاتحاد بأعضاء وجسم الكنيسة تتم في سرالمعمودية، فإنّ سر الشكر يحافظ على هذا الاتحاد ذا الجسد المواهبي ويشدده، بحيث نحنالعديدين نبقى جسماً واحدًا حياً بنفخة مواهب الروح.
هكذا يشكّل سر الشكر الأساس الذي تبنى عليه كلّ من وحدة الكنيسة ومواهبيتها. "فالآن أعضاء كثيرة ولكن جسد واحد" ١.أهمية سر الشكر في حياة الكنيسة كانت دوماً أولية، لدرجة صارت كلمة "كنيسة" تعني مرات عديدة الجماعة التي تقوم بسر الشكر الإلهي ٢. لهذا تسمية بولس للكنيسة ب "جسد" لا يعني تجمع ووحدة مواهبيين بل "جسد المسيح"، فمن الواضح. ضرورة ممارسة حياة المؤمنين كجسد لسر الشكر الإلهي، الذي منه يتشكّل هذا الجسد ٣من هنا نفهم كيف تساهم الممارسة المتواترة لسر الشكر في تحقيق وحدة الكنيسة. لهذا يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي يوصي أهل أفسس أن يجتمعوا للشكر كثيرًا. "عندما تقيمون سر الشكر تضمحل قوة الشيطان ويزول جبروته... بسبب وحدتكم فيالإيمان" ٤.
لأنه بالقداس الإلهي حتماً وأولاً يسود "التفاهم ووحدة الإيمان" ٥، أي الوحدةالكنسية.
كذلك، إنّ هدف كلّ المواهب والوظائف في الكنيسة هو خدمة الوحدة. هذا مايشدد عليه بولس الرسول حين يعدد المواهب التي برزت في أيامه: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكلّ في الكلّ... فوضع الله أناساً في الكنيسة أولاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعواناً تدابير وأنواع ألسنة" ٦. وهذه المواهب بعضها انتهى وبعضها يستمر. أما تلك المواهب والخدمات الدائمة، أي الأسقفية والكهنوت والشموسية، فإنها ترسخت كنظام في الكنيسة، لا بل فقد حّلت بشكل ما محل العديد من المواهب التي كانت في العصر الرسولي، لكي تضمن وحدة الكنيسة وتتفادى المخاطر التي كانت تهددها من شطط بعض المواهب إلى هرطقات وتعاليم غريبة لهذا السبب ربطت الكنيسة بقوة بين هذه الخدمات والمواهب وبين القداس الإلهي،لا بل بينه وبين كلّ الوظائف والمؤسسات في الكنيسة. فإنه كما أظهرت البحوث والدراسات الأخيرة، أنّ كلّ تنظيم وكلّ موهبة في الكنيسة كان يتأسس حول وعلى سر. الشكر الإلهي، الذي يهدف أولاً إلى بناء وضمان الوحدة الكنسية ١تخدم المجامع المسكونية والمحلية المقدسة الهدف ذاته، الوحدة. فهذه المجامع كعمل جماعي مؤسساتي منظم للكنيسة ينظم أيضاً عقائد وقوانين تأخذ طابعاً مواهبياً عندما تقبل من الكنيسة. فالعقائد هي نصوص مواهبية تحدد إيمان الكنيسة، والقوانين نصوص مواهبية ترتب حياة المؤمنين في الكنيسة، وللاثنين هدف واحد هو ضمان الوحدة الكنسية. فبهما اي (العقائد والقوانين) تحفظ المجامع الكنسية من التعاليم الغريبة الدخيلة من جهة، ومنالأعمال والنشاطات التي تسيء إلى نظام الكنيسة، أي من الأمرين اللذين يمكن أن يهددا وحدة الكنيسة، فالعقائد تحفظ وحدة الإيمان والقوانين تحفظ وحدة الحياة، وهكذا تتحققالوحدة الكنسية
خلاصة:
يبدو واضحاً إذًا أنّ "وحدة المواهبية والمؤسساتية"، كما هو معروف في التقليدالأرثوذكسي، هو أمر له انعكاسات مباشرة وأساسية على حياة الكنيسة ليس لأنهما لاتفهمان مستقّلتين عن حياة الكنيسة وحسب، وإنما لأهمية تأثير ذلك على وحدا.هذه الوحدة بين المواهبية والمؤسساتية لا تخص الكنيسة عموماً وحسب، بل تحدد مسيرة كلّ جزء من حياتها، وكلّ مؤسساتها، فهذه الأخيرة لا يمكن أن نفهمها دون اكتمال هذا الترابط فيها. وكما رأينا فإنّ ذلك مبني على إيماننا بحياة الكنيسة كمؤسسة إلهية- إنسانية، كلّ المؤسسات فيها تأخذ طابعها.إنّ هذه الوحدة بين المواهبية والمؤسساتية هي الأساس لضمان وحدة الكنيسة.وذلك لأنّ عّلة كلٍّ من الأمرين هو الروح القدس نفسه، الذي كما يعطي تنوع المواهب يعمل لوحدة الكنيسة ويحفظها.إنّ كلّ فعلٍ مواهبي أو مؤسساتي، من رتب كنسية إلى خدمات وتنظيمات، يجب أن يهدف إلى بنيان جسم الكنيسة الواحد- جسد يسوع وضمان وحدته. لهذا نعتقد أنالفصل بين الأمرين أو قبول خدمة كلّ أمر بحد ذاته منفردًا عن الآخر يحطّم إلى الحضيض تأسيس كلّ منهما على فعل الروح القدس وطابع الكنيسة كعملٍ إلهي- بشري معاً وبالتالي يدمر وحدة الكنيسة.(جاورجيوس مرتزيلوس)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات