ـ ميتـيورا ـ الصخور المقدسـة وتاريخها قلعة من قلاع الأرثوذكسـية , ومنبر من منابر الحق , وصوت من أصوات السماء , ورابطة من روابط الإيمان بين الأرض والسماء , هي منطقة ميتـيورا الواقعة في وسط اليونان, وتأتي أهميتها الرهبانية بالدرجة الثانية بعد جبل آثوس المقدس . أمام أبواب السماوات وعلى ارتفاع شاهق عن سطح الأرض , تشاهد العيون من مدينة كالامباكا , تلك المنارات الساطعة الملتحفة بالسّماء غطاءً ,( وقد أتيح لي برفقة زوجتي زيارتها والتبرك من بعض أديرتها وأيقوناتها ) . مكان غريب ومدهش بهدوئه , تلك المجمعات الرهبانية المقامة على قمم الجبال الشامخة القريبة من الخالق , والبعيدة عن الصخب والضجيج الذي لا يقطعه إلا طيران الطيور السريعة أو قرع أجراس الأديرة . وأما عن تشكل هذه الجبال , فقد روى الألماني آل فيليبسون ـ في كتابه الصادر عام 1897 ـ أنها كانت موجودة في أعماق نهر يصب في البحر قديماً منذ آلاف الأعوام ثم برزت بسبب انحسار المياه عنها . في قمم هذه الجبال , وجد المتنسكون صلتهم بالرب مواظبين على الصلاة والدراسات الروحية , وحسب التقاليد المتوارثة , فإن أوائل أولئك المتنسكين صعدوا إلى تلك القمم قبل القرن العاشر الميلادي , وعاشوا في مغاير وتجويفات الصخور , وشيدوا بالقرب من مكان إقامتهم " أمكنة للصلاة " حيث كانوا ينكبّون على دراسة النصوص الأرثوذكسية القديمة . وبسبب واجباتهم الدينية , التي كانت تدعوهم لإقامة صلوات القداس الإلهي , وممارسة سرّي الاعتراف والمناولة , التي تتطلب وجود كاهن , اضطروا إلى الصلاة في الكنيسة القديمة, كنيسة رؤساء الملائكة , ومن ثم في كنيسة والدة الإله , حيث أسسوا وقتئذ أولى الصوامع الرهبانية , حوالي القرن الحادي عشر والذي كان بداية تأسيس الإدارة الرهبانية المنظمة , وبمرور الأعوام وحسب التقليد المتبع في جبل آثوس المقدس , كانت الأولوية لرئيس دير ذوبيانيس , حيث كان يقيم في الدير ويشرف على المنطقة كلها . بعد انقضاء ثلاثة قرون بهدوء وبسلوك الإيمان , بدأت المشاكل تعصف في القرنين الثالث عشر والرابع عشر , بسبب غارات شنها الألبان والصرب والإفرنج والأسبان والأتراك لاحتلال الأراضي المحيطة بالجبال . وفي عام 1334,غادر الجبل المقدس آثوس إلى ميتـيورا ـ هرباً من غارات القراصنة ـ الراهب أثناسيوس ( فيما بعد القديس أثناسيوس ) برفقة أبيه الروحي غريغوريوس , وأقاما حوالي عشرة أعوام في منطقة عامود الدموع , وكانا يبغيان إنشاء دير منظم حسب التقليد المتبع في جبل آثوس المقدس . وعام 1344 , صعدا إلى منطقة الحجر العريض التي كانت على ارتفاع / 613 / متراً عن سطح البحر , و / 413 / متراً عن مدينة كالامباكا , وشرعا بمشاركة أربعة عشر راهباً في وضع الأساس الأولي للدير الذي عرف لاحقاً باسم دير ميتـيورا الكبير , وكان للراهب والقديس أثناسيوس الدور الكبير في وضع قوانين وشروط الحياة الرهبانية التي يجب إتباعها في ميتـيورا . وبسبب تكاثر عدد الرهبان , انتشرت الأديرة المقدسة على قمم الجبال , حتى وصل عددها إلى / 24 / ديراً , وبمرور الزمن , أدت عوامل متعددة إلى تقلص عدد الأديرة المفتوحة إلى أن وصل عددها اليوم إلى ستة أديرة منها ديران للراهبات , وحل الخراب والدمار في بقية الأديرة . تطل أديرة ميتـيورا من مسافة 2 كم على مدينة كالامباكا , التي توجد فيها كنيسة السيدة العذراء التي بنيت في القرن الحادي عشر على أنقاض كنيسة مسيحية قديمة , وهي ذات ثلاثة أروقة وبدون قبة , ومن أهم مافيها ذاك المنبر المرمري القائم في وسط الكنيسة , مقابل الباب الملوكي , الذي يتم الصعود إليه بدرجين متقابلين , بالإضافة إلى الأيقونات الجدارية المقدسة