انطفأ أمس، سراج المعتمد البطريركي لبطريركية انطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس لأوروبا الغربية المطران غفرائيل الصليبي عن عمر ناهز الثانية والثمانين، وكان مليئاً بالعمل الديني والسياسي الى حد بدا فيه عراباً لكل نشاط لبناني وعربي في العاصمة الفرنسية حيث عاش طويلاً وفي عواصم أوروبية شقيقة.
والمطران الراحل ولد في بلدة سوق الغرب - قضاء عاليه، يوم عيد ختانة السيد وعيد القديس باسيليوس الكبير في أول كانون الثاني 1929، وسيم كاهناً في 17 أيلول 1950 على يد المثلث الرحمة المتروبوليت إيليا الصليبي. وبرز هذا الكاهن الشاب في كهنوته وتحلّق كثيرون من جيل الشباب حوله فبات ملاذاً لهم خصوصاً أنه كان صاحب شخصية قوية ورجلاً مقداماً وتمكن خلال الحرب (1975 - 1980) من انقاذ الأيقونات المقدسة في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت، حتى إذا أصبح اسقفاً في 5 آب 1966 تولى مسؤولية وكيل مطران بيروت للطائفة نحو 14 عاماً استقطب حوله خلالها مزيداً من أبناء الجيل الصاعد وبات ملهماً لهم ومرشداً.
عام 1980 عيّنه البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم معتمداً بطريركياً للروم الأرثوذكس في أوروبا الغربية، وتمكن في فترة وجيزة من نيل اعجاب عارفيه وتقديرهم، وبات عضواً في مجلس الكنائس الأرثوذكسية في فرنسا ثم عضواً في مجلس الكنائس المسيحية فيها.
وجمعت الراحل الكبير صداقات متينة مع سياسيين لبنانيين وأجانب منهم تحديداً الرئيس شارل حلو والرئيس سليمان فرنجية، والرئيسان صائب سلام ورشيد كرامي والعميد ريمون اده والوزيران غسان تويني وفؤاد بطرس، ومع ملوك ورؤساء عرب وأجانب منهم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني والملك خالد بن عبد العزيز، وديبلوماسيين عرب كثر.
كذلك كانت للراحل جولات أوروبية عدة خصوصا في المانيا وبريطانيا وايطاليا وربطته برؤسائها والمسؤولين فيها علاقات ود وصداقة منهم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الذي منحه عام 1998 وسام جوقة الشرف برتبة ضابط لـ"هاجسه الدائم تعزيز وجود فرنسا في لبنان" ("النهار" 2 نيسان 1998)، والمستشار الألماني هيلموت شميت.
وخلال الحرب في لبنان بذل المطران الصليبي جهوداً مضنية محاولاً المساهمة في ايجاد حل لما يحصل وأطلق نداءات عدة لوقف حمام الدم مؤكداً "أن التاريخ لن يبرىء العابثين بأمن هذا البلد وهناءته"( 4 آب 1976)، و"أن تقسيم لبنان عملية مستحيلة ونظام الكانتونات لا يناسبنا"، داعيا الى رفع اليد الغريبة وعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية" (18 تشرين الثاني 1983). كذلك أعرب في أكثر من مناسبة عن أمله في "تغلب أمنية السلام على الحروب والإقتتال" ("النهار" 3 أيار 2000)
وشارك المطران غفرائيل كما كان يروق لمحبيه وقادريه تسميته، في مؤتمرات فكرية ودينية ومسكونية عدة في كل انحاء أوروبا، ونسج روابط مع مفكرين وكتّاب على طول الأرض وعرضها حتى أصبح اللقاء به في فرنسا بمثابة جلسة فكر وسياسة في آن واحد، وبات من يزور أوروبا من دون زيارة الأسقف غفرائيل كأنها لم تكن.
كثيرون عرفوا المطران غفرائيل، وكلهم أحبّوه، وجالسوه، في سعي الى اغتناء فكري يغنمونه من معين ثقافته المتشعبة والواسعة، وهو لم يبخل على الساعين بما قصدوا.
المطران غفرائيل سراج أرثوذكسي انطفأ، إلا أن شعاعاً من ذلك النور لم يخبُ.
المطران غفرائيل مدرسة أرثوذكسية خرّجت مفكرين كبارا، وسنديانة لبنانية قضت من ذاك الجبل، من الصعب جداً أن يطويهما الزمن.
حبيب شلوق
(جريدة النهار : 21 تشرين الاول 2007 )

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات