وهو مع هذه الأمم المعاصرة (التي كتبت عن تاريخها بالقرطاس والقلم ثم احتّد فيها الوطيس بين فلسفة المنطق وعلم الكلام وترهات النظريات الإفتراضية التي تجاهلت جوهر الوحي الإلهي).
وسيكون مع أمم قادمة نحن لا ندري كيف سَتُدوّن عن نفسها - ربما -رقمياً أم بالاستشعار, وأيضاً لا ندري كيف سيكون استيعابهم لما دوّنته أمم القلم. وهل سيستنبطون منها نظريات مماثلة. مثالاً على ذلك, هل سيكون عندهم نظرية تتعامل مع تاريخ الطوائف المسيحية كديانات أمم منفصلة و يُنَظّرون لأنفسهم أنها -الطوائف- استقت من بعضها البعض كما ورد في الطرح الأول لهذا الموضوع.
†††
المهم ومربط الفرس يقع هنا, لننظر في هذه الكلمات:
والأرض والسماء تزولان أما كلامي لايزول!!!
هذا القول لراعي الكنيسة ومؤسسها هو كلام شامل مطلق, لا يقيده زمان ومكان وحدث وعوامل. بمعنى آخر هذا القول لا يقتصر بصيغة المستقبل فقط بل فية دلالة الماضي, وهذا يعني أن كلامه وصل إلى الأمم -بطريقة أو سواها- منذ أبانا آدم.
عندي لكم كلام من الأب توما (بيطار) †††
الملتهب بالروح القدس وهو يصول ويجول في موضوع مماثل.. لعمري وكأنه فارسٌ من فرسان الّرب.. يقول الأب:
أن يوحي روح الربّ ويعصم حتى إلى اللفظة والحرف أمرٌ خبره القدّيسون ويشهد له المؤمنون في الكنيسة. دونك هذا الخبر عيّنة. القدّيس برصنوفيوس الشيخ الغزّاوي الكبير، الذي عاش بين القرنَين الخامس والسادس، وتنيّح سنة 550 م، لنا منه رسائل جزيلة القيمة، بالمئات. في الرسالة الأولى ورد أنّ الأنبا ساريدوس، الذي كان رئيس الدير، كان صلة الوصل بين الشيخ المعتزِل والتلاميذ، ينقل الرسائل إلى الشيخ ومنه. لم يكن الأنبا ساريدوس ينسخ الكلام على الورق كما يمليه عليه الشيخ في حضوره. بل كان الشيخ ينقل له الجواب شفاهاً، ثمّ يذهب الأنبا ساريدوس ويدوّن ما سمعه من الشيخ كلمة كلمة، دونما زيادة أو نقصان، ووفقاً للترتيب الذي شاءه الشيخ للكلام. كيف كان الأنبا ساريدوس يفعل ذلك؟ ألم يكن على ضعف أو قصور؟ بلى. لكنّه كان يفعل ذلك بروح الربّ لأنّ الشيخ صلّى له صلاة خاصة ثمّ قال له (والكلام للشيخ برصنوفيوس): "اذهب، اكتب ولا تخف. حتى لو أمليتُ عليك آلاف الكلمات، فلن يسمح روح الربّ أن تكتب كلمة بزيادة أو كلمة بنقصان، حتى عن غير إرادة منك، بل يرشد يدك لتكتب بترتيب".
هكذا الأناجيل في خبرة الكنيسة. روح الربّ كان حاضراً وفاعلاً وضابطاً لكل شيء بطريقة هو يعرفها. لا مجال للشكّ ولا في كلمة مما ورد فإنّنا يوم نتعاطى ولو كلمة واحدة، ولو شخصيّة واحدة، بروح الشكّ فإنّ الأناجيل كلّها، ولو بعد حين، سيصبح كلُّ ما ورد فيها موضع شكّ. الكتاب، إذ ذاك، نتعاطاه كمعطى بشري لا تجسّدي. إذ ذاك تسقط كلمة الله في النفوس وتموت. هذا ليس من عمل الله! هذه حكمة أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة (يع 3: 15)!
من هنا ضرورة الحذر ممَن يُلقون ظلال الشكّ في أيّ ما ورد لا في الأناجيل وحسب بل في الكتاب المقدّس كلّه. إنّهم لا يدرون ماذا يفعلون. يتعاطون الكتاب كأنّه لعبة فكريّة بين أيديهم، والأمر أخطر!
"ويل لمَن يُعثر أحد هؤلاء الصغار!كان خير له "أن يُعلَّق في عنقه حجرُ الرحى ويُغرَق في لجّة البحر...ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العَثْرَةُ"
(مت 18: 6 – 7)
(انتهى كلام الأب توما)
†††
أقول وفي الختام أقدم عني وعنكم أحبائي هذا الرجاء لمن لايخيب عنده مرتجي:
أشبعني يا يسوع من خُبزِكَ فقد أنهكني الجوع
ولقد صرختُ في ضجيجِ هذا العالم وكان صوتي غيرَ مسموع
وإني اطمئنيتُ بينَ يديك وصلاتي أرفعها لكَ بكلِّ خشوع
وقد أيقنتُ أنكَ ستحمي نفسي من الانهيار ومن الانسياق في تيارِ الأهواء أو من الوقوع
وقد صدقَ من قال : "من عرف النهرَ ، لا يرضى أبداً بالفروع ؟"
صلّوا لأجلي
أخيكم الخاطئ
سليمان 
المفضلات