التي يعود تاريخها إلى القرنين الثاني عشر والخامس عشر , وهي بحالة فنية جيدة , وكذلك الأيقونسطاس الخشبي المحفور . وللوصول إلى أديرة ميتـيورا يتوجب ـ بعد مغادرة مدينة كالامباكا ـ المرور عبر قرية كاستراكي , التي أنشئت بسبب هجرة المسيحيين من بعض قراهم هرباً من محمد علي وتجمعهم فيها , وقد نسبت إلى قصر بيزنطي مازالت بعض آثاره باقية حتى اليوم . ومقابل قرية كاستراكي , تقع كنيسة مشادة باسم القديس جاورجيوس , إلا أن الوصول إليها يشكل خطراً لصعوبة تسلق الجبال . ـ الأديرة ـ 1 ـ دير القديس نيقولاوس : هو أول أديرة ميتيورا التي نمر بها على يسار الطريق , وهو مبني على جانب جبل شاهق بسبب ضيق رقعة قمة الجبل , ويتألف من عدة طوابق , وعند الدخول إليه نمر عبر كنيسة صغيرة مقامة باسم القديس أنطونيوس , ومساحتها لاتتعدى أربعة أمتار مربعة , وفي الطابق الأول توجد كنيسة القديس نيقولاوس المزدانة بالأيقونات الجدارية البيزنطية , وفي الطابق الثاني توجد كنيسة القديس يوحنا المعمدان , بالإضافة إلى مخزن تحفظ فيه جماجم بعض الرهبان ويستعمل مكاناً للضيافة . وأيقونات الكنيسة الجدارية هي من رسم الراهب ثيوفانيس ستريليتذاس المولود في كريت عام 1500 تقريباً , وهي الأيقونات الوحيدة التي تحمل توقيعه , إذ أن تلك التي رسمها بعدئذ في جبل آثوس المقدس قد خلت من التوقيع , وقد انتقل إلى الحياة الأبدية عام 1559 في الجبل المقدس . 2 ـ دير روسانو : وأما الدير الثاني , فهو دير روسانو , وهو دير راهبات ضاع تاريخه مع مرور القرون, فتاريخ بنائه عام 1388 وكذلك أصل الاسم المنسوب إليه لايوجد لهما أثر في التاريخ , إلا أنه يستنتج من المعلومات الضئيلة المتوفرة أن بناءه تم في أعوام بعيدة , ومن المؤكد أن إنشاء الكنيسة قد تم في عام 1545 على الطراز البيزنطي بدلاً عن كنيسة التجلي المتهدمة , كما جدد بناء الدير آنذاك , والأيقونات المرسومة على جدران كنيسة التجلي يعود تاريخها إلى عام 1560 , وهي بدون توقيع ومن المدرسة الكريتية , ولاتزال تحتفظ بجمالها الفني والروحي رغم مرور القرون مع الأيقونسطاس الخشبي المحفور المطلي بالذهب . والتاريخ لا يذكر تطور الدير في الأعوام اللاحقة بسبب السرقات التي وقعت فيه كما حدث في بقية الأديرة على أيدي لصوص مجهولين , وأما ما بقي فيه من آثار قيّمة ومخطوطات, فقد حفظت في دير ميتيورا الكبير , لكن قيمة الدير الروحية عادت إليه منذ عام 1950 بفضل رئيسته التي بذلت جهوداً جبّارة في المحافظة عليه , إذ رممت مبانيه القديمة وأصلحتها حتى أصبح اليوم من ثلاثة طوابق . 3 ـ دير القديس فارلاآم : الدير الثالث هو دير الناسك القديس فارلاآم , الذي شيده في منتصف القرن الرابع عشر من عدة صومعات مع كنيسة صغيرة باسم القديسين أقمار الكنيسة الثلاث , وعاش فيه وحيداً متنسكاً متعبداً مدى الحياة . بقيت أبنية الدير مهجورة لسنوات كثيرة حتى صعد إليها الأخوان الراهبان نكتاريوس وثيوفانيس هادفين ترميم وإصلاح الكنيسة وذلك عام 1518 . وبمرور السنين , تكاثر عدد الرهبان في هذا الدير حتى وصل إلى ثلاثين راهباً , وبنى الأخوان الراهبان عام 1542 كنيسة على اسم جميع القديسين استمر بناؤها مدة عشرون عاماً, وتطور دور الدير واتسع نشاطه الروحي والمادي بفضل تقدمات المؤمنين من أراضٍ ومزارع وأوقاف , ويلاحظ زائر الدير وكنيسة الأقمار الثلاثة المحفورة في الصخر عظمة الفن الكنسي من خلال أيقونتين جداريتين , تمثل الأولى القديس أفرام السرياني وهو أحد أشهر رهبان ومتوحدي الكنيسة , وتمثل الثانية رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم , وكذلك من خلال الأيقونات التي تمثل ميلاد السيد المسيح وبعض القديسين . 