كيف نعظ الذين يبكون على خطاياهم ولكنهم لا يتركونها،
والذين يتركون الخطايا ولكنهم لا يبكون عليها؟
عظة رقم 31 من مجلد "الرعاية" للقديس غريغوريوس الكبير بابا روما
ينبغي أن نعظ الذين يحزنون على خطاياهم ولكنهم لا يتركونها بطريقةٍ ما، أما الذين يتركون خطاياهم لكنهم لا يبكون عليها فبطريقةٍ أخرى.
أما فيما يخص الذين ينوحون على خطاياهم ولكنهم لا يتركونها، فعلينا أن نحذرهم بأن يدركوا بعناية بأنه بالرغم من النحيب على خطاياهم، فان محاولات تطهير أنفسهم تكون دون جدوى إذا استمروا في تدنيس أنفسهم بفعل الشر هكذا طوال حياتهم. إنهم يغسلون أنفسهم بالدموع، لكنهم يعودوا للنجاسة بعد أن تطهروا. لذلك تقول الكلمات المقدسة: "كلبٌ قد عاد إلى قيئه، وخنزيرةٌ مغتسلةٌ إلى مراغة الحمأة." (2 بط 2: 22)[1].
عندما يتقيأ الكلب، يلقي بالطعام الذي كان يثقل معدته، أما إذا عاد إلى قيئه، فإنه يثقل نفسه بأحمالٍ كان قد تخلص منها. هكذا يفعل الذين ينوحون على خطاياهم ويعترفون بها. إنهم في الحقيقة يلقون بالشرور التي تمرغوا فيها بعدما شبعوا منها وسقطوا. لكن عندما يفعل هؤلاء الشرور مرة أخرى بعد الاعتراف بها يعودون إليها ثانية.
عندما يغتسل الخنزير في مراغة الحمأة، يصبح أكثر نجاسة. هكذا أيضًا الذين ينوحون على خطاياهم ولكنهم لا يتركونها، يقعون تحت العقاب بسبب خطية أعظم وأخطر إذ يحتقرون العفو الذي كانوا سيفوزون به بسبب الدموع وهم يعودون بالفعل إلى مراغة الحمأة. ولأنهم يفصلون بين البكاء وطهارة الحياة، فحتى دموعهم تصير نجسة في أعين الله. لذلك نقرأ أيضًا المكتوب: "لا تكرر الألفاظ في صلاتك" (سي 7: 15)[2] إن تكرار الألفاظ في الصلاة هو بمثل ارتكاب الخطايا التي ننوح عليها للمرة الثانية. لذلك أيضًا يقول إشعياء: "اغتسلوا، تنقوا" (إش 1: 16).
إن الذين لا يحتفظون ببراءة الحياة بعد النواح، يهملون الطهارة بعد الاغتسال. والذين يغتسلون ولكن لم يتطهروا ما هم إلا الذين يرتكبون الخطايا التي كانوا يبكون عليها ولازالوا. لذلك يقول الحكيم: "مَنْ اغتسل مِنْ لَمْسِ الميت ثم لمسه، فماذا نَفَعَهُ غسله" (سي 34: 30).
الذي يطهر نفسه بالبكاء هو كمثال الذي يغتسل بعد لمس الميت، أما الذي يعود إلى فعل الخطية بعد أن ذرف الدموع عليها فكمن يعود إلى لمس الميت بعد اغتساله.
ينبغي أن يَعْلَم الذين ينوحون على خطاياهم ولكن لا يتركونها بأنهم في عين الديان العادل كالذين عندما يَحُلون أمام أشخاص بعينهم، يحزنون بتضرعٍ ذليلٍ، ولكن عندما يتركونهم، يكنون لهم كل الكراهية والأذى.
العودة إلى فعل الشر بعد النحيب عليه ما هو إلا عداوة مغرورة ضد الله الذي إليه نتوسل. يشهد يعقوب الرسول على ذلك قائلا: "أما تعلمون أن محبة العالم عداوةٌ لله؟" (يع 4: 4)
على الذين ينوحون على خطاياهم لكنهم لا يتركونها أن يدققوا بحذر في أن التبكيت لن يؤدي إلى البرّ، كذلك سقوط البار في الخطيئة لن يكون بغير أذى. المهم هو موقفنا الداخلي في ذلك الوقت. فالذين يفعلون الصلاح جزئيًا دون أن يُكْمِلُوه تأخذ بهم الثقة المغرورة وتقذف بهم وَسَطَ شَرٍ يجلبونه بالتمام.
أما الآخرون الذين يغريهم الشر، ولكنهم لا يخضعون له، يضعون قلوبهم بالحق في طريق البرّ، وذلك من قِبَلْ تواضعهم، وقد ترددوا ولم ينخدعوا. هكذا قال بلعام عندما نظر إلى خيام الأبرار: "لتمت نفسي موت الأبرار، ولتكن آخرتي كآخرتهم" (عد 23: 10). لكن عندما مر زمان التبكيت، قدم المشورة ضد أولئك الذين صلى أن يكون مثلهم عند الموت. وعندما وجد مناسبة للجشع، نسي في الحال كل ما كان يبتغيه في طريق البراءة[3].
