بسم الاب والابن والروح القدس . اله واحد . امين
†
أبٌ تمنطق بالروح القدس ††† صدح قائلاً
الرهبان إن تكلّموا!
الرهبان، بعامة، ليست صناعتهم الكلام بل الصمت. يزاولون الصوم والصلاة، أحياناً في إطار العمل وأحياناً في إطار الهدوء. يحملون العالم في تقادمهم إلى الله، وهم، تاريخاً، منارة الكنيسة في خط سيرها إلى الملكوت. يتشبّه المؤمنون بهم وهم يتشبّهون بالملائكة. هكذا ارتسمت صورتهم في وجدان الكنيسة جيلاً بعد جيل ولو شرد بعضهم، هنا وثمّة، أحياناً. معيارهم داخلي كياني، بالدرجة الأولى. همّهم إنسان القلب الخفيّ. عملياً هم ذرّية الشهداء والمعترفين. لذلك كنيسةٌ من دون رهبان تبقى كنيسة قاصرة. الرهبان علامة النضج في الكنيسة، علامة التجسّد الإلهي المعيش بامتياز أن "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل".
إلى ذلك ليسوا على هامش الكنيسة ولا قضايا الكنيسة. يتكلّمون متى لزم الكلام ولهم مواقفهم وجهاداتهم متى وُجدت الكنيسة في المعاناة المرّة. طبعاً لا يتدخّلون في إدارة شؤون المؤسّسة الكنسيّة. لكنّهم ينبرون للشهادة، كما فعلوا في كل تاريخ الكنيسة وعرضه، في حالات أربع:
† متى عصفت بالكنيسة رياح الهرطقة.
†متى صار هناك تعدٍّ على القانون الكنسي.
† متى تهدّدت السلطات المدنية الشعب المؤمن.
† متى حاولت السلطات المدنيّة التدخّل في الشؤون الداخلية للكنيسة.
الهرطقة، عندنا، ليست مسألة كلامية، بل تَمَسُّ الحياة الروحيّة في الصميم. العقيدة شأن عملي لا نظري، بخلاف ما يظنّ العديدون. الثالوث القدّوس، مثلاً، حقيقة عبادة ومحبّة وقداسة. الخلل في النظرة إلى الثالوث ينعكس خللاً في العلاقة مع الله ثالوثاً. كل الحياة الروحيّة تتشوّه بإزاء فساد لاهوت الثالوث القدّوس في الوجدان. الشيء نفسه يُقال عن طبيعتي الربّ يسوع وعن مشيئتيه وطاقتيه. من هنا أنّ الرهبان يهتمّون بلاهوت الكنيسة بمقدار ما يهتمّون بأصول الحياة الروحيّة كون هذه مرتكزة على ذاك وكون ذاك منبثّ في هذه كالساغ في الشجر وكالروح في البدن. مستحيل على الرهبان ألاّ يهتمّوا باللاهوت، بسلامة العقيدة، بالتعليم القويم. اللاهوت والصلاة يلتقيان في شخص الراهب. لذا لا عَجَب إن سرى القول بينهم إنّ اللاهوتي هو مَن يصلّي. الرهبان هم اللاهوتيّون بامتياز لأنّهم يتمثّلون الإيمان بالثالوث القدّوس في صلاتهم. للاّهوت، طبعاً، جانب فكري، لكنّه ليس فكراً بالمعنى الدماغي للكلمة بقدر ما هو فكر بالمعنى الروحي للكلمة. الفكر، في الكنيسة، موقف كياني لا تنظير عقلاني.
تاريخياً، في كل المراحل التي عانت الكنيسة الهرطقات، كان للرهبان حضورهم وكانت لهم شهادتهم. من الأزمة الآريوسية إلى أزمة الطبيعة الواحدة إلى أزمة المشيئة الواحدة إلى أزمة نبذ الإيقونات، إلى كل الأزمات التي تولّدت عن الهرطقات إلى اليوم، كلّها كان للرهبان فيها دور وشهادة قويّة. كثيراً ما قدّموا الشهداء والمعترفين. اضطُهدوا، نُفُوا. الأمبراطور قسطنطين الخامس كوبرونيموس (741 – 775) حوّل أديرتهم إلى ثكنات عسكرية وحاول إجبارهم على الزواج وفرّق شملهم. سَجَن وقَتَل وجَدَع ونفى. خمسون ألف راهب غادروا يومها إلى الغرب. في نهاية المطاف هم الذين استبانوا على حقّ وثبت إكرام الإيقونات سنة 843 م وكانوا بين الحضور في المجمع المسكوني السابع.
القدّيس سابا المتوشّح بالله والقدّيس ثيودوروس رئيس الأديرة نزلا إلى أورشليم هما وعشرة آلاف راهب لحمل رئيس الأساقفة الجديد على الدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي والقول بالطبيعتَين. القدّيس ثيودوروس الستوديتي طاف ورهبانه الألف في تظاهرة حملوا فيها الإيقونات في أحد الشعانين من السنة 815 للميلاد وتحدّوا الأمبراطور لاون الأرمني. وهو نفسه، القدّيس ثيودوروس، تصدّى للأمبراطور قسطنطين السادس لأنّه خالف القانون الكنسي في شأن زواجه الرابع، كما قطع الشركة مع البطريرك نيقيفوروس لأنّه رضخ للأمبراطور وأعاد الكاهن يوسف المقطوع الذي زوّجه زواجاً غير قانوني.
موقف الرهبان لا يروق للعديدين. يعتبرونهم متصلّبين، وفي لغة اليوم أصوليّين، ويتّهمونهم بالتحجّر. وفي ذلك الكثير من التجنّي. حقيقتهم أنّهم يعرفون النفس البشريّة جيّداً ويدركون خطر تحوّل العمق الروحي للعقيدة، في الوجدان، إلى مسألة عقلانية كلامية. يدركون خطر التغاضي عن القوانين الكنسيّة، الأمر الذي لا يمكن إلاّ أن يؤدّي إلى حال من التسيّب المسلكي في الكنيسة وكذا إلى تحكّم أهوائية الرؤساء الكنسيِّين والمدنيِّين بالشأن الكنسي، وتالياً إلى فلتان المؤمنين أسوة بهم.
الرهبان، في تاريخ الكنيسة، امتداد للحمَل الذبيح. روح الشهادة فيهم أولاً والكثيرون ينظرون إليهم كمنارة وكمثال يُحتذى. يسهرون، كحبقوق، على محرس الكنيسة في الليالي الظلماء لأنّهم يعرفون خباثة روح الخبيث، وسلاحهم الصلاة والصوم والدموع والكلمة عند اللزوم. وهم، كذريّة الحمَل وخلفاء الشهداء، مُستهدَفون دائماً. يطيعون الرؤساء بفرح لأنّ الكنيسة هكذا رسمت في قوانينها، لكن إحساسهم بحقّ المسيح واستقامة الرأي يحدوهم إلى التنبيه حيث الحاجة إلى التنبيه وإلى الاحتجاج حيث الحاجة إلى الاحتجاج والمواجهة حيث الحاجة إلى المواجهة. كنيسة بلا رهبان كنيسة بلا ضمير، وما كان يمكن لها أن تستمر. اسألوا التاريخ، في كل مفترقاته، تعرفوا! في الكنيسة خُلَّصٌ عديدون، رهبان وغير رهبان، لكنْ يبقى الرهبان للكنيسة علامةَ بركةٍ وافتقاداً إلهياً وختمَ سلامةٍ وعافيةٍ وعربون الكمال الإنجيلي! فلا تُطفِئُوا الروح!
الأرشمندريت توما ††† (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات