+ " السماوات قد انفتحت " . إشارة إلى أن الطريق إلى السماء صارت مفتوحة ، وأن هناك سبيلاً لنزول البركات :
" فَقَالَ : هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ " ( أعمال 7 : 56 ) .
" ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَة ً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينا ًوَصَادِقاً ، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ"( رؤيا 19 : 11 ) .
" الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ : مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً وَملاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ " ( يوحنا 1 : 51 ) .
+ الروح القدس هنا ليس مجرد موهبة أو تأثيراً روحياً بل " اقنوم إلهى " الأقنوم الثالث فى الثالوث القدوس ، أخذ شكل حمامة ، وكان قصده بعمله هذا بيان الإتصال الحقيقى بينه وبين السيد المسيح .
" رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ " .
هنا نرى أن الروح القدس قد ظهر بهيئة جسمية مرئية . ظهر بشكل حمامة عند خروجه من الماء ووضْع يوحنا المعمدان يديه على رأسه .
وأيضاً نرى القديس يوحنا يُدرك شخص الرب يسوع ويعرفه حين رأى الروح القدس مُقبلاً عليه ، فهو قد تربى فى البرارى ولم يسبق له التعرف على الرب يسوع ، صحيح أنه أدرك بحسه النبوى أنه أمام شخص فائق القداسة ولكنه لم يُدرك من هو ، وفى هذا الصدد نجده يقول : " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي : الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ . وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللهِ " ( يوحنا 1 : 33 ، 34 ) .
+ يقول القديس أمبروسيوس : لا تظن أن هذا تجسد ، بل ظهور . لقد جلب المظهر أمامه ، حتى بالمظهر يؤمن ذاك الذى لم ير الروح . وبالمظهر يعلن انه شريك مع الآب والابن فى كرامة السلطة ، عمل واحد فى السر ، عطية واحدة فى الغطاس . قال بما يليق : " استقر عليه " ، لأن الروح أوحى بالكلام أو العمل للأنبياء كيفما شاء ، لكنه مستقر على الدوام فى المسيح . لا تهتز من القول : " عليه " إذ هو يتحدث عن " ابن الإنسان " ، إذ اعتمد بكونه ابن الإنسان . فهو ليس عليه حسب اللاهوت ، بل فيه ، كما أن الآب فى الابن والابن فى الآب . ( 2 )
+ + +
" وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً : " هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ " ( متى 3 : 17 ) ؛ ( مرقس 1 : 11 ) ؛ ( لوقا 3 : 22 ) .
يبدأ فصل الإنجيل ( يوحنا 1 : 18 ـ 34 ) الذى يقرأ فى مسامعنا ليلة عيد الغطاس : " اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ . اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ " .

" No one has ever seen God . The only Son , who is the same as God and is at the Father`s side , he has made him known " ( John 1 : 18 ) .
وهذه الآية تـُرينا أن الله فى ذات لاهوته لم يره أحد قط :
" وَقَالَ : " لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِى لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِى وَيَعِيشُ " " ( خروج 33 : 20 ) ،
لأن : " مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِى نَارٍ آكِلَةٍ ؟ مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِى وَقَائِدَ أَبَدِيَّةٍ ؟ " ( إشعياء 33 : 14 ) ،
الملائكة تستر وجوهها وأجسامها من أمام وجهه : " السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ . بِاثْنَيْنِ يُغَطِّى وَجْهَهُ وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّى رِجْلَيْهِ وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ " ( إشعياء 6 : 2 ) ،
هذا الإله غير المرئى ولا المنظور صار منظوراً ، الله غير الظاهر صار ظاهراً فى شخص السيد المسيح ، أظهره أى جعله معروفاً كنص الترجمة الإنجليزية ، وكأن الإنجيل يريد ان يقول لنا أن هذا القائم فى نهر الأردن معتمداً من القديس يوحنا ليس إنساناً عادياً وإن أخذ ناسوتاً ، ولكنه الله الظاهر فى الجسد :
" عَظِيمٌ هُوَسِرُّ التَّقْوَى : اللهُ ظَهَرَ فِى الْجَسَدِ " ( 1 ـ تيموثاوس 3 : 16 ) .
" لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ ، آخِذا ًصُورَةَ عَبْد ٍ، صَائِراً فِى شِبْهِ النَّاسِ . وَإِذْ وُجِدَ فِى الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ " ( فيليبى 2 : 7 ، 8 ) .
" الله بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً ، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ . كَلَّمَنَا فِى هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِى ابْنِهِ الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شىء ٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ . الَّذِى ، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ " ( عبرانيين 1 : 1ـ 3 ) .
هو ابن الله الذى أظهر لنا الله غير المنظور ، بمعنى أن الله غير المنظور فيه وبه صار منظوراً ، هو العقل الإلهى ، وهو الكلمة الذى أظهر الله لنا ، غير منفصل عن الذات الإلهية ، هو فى حضن الآب بينما كان قائماً فى نهر الأردن ، غير منفصل عنه كضوء الشمس ينتقل إلينا وهو ما زال فى الشمس ، كالكلمة تجوب العالم كله ولا تزال فى العقل لم تفارقه ، ويقول السيد المسيح لنيقوديموس :
" وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ " ( يوحنا 3 : 13 ) .
أى أن من يتكلم مع نيقوديموس على الأرض هو فى نفس الوقت موجود فى السماء .
والوحى الإلهى لا يستخدم ألفاظاً أو أساليباً بعيدة عن إستعمال البشر ، لا ينحت لنفسه لفظاً أو اسلوباً غريباً بل يستخدم من الألفاظ والأساليب ما استقر البشر على إستخدامه ، فالوحى الإلهى هو من أجل خلاص وفائدة البشر وموجه إليهم .
فتعبير " ابن الله " هو تعبير مستقر ومفهوم وسائد من الجهة اللاهوتية منذ القديم سواء كان ذلك عند اليهود وعند الوثنيين :
فبالنسبة للوثنيين :

  1. نجد أن نبوخذ نصر ‘ عندما أُلقى الفتية الثلاثة فى أتون النار ، ووجدهم أربعة رجال محلولين يتمشون فى وسط النار وما بهم ضرر ، وصف الشخص الرابع لمشيريه : " وَمَنْظَرُ الرَّابِعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ " ( دانيال 3 : 25 ) ، فهنا نجد أن عبارة ابن الآلهة فى مفهوم نبوخذ نصر لها معنى واحد وهو أنه أحد الآلهة وقد ظهر فى صورة بشرية . ( إذ أن الوثنيين يؤمنون بآلهة عديدة ) .
  2. وكذلك نرى أن بيلاطس البنطى اثناء محاكمته الثانية للسيد المسيح حين قال له اليهود : " لَنَا نَامُوسٌ وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ . فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفاً " ( يوحنا 19 : 7 ) ، ارتعب حين سمع من اليهود أن السيد المسيح قد جعل نفسه ابن الله ، " فَدَخَلَ أَيْضاً إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ : " مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ " . وطبعاً لا يسأله هنا عن موطنه الأرضى ، فهذا عَلِمَهُ من قبل [ " فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ ( اليهود ) قَائِلِينَ : " إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا . فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ ذِكْرَ الْجَلِيلِ سَأَلَ : " هَلِ الرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ ؟ " . وَحِينَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَلْطَنَةِ هِيرُودُسَ أَرْسَلَهُ إِلَى هِيرُودُسَ إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْكَ الأَيَّامَ فِي أُورُشَلِيمَ " ( لوقا 23 : 5 ـ 7 ) ] . ولا يبقى إلا أنه كان يسأله عن موطنه الإلهى ، هل هو من آلهة مصر أم اليونان أم أى دولة ، ويكون شيئاً صعباً لا يحتمله لو كان من آلهة روما ففى هذه الحالة حسب فكره يكون فى موقف من يحاكم إلهه .