يقول بولس معلم ومرشد الأمم: "ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي" (رو 7: 23). إدراكه لضعفاته كان يؤهله أن يوطد جذور البرّ بقوة. لماذا إذًا لا يقترب من البرّ الذين تمتلئ قلوبهم بالتبكيت بينما يُجَرَب الآخرين ولكنهم لا يدنسون أنفسهم بالإثم؟ أليس واضحًا أن الصلاح الذي لا يكتمل لا يعين الأشرار، كما أن الشر الذي لا يتم تحقيقه لا يصيب الصالحين بلعنةٍ؟
من الجهة الأخرى، فإن الذين يتركون الإثم لكنهم لا يبكون عليه ينبغي أن نعظهم بأن آثامهم لن تنال المغفرة لمجرد أنها لم تتكرر، إذ يُشْتَرَطْ أن تتطهر بالدموع. مثال ذلك الكاتب الذي يتوقف عن الكتابة، فهو لن يمحو ما كتبه لمجرد أنه لم يضف شيئًا على ما كتب. هكذا لا يمكننا أن نزيل الإهانات والسفاهات بمجرد التوقف عنها، لأنه حقًا من الضروري أن ننبذ كلمات الإهانة التي صدرت في سابق كبريائنا بكلمات الوداعة التي تنبثق من واقع تواضعنا. ولا يمكن إطلاق سراح المدينين لمجرد توقفهم عن الاستدانة إن لم يكن قد قاموا بتسديد الديون التي قد اقترضوها. هكذا أيضًا عندما نخطئ إلى الله، فإن توبتنا لا تُقْبَلْ بمجرد التوقف عن فعل الخطيئة. لا بد إذا من الندم مع التوبة عندما ننبذ الإثم الذي سبق أن انغمسنا في لذاته.
في الحقيقة حتى إذا لم نتلوث بخطايا الفعل، فإن براءتنا لن تكون كافية لأن تنقذنا طالما نعيش في هذه الحياة، لأن هناك الكثير من الأمور غير الشرعية التي يمكن أن تطرق أبواب قلوبنا. إذًا بأية ثقة وطمأنينة نشعر بالأمان عندما نرتكب الشر؟ أليس هذا شاهدا علينا؟
وهل يتلذذ الله لعذاباتنا؟ كلا؛ إنه يشفي أمراض خطايانا بترياق مضاد حتى يرجع بدموع الندم الذين ابتعدوا، لأنهم قد فرحوا بالملذات. وبعد أن سقطنا وخسرنا أنفسنا في حمأة الآثام، يمكن أيضًا أن نقوم فنربح أنفسنا حسب الناموس.
القلب الذي غرق في جنون الملذات يريده الله أن يتطهر بندم يسوقه للخلاص المنقذ. وتعالي الكبرياء الذي يصب علينا جراحات مؤلمة، يريد الله أن يشفيها بتواضع الحياة المنكسرة. هكذا تقول الأسفار المقدسة: "(قلت للمفتخرين) لا ترفعوا إلى العلي قرنكم، لا تتكلموا بعنق متصلب" (مز 75: 4)، لأنه إن فشل الأثمة ولم يقروا بشرورهم ولم يقدموا توبة بتواضعٍ، فإنهم بذلك يرفعون قرونهم. لذلك يقول الكتاب المقدس: "القلب المنكسر والمنسحق بالله لا تحتقره" (مز 51: 17). كل الذين يبكون على خطاياهم إلا أنهم لا يتركونها لهم قلب منكسر، ولكنهم في الحقيقة يستنكفون أن يسحقوه. بينما الذين يتركون الخطايا ولا ينوحون عليها، يسحقون قلوبهم ولكن في غير انكسار.
لأجل ذلك يقول بولس: "هكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدستم" (1 كو 6: 11). ويتضح هنا أن الذين تقدسوا هم الذين أصلحوا حياتهم واغتسلوا في توبة بآلام الدموع المطهرة. وهكذا عندما رأى بطرس أن البعض قد أفزعتهم أفعالهم الشريرة، أرشدهم قائلا: "توبوا، وليعتمد كل واحدٍ منكم" (أع 2: 38). وهنا عندما ذكر بطرس المعمودية تحدث أولاً عن حزن التوبة، بمعنى أنه ينبغي أن يغتسلوا أولاً بماء الندم، وبعد ذلك يغتسلون في قدس المعمودية.
بأي ضمير إذًا يمكن أن يعيش الذين يتجاهلون البكاء على آثامهم السابقة؟
وكيف يتأتى لهم أن يعيشوا في أمان الإحساس بالعفو والمغفرة إن كان المعلم الجليل بطرس يؤمن بأنه لا بد من التوبة مع سرّ المعمودية الذي من وظائفه الأساسية مغفرة الخطايا؟[4]
الحواشي
[1] راجع أم20: 11. هذه الصورة الاستعارية للإنسان الذي يعود إلى الخطيئة متشبها بالكلب أو الخنزير اقتبسها آباء كثيرون مثل القديسون يوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس وجيروم.
[2] بمعني أن نعود لارتكاب خطيئة سبق أن نحنا وندمنا عليها.
[3] راجع عد 24: 14.
[4]هنا يبين الأب غريغوريوس ضرورة التوبة قبل المعمودية وكذلك أيضًا الصوم كشرط مُسْبَقْ، وهذا يتفق مع ما يعتقد فيه آباء الكنيسة الأولين مثال جوستنيان وترتليان: "على الذين على وشك الدخول إلى المعمودية أن يمارسوا صلاةً دائمةً وصيامًا وركوعًا في سهرٍ الليلَ كله معترفين بكل آثامهم السابقة." ترتليان De bapt. 20. 1.
v إذ دُفنت خطايانا في المعمودية لا تعود تظهر بل تختفي مادمنا نود التوبة. ( القديس يوحنا الذهبي الفم )

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات