باسم الآب والإبن والروح القدس, إله واحد آمين

النصيحة التاسعة والأربعون (1)
عن الأخلاق الرديئة (2)
للقدّيس أفرام السريانيّ
(رهبنة دير مار ميخائيل)

كما يقطع السيف أعصاب الحصان ويرمي بالفارس أرضًا، هكذا تقطع الأفكار الخبيثة الرديئة قدرات النفس وتسلّمها إلى الأحزان والحزن بدوره يُهلك كلّ من يقع فيه.

أراد أحدهم الذهاب إلى مدينة تبعد مسافة ثلاثين طورًا[3]. بعدما قطع تسعةً وعشرين ولم ينجز الطور الأخير، عاد من حيث كان ولم يدخل المدينة التي كان يطلبها.

تتّعظ ممّا حصل مع الذي جاء في الساعة الحادية عشرة ونال الأجرة الكاملة كالباقين الذين عانوا شقاء النهار كلّه (متّى 20: 9). وهذا أيضًا الذي عمل حتّى الساعة الحادية عشرة، لو أخذ في تلك الساعة يقتلع المزروعات ويهلكها، ما كان لينال أجرة. لأنّ ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح قال: "الذي يصبر إلى المنتهى يخلص" (متّى 10: 22)، وأيضًا قال: "كلّ من يضع يده على المحراث ويلتفت إلى الوراء لا يليق بملكوت السماوات" (لوقا 9: 62).

وبما أنّ امرأة لوط قد التفتت إلى الوراء فتحوّلت إلى عمود ملح (تكوين 19: 26). لهذا كان الرسول ينسى الأمور القديمة السالفة ويمتدّ إلى الأمام (في 3: 13). أنت أيضًا، أيّها الحبيب، عليك بالصبر. لأنّ هذا العالم عابر مع شهوته، أمّا الذي يعمل مشيئة اللَّه، فسيبقى إلى الأبد (1يوحنّا 2: 17). لأنّنا نسلك كالغرباء في هذه الحياة وإقامتنا مؤقّتة فيها فإن عملنا بما لدينا من وقت في هذه الحياة، بما يرضي الربّ، فإنّنا سننال المكافأة لا محالة.

كن صبورًا، إذًا، أيّها الأخ، لأنّه مكتوب: "بصبركم تخلّصون نفوسكم" (لوقا 21: 19). لقد أرضى نوح اللَّه من بعد مولد ابنه متوشالح مجاهدًا لمدّة اثنتي عشرة سنة (تكوين 5: 22). فكيف نكون نحن غير مبالين خلال وقت قصير كهذا؟

حارب الأفكار الهدّامة، أيّها الحبيب، وقل مع الرسول "لقد صلبتُ مع المسيح فلا أحيا أنا في ما بعد بل المسيح يحيا فيّ" (غلا 2: 19- 20). وإلاّ ماذا سينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ (متّى 16: 26). فابعدوا عنّي، إذًا، أيّها الأشرار وحينها أستقصي وصايا اللَّه (مز 118: 115). كذلك ينادي سفر الجامعة بعد إحرازه مجدًا وغنى عظيمين ويقول: "باطل الأباطيل... كلّ شيء باطل" (1: 2).

لذلك لن أرمي في ما بعد أتعابي وجهودي في البطلان والعبث، لأنّه حينها سينال آخرون الميراث بعد موتي أمّا أنا فسأعاقب منفردًا. بل سأقدّم أثماري إلى الإله الصالح المتحنّن الذي يمنح الحياة بعد الموت ويهيّئ للذين يحبّونه ما لم تره عين ولم تسمع به إذن ولم يخطر على فكر إنسان (1كورنثوس 2: 9).

نعم، يا حبيب، اقتن شجاعة وليتشدّد قلبك وانتظر الربّ بصبر (مز 26: 14) فيكون موتك سلاميًّا. هناك سترى الصدّيقين يفرحون من أجل خلاصك. هناك ستعيش في أحضان إبراهيم مع لعازر (لوقا 16: 22)، لأنّك فضّلت الفقر واخترته وأبديت صبرًا في الأحزان واحتملت التعييرات ولم تكره الازدراء. لذلك سيقتبلك الأبرار في المساكن الأبديّة. حيث انتفى الألم والحزن والتنهّد (أشعيا 35: 10). هناك سترى الحياة والنُّور الحقيقيّ ورجاء كلّ الخليقة ومخلّص نفوسنا يسوع المسيح الملك المجيد، فيفرح قلبك ولا أحد ينتزع فرحك منك (يوحنّا 16: 22)، بل الربّ إلهنا نفسه سيحفظنا بلا ملامة ولا عيب لأنّ له المجد إلى الدهور. آمين.

[1]هذه نصائح موجّهة إلى رهبان مصر Assemani Cod. Arundelianus
هناك عنوان آخر يرد في مخطوطة أخرى على الشكل التالي: أقوال نصائحيّة إلى النساك. نجد في هذه النصائح نفعـاً كبيراً لكلّ المسيحيّين العائشين في العالم. إذ تتوجه هذه الإرشادات من أجل ضبط الأهواء ومحاربتها ومعالجة الضعفات الكائنة في كلّ البشر بخاصّة في بدء حياتهم الروحيّة.


[2]كالقنوط وعدم الصبر والتعلّق بالعالم الباطل.

[3]الطور stade وحدة طول تقارب 192م.