لفتني في أحد الكتب القصّة التالية، يروي الكاتب:
"حدّثني صديق لي عن اختبار له في بلاد الباهاماز، حيث رأى يوماً جموعاً من الناس تزدحم حول أحد المرافئ. سأل عن سبب ذلك الازدحام، فقيل له:" إنّ شاباً بنى لنفسه مركباً وهو على وشك الانطلاق فيه لوحده في رحلة حول العالم". وكان الجمع كله، من دون استثناء، في حال من التشاؤم لم يحاول أحد إخفاءها. الكل كان يذكّر البحّار الطموح بكلّ ما يمكن أن يتعرّض له من مخاطر: "الشمس ستكويك!... والخبز لن يكفيك!... والمركب الذي بنيت لن يصمد في وجه العواصف... وفي كل حال لن تبلغ هدفك!"
عندما سمع صديقي كلّ تلك التحذيرات المضنية توجَّه إلى ذلك الشاب المغامر، أحسّ بدافع قوي في نفسه يحثّه على أن يزوّده بشيء من التشجيع والتفاؤل. لمّا بدأ القارب يبتعد عن الرصيف أسرع صديقي نحوه ملوّحاً بيديه وكأن الثقة تتدفّق من يديه وكل جوارحه وأخذ يصرخ: "أتمنى لك سفرة موفّقة! إنك شخص غير عاديّ! قلوبنا معك! ونحن نفخر بشجاعتك! وفقك الله يا أخي!"
يبدو لي أحياناً أن الناس ينقسمون إلى نوعين. نوع يبحث عن كل كروه قد يحدث لنا ونحن نحاول أن نشقّ طريقنا الخاصّة في الحياة، ويأخذ على عاتقه أن يذكّرن دائماً بذلك: "انتظر كم ستعاني من البرد والألم في عالم كله مظلم. اسأل مجرِّب...". ونوع آخر يقف على الرصيف ويلوّح، منه يسطع الإيمان بنفسه والثقة بنا، ومن ملء فمه تنطلق الدعوة بالتوفيق".
ومن له أذنان للسمع فليسمع!