خدمـة يوم الأحد بحسـب طقس الديـداخي (سنة 80-100م)

(وهي تمثل فكـر الكنيسة العام في نهاية القرن الأول):وهو ما وصلنا مسجَّلاً في الوثيقة الكنسية الهامة المعروفة باسم “الديداخي” أو “تعليم الرسل الاثني عشر”.

فبعد أن يذكر الكاتب في الفصلين 9و10 ترتيب طقس الأغابي، يعود في الفصلين 14و15 ويذكر ترتيبات الإفخارستيا مع التمسُّك بعدم الإفصاح عن مضمون صلواتها وترتيبها باعتبار أنها من الأسرار الممنوع إذاعتها كتابةً.

ونحن هنا نؤكد أن فصلي 9و10، أن الترتيب الذي جاء في هذين الفصلين يُفصح غالباً عن طقس الأغابي.

ونحن نورد هنا ما جاء فقط في الفصل 14 باعتبار أنه هو وحده المختص بالإفخارستيا.

وقد اعتمدنا في تقريرنا هذا، بعد بحث طويل مُضنٍ للغاية، على رأي العالِم Dom Connolly( ) وكذلك العالِم Kattenbusch والعالِم Gregory Dix (راجع أيضاً بحث الأغابي).

فصل 14:
[أمَّا يوم الرب (الأحد) فهو ما للرب خاصةً (كِيرياكِنْ) اجتمعوا فيه، لتكسروا الخبز، وتصلُّوا الإفخارستيا، بعد أن تعترفوا بخطاياكم لتكون ذبيحتكم طاهرة،
وليكفّ عن الاجتماع معكم كل مَنْ كان في خلاف مع أخيه حتى يتصالحا معاً لكي لا
تتنجَّس ذبيحتكم،
لأن هذه الذبيحة هي الذبيحة التي قال عنها الرب: » لأن في كل مكان وكل وقت قدِّموا لي ذبيحة طاهرة لأني ملك كبير، يقول الرب، واسمي عجيب بين الأمم «(ملا 1: 11و14).]


فصل 15:
[أقيموا لأنفسكم أساقفة وشمامسة يكونون لائقين بالرب، أُناساً ودعاء غير محبين للمال، مؤتمنين ومختبرين،
لكي يقيموا لكم هم أيضاً هذه الخدمة التي يقوم بها الأنبياء والمعلمون.
ولا تحتقروهم (بسبب عدم وجود المواهب الظاهرة فيهم مثل الأنبياء)، بل فليكونوا مكرَّمين مثل الأنبياء والمعلمين أيضاً
].

ملاحظات:في الفصلين 9و10 أعطت الديداخي تحديداً للصلوات اللازمة على كأس الأغابي وخبز الأغابي والشكر الواجب بعد الشبع من وليمة الأغابي. أمَّا هنا فلا تُعطَى أي صلاة. لماذا؟ لأن الأغابي يصلِّي فيها الشعب بنفسه (في غياب المسئول)، أمَّا هنا - أي الإفخارستيا - فلا يصلِّي الشعب بل الأساقفة والشمامسة، والشعب يقول “آمين” فقط.

والديداخي مكتوبة لتكون كتاباً لإرشاد الشعب خاصةً، وذلك عن كيفية العبادة وما يلتزم أن يقوم به. ولكن لا يوجَّه فيه تعليمات للإكليروس أو المسئولين عن الصلوات. لذلك تكتفي الديداخي، في ترتيب طقس الإفخارستيا، بإعطاء الإرشادات التي من اختصاص الشعب فقط، ونلخِّصها كالآتي:
1- ارتباط الإفخارستيا بيوم الرب.
2- ارتباط الإفخارستيا بالاجتماع العام (كنيسة) سيناكسيس.
3-الاعتراف بالخطايا.
4-مصالحة كاملة قبل التناول.

أمَّا طقس الديداخي من جهة شرحها للإفخارستيا فهو كالآتي: تنبه ذهن الشعب إلى أن:
1- الذبيحة طاهرة (كررت ذلك ثلاث مرات) ولكن للأطهار فقط (الذين يعترفون بخطاياهم ويكونون في مصالحة مع جميع الناس).
2- تُقام يوم الرب، والذي دُعي يوم الرب خاصةً بسبب هذه الإفخارستيا “كيرياكين كيرِيُّو”.
3- الاعتراف قبل الإفخارستيا حتمي، حتى تصبح الذبيحة طاهرة بالنسبة للمتناولين منها.
4- الصلح قبل إقامة الإفخارستيا أمر حتمي ويقع تحت مسئولية مباشرة من الكنيسة كلها.
5- كسر الخبز قبل كأس الإفخارستيا، وهذا عكس ما وَرَد في فصلي 9و10 عن الأغابي. فهنا إفخارستية واضحة، ومجيء كسر الخبز قبل كأس الشكر يوضح اختلاف ما ورد هنا عما ورد في فصلي 9و10 تماماً.

حدود الإفخارستيا في “الديداخي”:أولاً: أمَّا الحدود الفاصلة بين وليمة الأغابي وطقس الإفخارستيا، في حالة تتابعهما معاً في نفس المكان والزمان، فهي مذكورة بكل عناية ووضوح. إذ في نهاية وليمة الأغابي، وبحسب ما تقول الديداخي، حينما يمتليء الآكلون ويشبعون، يقدِّمون صلاة شكر على الأكل الذي أكلوه. وهنا الحدود النهائية للأغابي.

ثم تعود الديداخي وتقول في فصل (6:10) تحت رقم 12: [كل مَنْ هو طاهر فليتقدَّم والذي ليس طاهراً فليتُب]. هنا وبعد الامتلاء والشبع يبدأ طقس آخر تماماً هو طقس الإفخارستيا. وهنا يدعو الشماس الطاهرين فقط، أي المستعدين بالتوبة والاعتراف، للاشتراك فيه حيث ينعزل غير المستعدين للاشتراك في سر الإفخارستيا أولئك الذين تعتبرهم الديداخي لا يزالون محتاجين إلى توبة أي لم يمارسوا الاعتراف بعد.

ثانياً: وهنا تعطينا الديداخي أيضاً ترتيباً آخر لإفخارستيا بدون أغابي، تحددها زماناً ومكاناً عن وليمة الأغابي. فهي تحدِّد لها يوم الأحد، وتُمعِن في تحديد يوم الأحد أن لا يكون مجرد اسم فقط - لأن يوم الأحد اسمه “كيرياكي” أي يوم الرب - إذ تقول “كل يوم الرب”، » يوم (الأحد) الذي “للرب خاصةً” «أي أنه مخصص للعبادة في الكنيسة ولإقامة الإفخارستيا.

هنا تكون الإفخارستيا ليست لأجل أكل وشرب وامتلاء أو ظروف خاصة لشخص ما، بل تقديم ذبيحة طاهرة، حيث تشدِّد الديداخي وتكرر ثلاث مرات أن الإفخارستيا هنا ذبيحة طاهرة.

ثالثاً: كذلك هنا تحتِّم الديداخي بضرورة الاعتراف بالخطايا قبل إقامة الإفخارستيا، الأمر الذي أغفلته نهائياً في حالة وليمة الأغابي في الفصلين 9و10.