4 ـ دير التجلي : وهو الدير الرابع من أديرة ميتيورا والذي يعرف بدير ميتـيورا الكبير , ويقع على ارتفاع 631 م عن سطح البحر , كما يبعد 400 م عن وسط مدينة كالامباكا , وقديماً كان الوصول إليه يتم بواسطة سلالم خشبية نقالة متحركة , وحفر في الصخر , بالإضافة إلى شبكة كشباك الصيد يستغرق سحبها حوالي النصف ساعة , وهي ما زالت تستخدم حتى اليوم لرفع المواد التموينية والمعمارية إلى الدير . واعتباراً من عام 1923 أصبح الوصول للدير يتم عبر نفق صغير بالإضافة إلى 146 درجة محفورة في الصخر , وقد تم بناء كنيسة الدير على نموذج كنائس جبل آثوس المقدس , ويحتوي الدير على العديد من الأيقونات , كما توجد فيه كنيسة صغيرة على اسم القديس يوحنا المعمدان . 5 ـ دير ايبا بانديس : يقع على بعد نصف ساعة من دير التجلي , ولصعوبة الوصول إليه , لا يطرق أبوابه أحد , بني في القرن الرابع عشر ضمن مغارة كبيرة , ومازالت تسطع في داخله الأيقونات الجدارية برسومها الفنية والروحية , وبجانبه الشرقي توجد بقايا دير القديس ديمتريوس الذي هدمه علي باشا . 6 ـ دير الثالوث المقدس : يعد من أجمل الأديرة , إلا أنه لا توجد معلومات وثيقة عن تأسيسه , ويعتقد أنه أقيم ما بين 1458 ـ 1476 حسب المعلومات التاريخية المتوفرة . كبقية الأديرة كان الصعود إليه يتم بواسطة السلالم الخشبية أو بالشبكة حتى عام 1925, حين حفرت في الصخر / 140 / درجة مع ممر بسيط في قاعدة الجبل . وفي الدير كنيستان : أولاهما كنيسة تشاهد عند الدخول إليه وهي كنيسة القديس يوحنا المعمدان المنحوتة في الصخر , وقد شيّدت ورسمت منذ عام 1682 , والثانية هي كنيسة الثالوث المقدس المشيّدة حسب الطراز البيزنطي , والتي تضم أيقونات جميلة عديدة منها أيقونة السيد المسيح / 1662 / وأيقونة السيدة العذراء / 1718 / وأيقونة الثالوث المقدس , كما يوجد فيها إنجيل مقدس قديم مغطى بالفضة ومطبوع في البندقية عام / 1539 / , بالإضافة إلى أيقونة الضابط الكل مع الرسل الإنجيليين الأربعة , وأيقونة قطع هامة يوحنا المعمدان , مع أدوات كنسية قديمة ذات قيمة فنية ومادية كبيرة بقيت في الدير رغم السرقات التي تعرض لها ومنها سرقة جرسه . 7 ـ دير القديس استيفانوس : وهو من أغنى الأديرة , ويمكن الوصول بسهولة حتى مدخله بواسطة جسر طوله ثمانية أمتار , وقد بنى المتنسكون فيه غدة غرف وحوضاً لجمع الماء وكنيسة صغيرة باسم القديس استيفانوس . يعود بناء الدير الحالي إلى القرن الرابع عشر , وتجدر الإشارة إلى أن الإمبراطور البيزنطي أنذرونيكوس باليولوغوس قام بزيارة هذا الدير عام / 1333 / وأحاطه الرهبان بالحفاوة والتكريم فتبرع للدير بمساحات كبيرة من الأراضي أدت إلى تسميته بالدير" الملكي ". وفي عام / 1798 / بنيت فيه كنيسة على اسم القديس خارالامبوس أدى وجودها إلى تسميته بدير القديسين استيفانوس وخارالامبوس . حوالي عام / 1880 / كان يعيش فيه حوالي / 31 / راهباً , وتحول في عام / 1961 / إلى دير للراهبات , ومن الجدير بالذكر ذلك العمل الاجتماعي والروحي الكبير الذي تقوم به راهبات الدير في تعلم الموسيقى البيزنطية والرسم الكنسي , وتأليف الكتب الدينية , إذ أن بينهن مثقفات وطبيبات ومعلمات . ختاماً تجدر الإشارة إلى أن منطقة ميتيورا الواقعة في محافظة تريكالا تبعد عن أثينا العاصمة اليونانية مسافة 360 كم . هناك على مقربة من السماء يتوقف الزمن . ترجمة : اليان جرجي خباز يرجى التكرم ومراجعة الرابط التالي للإطلاع على صور الأديرة التي تعانق السماء https://www.google.com/search?q=%D9%...ed=0CBgQ_AUoAQ ميتيوراـ اليونان - بحث Google‏ www.google.com