وكذلك نفس المفهوم كان لدى اليهود ، إذ نفهم من كثير من النصوص المقدسة أن هذا التعبير له معنى واحد وهو أن الله الواحد الذى يعرفونه قد ظهر فى الجسد . ونذكر هنا بعضاً منها :

  1. حين شفى السيد المسيح مريض بركة بيت حسدا يوم سبت : " وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْتٍ . فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ : " أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ " . فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بالله " ( يوحنا 5 : 16 ـ 18 ) .
  2. حين شفى السيد السيح المولود أعمى ثم قابله وأعلن له أنه ابن الله ، نجد أن المولود أعمى قد سجد له سجود عبادة " فقال : " أُومِنُ يَا سَيِّدُ " . وَسَجَدَ لَهُ " ( يوحنا 9 : 38 ) . وقَبِلَ منهُ السيد المسيح هذا السجود .
  3. عندما قال السيد المسيح لليهود : " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ " . فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ . فَقَالَ يَسُوعُ : " أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي . بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي ؟ " . أَجَابَهُ الْيَهُودُ : " لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً " . أَجَابَهُمْ يَسُوعُ : " أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ : أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ ؟ . إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ . فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ : إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللهِ ؟ . إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فلاَ تُؤْمِنُوا بِي . وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ " ( يوحنا 10 : 30 ـ 38 ) .
  4. فى محاكمة السيد المسيح الدينية الثانية والثالثة ، سأله قيافا : " أَسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ؟ " . قَالَ لَهُ يَسُوعُ : " أَنْتَ قُلْتَ ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ : مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ " . فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً : " قَدْ جَدَّفَ ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ ! . مَاذَا تَرَوْنَ ؟ " فَأَجَابُوا : " إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ " ( متى 26 : 63 ـ 66 ) ؛ ( مرقس 14 : 61 ـ 64 ) ؛ ( لوقا 22 :66 ـ 71 ) .
  5. كذلك كما رأينا سابقاً ، أن اليهود عندما أراد بيلاطس تبرئة الرب يسوع والإفراج عنه قالوا له : " لَنَا نَامُوسٌ وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ " ( يوحنا 19 : 7 ) . فهم يرون أن كونه يقول أنه ابن الله فهذا معناه أنه يدّعى أنه هو الله نفسه وقد ظهر فى صورة بشرية ، وهذا كفر وتجديف ويستدعى أن يُقتل . ( 3 )

وبهذا نعرف لماذا جاء الصوت من السماء : " هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ " ( متى 3 : 17 ) ؛ ( مرقس 1 : 11 ) ؛ ( لوقا 3 : 22 ) ، الله الواحد الذى يعرفه اليهود ( يهوه ) يُعلن نفسه ظاهراً فى الجسد ، يُعلن هذا قبل أن يبدأ السيد المسيح خدمته وعمله ، قبل أن يُجرى معجزاته العديدة والمتنوعة ، ولكى لا يقع اليهود فى بلبلة متسائلين : من هذا الذى يُقيم الموتى حتى من مر على موته ثلاثة أيام وقد أنتن ؟ ، من هذا الذى يتجرأ ويغفر الخطايا ، ويثبت تمام مغفرته بشفاء للمريض ؟ ، من هذا الذى يخلق عينين لمن وُلد بدونهما ؟ ، من هذا الذى يأمر الشياطين والأرواح الشريرة فتطيعة ؟ ، من هذا الذى يأمر الريح والبحر ؟ ومن هو هذا ؟ ... هل هو إله جديد جاء ينافس الله الذى يعرفه اليهود ؟ أم هو إله شريك ؟ وما هى حدود نفوذه لو كان إلهاً شريكاً ؟ أم من هو ؟ ، ويدخل اليهود فى بلبلة ويتعثر إيمانهم فى الله الواحد الذى يعرفونه .
لهذا نجد يهوه الإله الذى يعرفونه ، الله الآب يُعلن أن هذا القائم فى الأردن الذى سوف يُجرى المعجزات الباهرة ، أعمالاً لم يعملها أحد غيره ( يوحنا 15 : 24 ) ، غير منفصل عنه ، ولا هو كيان جديد مُختلف عنه ، بل هو المُظهر لله غير المنظور ، كما اننا نجد السيد المسيح يؤكد على أنه ليس منفصل عن الآب مرات عديدة فى تعاليمه ومحاوراته مع اليهود ، وكذلك أيضاً يُعلم الوحى الإلهى :
" لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ " ( يوحنا 5 : 20 ) .
" فَقَالَ يَسُوعُ : " أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي . بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي ؟ " ( يوحنا 10 : 32 ) .
" لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي " ( يوحنا 15 : 24 ) .
" قَالَ لَهُ يَسُوعُ : " أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ ؟ " ( يوحنا 14 : 9 ) .
انظر أيضاً :
( يوحنا 1 : 14، 18؛ 3 : 16، 35 ، 36 ؛ 5 : 19 ـ 23 ، 26 ، 30 ، 36 ، 37 ؛ 6 : 37 ، 39 ، 40 ، 44 ـ 46 ، 57 ؛ 8 : 16 ، 18 ، 27 ، 29 ؛ 10 : 15 ، 17 ، 30 ، 32 ، 36 ، 38 ؛ 11 : 41 ؛ 12 : 26 ـ 28 ، 49 ، 50 ؛ 13 : 1 ، 3 ؛ 14 : 6 ، 9 ـ 11 ، 13 ، 16 ، 26 ، 28 ، 31 ؛ 15 : 9 ، 16 ، 24 ، 26 ؛ 16 : 3 ، 16 ، 17 ، 23 ، 25 ـ 28 ، 32 ؛ 17 : 1 ، 5 ، 11 ، 21 ، 24 ، 25 ؛ 18 : 11 ، 21 ) .
كما أنه ابن الله بالطبيعة ، فهو من جوهر الله ، هو ابن الله من قبل أن يتأنس ، ومن بعد أن تأنس ، لهذا نقول فى قانون الإيمان " نؤمن برب واحد يسوع المسيح ، ابن الله الوحيد ، المولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور ، إله حق من إله حق " . فهو أقنوم العقل الإلهى ، من ذات طبيعة الله ، ولادة ليست كالولادات المادية إنما هو ابن الله مثل تولد النور من النور كما يشرحه لنا قانون الإيمان .
وكلمة ابن حين وردت فى المزمور : " إِنِّى أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ . قَالَ لِى : أَنْتَ ابْنِى . أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ " ( مزمور 2 : 7 ) . يجب أن نفهم أن كلمة " اليوم " لا تـُعبر عن فترة زمنية مُحددة إنما تـُعبر عن الديمومة ، كتولد الضوء من الشمس ، فما دامت الشمس شمساً يتولد منها الضوء على الدوام ، ومثلنا فى هذا :
" لأنه يقول فى وقت مقبول سمعتك وفى يوم خلاص أعنتك هوذا الآن وقت مقبول هوذا الآن يوم خلاص " ( 2 ـ كورنثوس 6 : 2 ) ، تعبير : " هوذا الآن يوم خلاص " لا يعبر عن فترة زمنية معينة ، إنما يُعبر عن اليوم المستمر ، الوقت الدائم فهناك فرصة للتوبة أمام الإنسان طالما كان حياً فى الجسد ، وإلا كان وقت التوبة قد مضى وولى من زمن بعيد لم نلحقه نحن معاصرى هذا الزمان . فهى ولادة دائمة أزلية ودائمة إلى الأبد ، والآية الواردة فى انجيل القديس يوحنا تُظهر لنا أن أقنوم الابن لم ينفصل قط عن أقنوم الآب : " الله لم يره أحد قط . الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو الذى أخبر عنه " ، فهو فى حضن الآب بإستمرار ، والتعبير باللغة القبطية " فى حضن أبيه " ، فلا إنفصال بين اقنوم الابن واقنوم الآب ، والتعبير يرد فى اللغة اليونانية أيضاً هكذا : " فى حضن أبيه " .
وكذلك وردت فى سفر الأمثال : " مَن صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ ؟ مَن جَمَعَ الرِّيحَ فى حُفْنَتَيْهِ ؟ مَن صَرَّ الْمِيَاهَ فى ثَوْبٍ ؟ مَن ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ الأَرْضِ ؟ مَا اسْمُهُ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ ؟ " ( أمثال 30 : 4 ) .
الاقنوم الثانى كائن منذ الأزل فى الآب وواحد مع الآب ، غير مُنفصل عنه هو اقنوم الكلمة ، اقنوم العقل الإلهى :
" فى حضن الآب " ( يوحنا 1 : 18 ) " Khen kenf em pef yout"
" كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً ( كل ما يصنعه الله فهو يصنعه بعقله ) وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ " ( أمثال 8 : 30 ) .
جاء صوت الله فى العهد القديم :
" هُوَذَا عَبْدِى الَّذِى أَعْضُدُهُ مُخْتَارِى الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِى . وَضَعْتُ رُوحِى عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ " ( إشعياء 42 : 1 ) .
والآن جاء الصوت عينه من السماء يؤكد أنه كلمة الله ، الابن الوحيد الذى صار عبداً لتحقيق رسالة الخلاص وقيام الكنيسة فى مياه المعمودية .
ورغم أنه موضع مسرة الآب على الدوام إلا أن هذه المسرة كانت بنوع خاص من أجل قيامَه بعمل الفداء .
هذا الصوت لم يكن باطنياً بل حقيقياً مسموعاً للجميع . ولم يُسمع هذا الصوت منذ إعطاء الشريعة على جبل سيناء حتى ذلك الوقت ، وقد سُمع أيضاً عندما تجلى الرب أمام ثلاثة من تلاميذه ( متى 17 : 5 ) ؛ ( مرقس 9 : 6 ) ؛ ( لوقا 9 : 35 ) .
+ + +
كما أننا نرى هنا إظهار النسبة بين أقانيم الثالوث القدوس فى جوهر إلهى علانية . فأظهر الآب وجوده بصوت مسموع ، وظهر الروح القدس نازلاً بهيئة منظورة على ابن الله المتجسد ، فنرى من هذا أن الأقانيم الثلاثة مشتركون فى عمل الفداء ، اتفقوا عليه فى قصدهم الأزلى خارج الزمان ثم على إجرائه فى الزمان .
هنا يظهر لنا الثالوث القدوس متمايزاً ، الواحد عن الآخر ... انهم الله الواحد ، ومع ذلك فإن الابن غير الآب والآب غير الابن والروح القدس ليس بالآب ولا الابن . وهذا أحد أسباب تسمية عيد عماد السيد المسيح بعيد الظهور الإلهى .
كما أن هذا العيد هو عيد تنصيب ملك المجد ملكاً لملكوت الله على الأرض .
ونستطيع أن نلخص أغراض هذا الصوت المسموع فيما يلى :

  1. إعلاناً عاماً أن يسوع هو المسيح ابن الله .
  2. إظهاراً لمحبة الآب لابنه محبة عظيمة كانت منذ الأزل .
  3. إظهاراً لرضى الآب التام بإتيان المسيح يسوع مُخلصاً للعالم الهالك وقبوله تعالى المسيح وسيطاً فى وظائفه الثلاث أى كونه نبياً وكاهناً وملكاً .

كما يجب أن نضع فى أذهاننا ، ونثق أن السيد المسيح ، اقنوم الكلمة الإلهى لم تـُضف عليه معموديته من يوحنا المعمدان أى مجد ، ولم تـُعطه شيئاً فهو " الله وقد ظهر فى الجسد " . ولكننا نرجع سريعاً إلى كلمة القديس كيرلس عمود الدين : " اننا لا نستطيع أن نفصل بين الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية من بعد الإتحاد ، ولكن نستطيع عمل ذلك ذهنياً فقط ! " .