Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2962

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2962

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

الأعضاء الذين تم إشعارهم

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 23

الموضوع: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

  1. #1
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء


    [FRAME="15 70"]
    البشريّة المريضة
    بيت الداء وحقيقة الدواء


    المقدمة

    ثمّة مَن يدّعي أنّ الله خلق الموت وثمّة مَن يعتبر الكثير من الرذائل، كالزنى واللواطية، حاجات طبيعية في الناس. إنّ اعتماد نظرة كهذه إلى الأمور يؤثّر في مجمل أخلاقية الشعوب والأفراد.

    بالنسبة لنا ما نقوله هو إنّ البشريّة مريضة ومرضها نردّه إلى ما نسمّيه "السقوط". يستحيل علينا أن نفهم مِمَ عانى الإنسان عبر التاريخ ما لم تكن لنا نظرة صحيحة إلى:
    ما كان عليه قبل السقوط وما حلّ به في السقوط، ما هي الخطيئة؟
    لماذا الخطيئة مرتبطة بالمعصية؟
    ما الذي تسبّبت به خطيئة آدم وحوّاء؟
    كيف انتقل تأثير سقوط آدم وحوّاء إلى كل الجنس البشري؟
    لماذا تجسّد ابن الله؟
    ما الذي اشترك فيه الربّ يسوع من جهة ما للإنسان الساقط وما الذي لم يشترك فيه؟
    ما الذي حقّقه الربّ يسوع؟
    كيف جيّر الروح القدس ما حقّقه الربّ يسوع للجنس البشري؟
    أي نهج بات على الإنسان أن ينهجه ليخلص ويحقّق قصد الله له؟

    كل هذا في ضوء ما ورد في الكتاب المقدّس ولدى الآباء القدّيسين في الكنيسة.

    على هذه وغيرها من الأسئلة المصيرية، والإجابات الواضحة والدقيقة بشأنها، يتوقّف سداد موقف المؤمن، من جهة تدبير الله الخلاصي للإنسان وسلامة مسيرته الروحية في كل زمان ومكان. نقول هذا لأنّ في التداول، بين المؤمنين، أفكاراً ليست من تراث الأرثوذكسية. ولا غرو فانفتاح عالمنا على كل فكر يجعل التلفيق (الاختلاط) في المواقف ميسّراً. هذا لا يجد فيه الكثيرون ما يضير بل ما يُغني، لكنّه، في الحقيقة، يؤذي ويشوِّش ويشوِّه. السبب هو أنّ الفكر عندنا، في الكنيسة، ليس للفكر ولا هو بمعزل عن حياتنا المسيحيّة. فكرنا اللاهوتي مرتبط، عضوياً، بالحياة الروحية، وهو خارطة الحياة الجديدة.

    مستحيل على المؤمن أن تستقيم حياته الداخلية ما لم يكن فكره اللاهوتي أرثوذكسياً. من هنا أهميّة العقيدة القويمة عندنا، ومن هنا حرصنا على التمسّك بما انحدر إلينا من الآباء القدّيسين أكبر الحرص.
    في إطار هذا الفهم، بالذات، للأمور نُقبِل على ما تمدّنا به الكنيسة الأرثوذكسية المقدّسة من إجابات على أسئلتنا أعلاه.
    [/FRAME]



    [FRAME="13 70"]

    الجزء الأول


    لم يخلق الله الإنسان، في الأساس، لا خالداً ولا غير خالد (القدّيس ثيوفيلوس الأنطاكي، القرن 2 م). كان، في ذاته، قابلاً لكِلا الأمرَين معاً، الخلود وعدم الخلود. سيره في هذا الاتجاه أو ذاك كان رهناً بإرادته هو، بسلوكه في طاعة الله، في الوصيّة الإلهيّة، أو بعدم سلوكه فيها. الخلود، عندنا، لا يعني الحياة إلى الأبد بل الحياة الأبدية. هناك فرق كبير بين الاثنين. الحياة إلى الأبد معناها الحياة إلى ما لا نهاية، فيما الحياة الأبدية، وفق إنجيل يوحنا (17: 3)، هي "أن يعرفوك [الآب السماوي] أنتَ الإله الحقيقي وحدكَ ويسوع المسيح الذي أرسلتَه". أن يعرفوك بمعنى أن يدخلوا في شركة المحبّة معكَ إلى الأبد، "أنا فيهم وأنتَ فيّ... كما أنّك أنتَ، أيّها الآب، فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا" (يو 17: 23، 21). هذا في ما خصّ الخلود. أمّا في ما خصّ عدم الخلود، أو الموت، فلا يعني، عندنا، الفناء بل ما أسماه الربّ يسوع نفسه "عذاباً أبدياً" (مت 25: 46) إذ يُلقَى فاعلو الظلم (لو 13: 27) في "النار التي لا تُطفأ حيث دودهم لا يموت" (مر 9: 45 – 46)، في "الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (مت 8: 12 – 13). الحياة الأبدية، من جهة طبيعة الإنسان، هي نعمة من فوق، فيما الموت هو ناتج انصراف الإنسان عن الله. لذا ليس الموت من صنع الله (حك 1: 13). موت الإنسان أتى به الإنسان على نفسه بعدما انقطع عن ربّه لما عصاه. طبعاً ما أراده الله للإنسان، منذ البدء، كان أن يشترك، بالنعمة، فيما لله، أي في الحياة الأبدية. لكنّ الله جعل تحقيق مبتغاه للإنسان رهناً بإرادة الإنسان نفسه، بحرّيته. الإنسان كان قادراً على أن يَقبل عطيّة الله وقادراً على أن يرفضها. الحياة والموت معاً كانا في يده: الموت إذا نبذ الوصيّة وعصى الله، والحياة إذا حفظ الوصيّة وأطاع الله. من هنا أهميّة الوصيّة الإلهية وطاعة الله.


    وصيّة الله لآدم كانت هذه: "من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً. أما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 16 – 17). أولاً علينا أن نُدرك أنّ شجرة معرفة الخير والشرّ كانت خيراً (القدّيس يوحنّا الدمشقي) طالما الله أبدعها. لكنْ يبقى السؤال مطروحاً طبعاً: إذا لم يشأ الربّ الإله لآدم أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ فلماذا جعلها في الجنّة أمام عينيه؟ ألم تكن فخّاً له؟ كلا أبداً! وجود شجرة معرفة الخير والشرّ في الجنّة كان أمراً طبيعياً لأنّ الله خلق الإنسان حرّاً. الحرّية تتضمّن، فيما تتضمّن، أن يكون في وسع صاحبها أن يعرف الخير والشرّ. قمّة الحرّية، في الحقيقة، أن تعرف الشرّ وتنبذه وتتمسّك بالخير. هذا لأنّ الحرّية لا تتحقّق إلاّ في الخير، أما في الشرّ فتضيع لأن "مَن يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" (يو 8: 34). أوصى الربّ الإله آدم أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ لا لأنّه لم يُردْه أن يأكل منها بالمطلق بل لأنّ آدم كان، بادئ ذي بدء، وفق ما يُفيدنا به آباء الكنيسة، في حال الطفولة الروحيّة. بتعبير القدّيس ثيوفيلوس الأنطاكي "كان طفلاً"، وبتعبير القدّيس إيريناوس الليّوني "كان خُلُقياً غير كامل". وقد أعطاه الربّ الإله وصيّة أن لا يأكل من الشجرة بقصد حمايته منها إذا ما خطر بباله أن يتناول من ثمارها قبل الأوان. ثمّ اللهُ لا يُعامِل الإنسان، بعدما خلقه حرّاً، بالإكراه، بل بالإيعاز، بالوصيّة. الله المحبّة لا يَفرض نفسه فرضاً. كان لا بدّ لآدم أن ينمو، أولاً، في النعمة والقامة الروحيّة، في طاعة الله ومحبّته. فقط إذ ذاك يصير بإمكانه أن يأكل من الشجرة دون أن يتأذّى. هنا يُشار، كما يُبدي آباؤنا (القدّيس ثيوفيلوس، القدّيس يوحنّا الدمشقي...)، إلى أنّ السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة. هذا وحتميّة الأكل من الشجرة، في الوقت المناسب، يتضمّن، استنتاجاً، أنّ الإنسان، متى نما في الروح، يصير قادراً على أن يعرف ما هو الشرّ، في عمقه الكياني، دون أن يختبره. طبعاً هذا غير ممكن بشرياً، لكن الروح هو الذي يجعل الأمر ممكناً. بهذا المعنى القدّيسون الذين امتلأوا من روح الربّ هم أكثر الناس معرفة بماهية الخطيئة وعمقها الكياني. هناك معرفة للخطيئة كفعل، هذه لم يكن آدمُ قبل السقوط ليعرفَها لو أقام في الطاعة لله. وهناك معرفة للخطيئة في عمقها الكياني، في بُعدها الروحي، هذا بالذات ما كان قد تسنّى لآدم أن يعرفه لو حفظ نفسه بالوصيّة، وبمعرفته له كان لُصوقُه بالخير لِيَقوى وانشدادُه لربّه ليتعزّز. هكذا كانت حرّيته، في الحقيقة، لِتتحقّق وتكتمل، من حيث إنّ تمام الحرّية هو الخيار الكياني العميق لحقّ الله ومحبّته بإزاء الشرّ في الكيان والكون.

    كلامنا أعلاه يتضمّن أنّ الله نفسَه يعرف المضمون الروحي للشرّ دون أن يختبر الشرّ كفعل وإلاّ ما كان خلَق الإنسان حرّاً ولا خلَق له شجرة معرفة الخير والشرّ. دليلنا على ذلك ذوق الربّ يسوع المسيح للموت. لم يعرف الربّ يسوع الخطيئة، لكنّه عرف عمقها الكياني المتمثِّل في الموت. لذا ذاق الموتَ كإنسان وعرف عمق الموت في الكيان بروحه دون أن يذوق الموتَ كإله، حيث إنّ الله منزّه عن الموت.

    هذا يأتي بنا إلى موضوع الطاعة. لِمَ الطاعة أساسية لدخول الإنسان الحياة الأبدية؟

    هناك، في الحقيقة، نوعان من الطاعة: الطاعة الخارجية والطاعة الداخلية. الطاعة الخارجية تكون متى قال لك أحد، لغاية في نفسه، تعال إلى هنا فتأتي. اذهب إلى هناك فتذهب. افعل هذا فتفعله. لا تفعل ذلك فلا تفعله. الطاعة الخارجية، إذاً، تكون لآخر يأمرك جاعلاً إياك أداة له. أما الطاعة الداخلية فتكون متى أوصاك آخرُ، حرصاً عليك ومحبّة بك، بما هو خير لك. من ذلك مثلاً طاعتك للطبيب في ما يوصيك به بشأن صحّتك، وطاعتك للميكانيكي في ما يوصيك به بشأن سيارتك. كلّما كان طبيبك قديراً كلّما استدعى ذلك أن تكون طاعتك له أعظم.

    الطاعة الكاملة تكون لله. لماذا؟


    لأنّه هو العارف تماماً بك وبما يناسبك. الله لا يأتيك كغريب عنك بل كأقرب من نفسك إليك. ولا يوصيك إلاّ بما هو خير لك. مشيئته أن تكون لك حياة أبدية. وأنت متى أطعته حقّقت لنفسك الخير الذي يريده لك. من هنا كون حياة الإنسان، في العمق، من طاعته لله ولا حياة له من غير طاعة.

    هذا والقول صحيح إنّ الإنسان لو أطاع الله، بدءاً، لما ذاق الموت وعرف الفساد. طاعته لله، قبل السقوط، هي أعطته المناعة الروحيّة. حفظته في كنف الله، في النعمة، في الحياة. فلمّا عصى الإنسانُ الله سقط وكان سقوطه عظيماً!
    [/FRAME]

    يتبع
    ترقبوا المزيد

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  2. #2
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Bassilmahfoud
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 745
    الحالة: Bassilmahfoud غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,560

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    ماهذه الارثوذكسية.... الفكر المتنور

    الفكر الارثوذكسي هو نعمة من نعم الله

    شكرا لك يا اخي سليمان ( الحكيم ) على هذا الكشف
    على روحانية وسمو وصفاء عقائد الكنيسة الارثوذكسية
    الى الامام .
    الشكر والمجد لله على كل شىء

    †††التوقيع†††



    ولتكن مراحم الهنا العظيم ومخلَصنا يسوع المسيح مع جميعكم


    " اننا نوصي بالصلاة لانها تولد في النفس فهما خاصا للذة الالهية"
    ( القديس باسيليوس الكبير )

  3. #3
    آباء الكنيسة الأرثوذكسية
    التسجيل: Nov 2007
    العضوية: 1688
    الحالة: Fr. Jean غير متواجد حالياً
    المشاركات: 282

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    رائع جداً....عظيم ، عميق وروحي صرف
    شكراً يا اخي وقواك الرب

    †††التوقيع†††

    أبونا يوحنا

  4. #4
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Beshara
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 770
    الإقامة: Aleppo
    هواياتي: Computer
    الحالة: Beshara غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,342

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة.
    شكرا لمشاركتك أخي سليمان
    إنها نعمة روح الحكمة و الفهم التي تظللك و منها تزيدنا دوما بكلماتك
    صلواتك أخي


  5. #5
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء



    مروركم أبائي وأخوتي في ليلي قنديل يجعل قلبي يسطع في الظهيرة, يشد إزره في الليلة المطيرة, صوتكم كالمائدة المستديرة, يضم زرّاعي الحقول والجنود, وصائدي القوارب الصغيرة, صوتكم يبعث في جوانحي أمنية أسيرة:
    "أن أبصر الوجود أبيضاً معطر السريرة."

    أيضاً وأيضاً أعترف لكم أنني لست إلا عبداً شقياً ماض قدماً لينهل من مشارب رياض آباء أجلاء, أمثالكم وأمثال قديسين حماة الحظيرة, ألا رافقتموني -حفظكم الرّب- إلى الملكوت نشدّ المسيرة.

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  6. #6
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    [FRAME="13 70"]

    الجزء الثاني

    خلق الله الإنسان، في البدء، حسناً جداً (تك 1: 31). لم يكن ناقصاً في شيء. طبعاً لم يكن خالداً لأنّ الخلود ليس من مزايا الطبيعة البشريّة بل هو هبة الله. وهذه تُعطى له متى نما في طاعة الله ومحبّته. جنّة عدن، التي هي صورة عِشرَة الإنسان لله، كان مفترضاً بآدم أن "يعملها ويحفظها" (تك 2: 15). إذاً لم تكن ناجزة لديه. روحياً، كان الإنسان طفلاً. كان عليه أن يصير "فلاّحاً للعبادة الحسنة" (قنداق عيد القدّيس جاورجيوس اللابس الظفر) حتى يحظى بنعمة الحياة الأبدية. حالُ آدم وحوّاء، قبل السقوط، كان كحال الحديد والنار. الحديد، في ذاته، قابل للفساد والانحلال، ولكنْ إذا لزم النار انحفظ. هكذا كان آدم وحوّاء. طالما بقيا في كنف الله – وهذا رهن لا بمشيئة الله وحده بل بإرادتهما أيضاً – كانا محفوظَين بالنعمة، ولكنْ لمّا نجح الشيطان المتلبِّس بالحيّة في خداعهما سقط آدم وحوّاء من روح الله. أُخرِجا من جنّة عدن (تك 3: 23). طُردا منها طرداً ولم يعدْ لهما إمكان عودة إليها بنفسيهما (تك 3: 24).

    كان السقوطُ سقوطاً من حال إلى حال: من الطاعة إلى الخطيئة، من عِشْرة الله إلى استعباد الشيطان، من عدم الفساد إلى الفساد. الخطيئة هي التعدّي (1 يو 3: 4) والإثمُ الذي هو معارضةُ الله ومقاومتُه بعناد. "إنسان الخطيّة ابن الهلاك"، في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، هو "المقاوِم والمرتفِع على كل ما يُدعى إلهاً أو معبوداً حتى إنّه يجلس في هيكل الله (كإله) مظهراً نفسه أنّه إله" (3: 4). الخطيئة هي الحيدان عن الحقّ. في اليونانية، من معاني الخطيئة (أمارتيا) الإخفاق في إصابة الهدف. فَشِلَ آدم وحوّاء في تحقيق قصد الله لهما فسقطا وصارا في الخطيئة. تعبير "في الخطيئة"، كما في رو 6: 1، يشير إلى الحال الجديدة التي آل إليها الإنسان إثر السقوط، إلى الواقع الناجم عن المعصية. من الحال الكيانية الاختلالية هذه للخطيئة، انبثّ، في الإنسان، ما يُعرَف بـ "الأهواء" التي هي منابت الخطايا، أو جذورها. الأهواء، في ذاتها، ليست خطايا بل هي ينبوع الخطيئة مغروساً في طبيعتنا. الأهواء هي الأصنام الداخلية وما عبّرت عنه كل الأصنام في تاريخ البشريّة منذ السقوط. كل الأصنام الحجرية والفكرية والعاطفية ذات الصلة بالمال وشهوة البطن والزنى والمجد الباطل وأمثالها، في أي من مجالات الحياة الفردية والجماعية، كل هذه الأصنام مصدرها واحد: الأهواء! بالأهواء صار الإنسان مائلاً إلى مراكز اهتمام أخرى غير الله. هذه حلّت، في الإنسان، أسياداً محلّ سيّد السماوات والأرض، وصار الإنسان، بصورة تلقائية، متّجهاً، كيانياً، إلى تلبيتها، عبادياً، كما لو كان له فيها ملء الوجود، كإنسان ناهد إلى الألوهة. ولكنْ كلُّ سعي الإنسان، مهما فعل، في هذا الإتجاه، كان باطلاً لأنّه اتجاه خاطئ، لأنّ الإنسان بات مقيماً في الخطيئة، في الكذب، في الضلال، في الضياع، في الوهم. على هذا استبانت خدعة الشيطان لآدم وحوّاء، بدءاً، مستمرة في الأهواء/ الأصنام التي انزرعت في الطبيعة البشريّة بعدما سقط الجدّان الأوّلان في المعصية. الخديعة قائمة في أهواء الناس. الخطيئة، دائماً، وعد يؤول إلى خيبة، غيم بلا ماء. فلا عَجب إن قال آباؤنا إنّ وراء كل خطيئة روحٌ غريب حتى لَيُماهونها وهذا الروح الغريب عينه. الغريب، في الحقيقة، كان إيّاه الشيطان وأبالستُه ذوو الاختصاص في شتّى الأهواء والخطايا. بهم دخلت الخطيئة إلى العالم. طبعاً لا بالشيطان وحده بل بقبول الإنسان أيضاً لإيحاء الشيطان، لمنطق الروح الغريب، وتعاون الإنسان معه. "شعبي عمل شرَّين. تركوني أنا ينبوعَ المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم آباراً آباراً مشقَّقة لا تضبط ماء" (إر 2: 13)!
    نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله كاذب. قال الله لآدم: "يوم تأكل من... [شجرة معرفة الخير والشرّ] موتاً تموت" (تك 2: 17)، وقالت الحيّة للمرأة: "لن تموتا" (تك 3: 4). نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله يمنعهما من الشجرة عن قصد غير قويم، لأنّه يريد لهما أن يبقيا جاهِلَين قاصرَين، وفي ذلك ظلم وتَعَدٍّ على حرّية الإنسان وحرمانٌ لهما من امتياز عظيم هو من حقّهما وهو في متناول أيديهما. بتعبير الحيّة: "الله عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارِفَين الخير والشرّ" (تك 3: 5). هكذا بثّ الشيطان الشكّ في صِدقية الله من جهة الإنسان. ولأنّ الإنسان كان قاصراً في معرفته العميقة لحقيقة الأمور، تمكّن الشيطان من ضرب إيمان آدم وحوّاء في الصميم. جعل إسفيناً ما بين الإنسان وربّه. نجح الشيطانُ في تحويل انتباههما من وصيّة الله إلى شهوة نفسيهما، "فرأت المرأة أنّ الشجرة جيِّدة للأكل وأنّها بهجة للعيون وأنّ الشجرة شهيّة للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجُلها أيضاً معها فأكل" (تك 3: 6). تبنّى الإنسان منطق الشيطان، المنطق الذي جعله شيطاناً بعدما كان ملاكاً مقرَّباً جداً من العليّ. فإنّ الإنسان، إذ تحوَّل عن الله، أَكَلَ طُعْمَ الشيطان له، تبنّى خبرته، وقع في فخّه. سلك الإنسان في شهوة نفسه. اعتزل عن الله. صار يقيس الأمور على رغبته الخاصة. التزم إرادته الذاتية معياراً لكل شيء. بكلام آخر تشيطن الإنسان في الخُلُق لمّا وقع في حبّ الذات، من حيث إنّ الشيطان معلّم عشق الذات بامتياز. صار حبّ الذات لدى الإنسان هو، عينه، الألوهة محقَّقة، صنمَ الأصنام، إلهَ الآلهة، مصدرَ ومآلَ كلِّ عبادة. انكفأ الإنسان على نفسه بعدما كان ممتدّاً صوب ربّه. لم يعدْ بحاجة إلى ما هو أو مَن هو خارج نفسه ليتألّه. صار إلهاً في ذاته، في عين نفسه. هكذا تمثَّل السقوطُ من حالٍ كان الإنسان فيها ينمو في محبّة الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة إلى حال فيها ينمو، في عشق الذات، من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة. هكذا كان سقوط الإنسان من حال الكمال الإلهي، المتنامي إلى حياة أبدية، إلى حال الكمال الشيطاني المزعوم، المتنامي إلى هلاك أبدي.
    مَلَك الشيطان على الإنسان. بدا له صديقاً. أقنعه بأن يعبد نفسه من دون الله وأقام هو في التواري! لم يكن تسلّطُه عليه خارجياً. زرع كلمته في قلبه. أراد أن يملك عليه من الداخل، بإرادة الإنسان عينه، إذ طعّم إرادته بمفسدته. والإنسان، في غباء خطيئته، من حيث إنّ الخطيئة تجعل الإنسان غبيّاً (!)، أسلم قيادَه للشيطان وفي ظنّه أنّه، بذلك، يحقِّق ذاته حرّاً من كل تأثير خارجي عليه، من الله ومن الشيطان سواء بسواء.
    هكذا دلف الإنسان من عدم الفساد إلى الفساد، من حرّية النعمة الإلهية إلى عبودية الخطيئة، من الحياة إلى الموت. استعبد الشيطان الإنسان بالإقناع فأدخله الدائرة المفرَغة للموت والخوف والخطيئة. هذه لم يعدْ له فكاك منها، وتالياً من ربقة الشيطان عليه. هكذا اعتلَّت الطبيعة البشريّة. بكلام القدّيس كيرلّس الإسكندري: "لمّا سقط الإنسان في الخطيئة وزلق في الفساد، هاجمت الملذّاتُ والنجاسةُ طبيعةَ الجسد، وانقشع، في أعضائنا، ناموس وحشي. أضحت، إذ ذاك، طبيعتنا موبوءة بالخطيئة عبر معصية الواحد، الذي هو آدم. به أضحى الجميع خطأة لا لكونهم شاركوا في التعدّي مع آدم، وهو ما لم يفعلوه البتّة، بل لكونهم من طبيعته، خاضعين لناموس الخطيئة... الطبيعة البشريّة، في آدم، اعتلّت وخضعت للفساد، بالمعصية، وبذا وطئتها الأهواء".

    [/FRAME]

    يتبع
    ترقبوا المزيد

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  7. #7
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    [FRAME="13 70"]
    الجزء الثالث

    أوّل ما حصل، إثر السقوط، أن دخلتْ نفسُ الإنسان نطاق الموت. هذا لأنّه انحرم، بالخطيئة التي ارتكبها، من نعمة الله. الموت تأتّى من الشيطان (القدّيس إيريناوس الليّوني). لم يعاقِب الله الإنسان بصورة مباشرة بل بصورة غير مباشرة إذ سمح له، إذا هو رغب في ذلك، أن ينفصل عنه ويُحرَم الحياة (القدّيس إيريناوس). وهكذا بعد أن كان ناموس النعمة هو الفاعل فيه، صار الفاعل فيه هو ناموس الخطيئة (رو 7: 23). هذا صار له كَمِثْل طبيعة ثانية، منبثّاً، في صورة أهواء، في طبيعته البشريّة التي خلقه الربّ الإله عليها. ناموس النعمة كان له، أيضاً، قبل السقوط، كمثْل طبيعة ثانية، لكنّه كان ناموساً للحياة، أمّا ناموس الخطيئة فصار ناموساً للموت. ولكن، إذا ما كانت الحياة الأبدية هبة الله، فالموت هو أجرة الخطيئة(رو 6: 23)، أي هو ما جرّه الإنسان على نفسه بالخطيئة (القدّيس يوحنّا الدمشقي). ناموس الخطيئة، "الكائن في أعضائي" (رو 7: 23)، صار لي، إذاً، آليةً للموت. لذلك بالخطيئة دخل الموت إلى العالم (رو 5: 12). نذكّر هنا بأنّ تحوّل الإنسان من النعمة إلى الخطيئة كان، في المستوى الوجودي، تحوّلاً من حبّ الله إلى حبّ الذات. إلى حبّ الذات صار الإنسان مائلاً، بصورة تلقائية، بعد السقوط. ناموس الخطيئة والموت، إذاً، هو، في عمقه الكياني، ناموس حبّ الذات.

    آدم وحوّاء، الجدّان الأوّلان، سقطا، بدءاً، لأنّهما خطِئا. وهما خطِئا لأنّهما عصيا الله. خطيئتهما كانت عن جهل. شخصياً، تابا وسلكا، بعد ذلك، في بركة الله. إذ لمّا ولدت حوّاء صبيّاً أسمته قايين لأنّها قالت "اقتنيت رجلاً من عند الربّ" (تك 4: 1). لذلك حُسِبا صدِّيقَين ولهما ذِكْرٌ، بين الأبرار، في الكنيسة، في أحد الأجداد، قبل عيد الميلاد. أمّا أوّل مَن انطلق فيه فِعلُ ناموس الخطيئة واستبان لديه التعاون الواعي بين الإنسان والشيطان، باتجاه بلوَرَة الخطيئة وتحويلها إلى عالم قائم بذاته له تراثه، فكان قايين. كِلا الأخوَين، قايين وهابيل، كانت له فرصة السلوك في وصايا الله. هابيل كان قويماً. قدّم لله ذبيحة "من أبكار غنمه ومن سمانها" (تك 4: 4). الذبيحة لاقتناء رضى الله. وهذا يعني أنّه قرَّب من خيرة ما لديه. فنال حظوة في عيني الرب. أمّا قايين، الذي كان عاملاً في الأرض، فـ "قدَّم من أثمار الأرض [ما اتفق له] قرباناً للربّ". فإذا لم ينظر الربّ إلى قربانه، وهو علاّم القلوب، فلأنّ قايين لم يكن سليم النيّة أمامه. وهذا استبان في أنّه قدَّم من ثمار الأرض، رخيصَها، ولم يقرِّب من بكورها وأفضلها. احتفظ بالجيّد لنفسه. استبان طمّاعاً. ثمّ لم يتّضع قايين، وهو المفترض أن يكون عارفاً بما في نفسه (1 كو 2: 11)، ولا قال "خطئت، سامحني!" بل اغتاظ واغتمّ، إمعاناً في البِرّ الذاتي. لكنْ نبّهه الربّ الإله عسى أن يعود إلى نفسه. لا حقّ لك يا قايين في أن تغتاظ وتغتمّ! فلو كنتَ أحسنتَ فعْلاً أفما كانت ذبيحتك قُبِلت؟ لم يتخلّ الله عن خليقته بعد السقوط. اعتنى بهابيل واعتنى بقايين أيضاً. لذلك حذّر قايينَ بكلام واضح ومعبِّر جداً: "إن لم تُحْسِن فعند الباب خطيئة رابضة وإليك اشتياقها وأنتَ تسود عليها" (تك 4: 7). انتبه لنفسك يا قايين! الخطيئة الرابضة عند باب قلبك، والتي تتحفّز للإنقضاض عليك هي الحسد! أنتَ مائل إليها، مشتاق إليها. ولكنْ، لا زال في طاقتك أن تمتنع عنها، أن تتّضع، أن تقي نفسك شرّها. القرار قرارك أنتَ! الخطيئة لا تفرض نفسها عليك فرضاً ولو كانت عند الباب. أنت تسود عليها وهي لا تسود عليك. فقط إذا فتحتَ لها قلبك دخلتْ إليك وفعلتْ فعلها فيك. لم ينتصح قايين بل أسلم نفسه، طوعاً، للحسد فـ "قام على هابيل أخيه وقتله".

    هكذا يكون بآدم قد دخل ناموس الخطيئة، أي حبّ الذات، وأوّل ما تفعّل هذا الناموس كان في قايين إذ أفرخ حبُّ الذات، فيه، طمعاً والطمعُ حسداً والحسدُ موتاً. على هذا استبان، بإزاء ناموس الخطيئة، فريقان: فريق تَمثّل بهابيل الذي قاوم الطمع وغلبه. نقول ذلك لأنّه لا بدّ أن يكون قد خطر بباله فكرُ طمعٍ طالما أخذ عن أبويه الميل إلى حبّ الذات. لكن هابيل قاوم الطمع وغلب فاستبان أميناً لله وبورك. هذا هو الذين عملوا الصالحات بعد السقوط وقبل المسيح. وفريق تمثّل بقايين الذي استسلم للطمع فجرَّه الطمع إلى الحسد والحسد إلى الموت. هذا هو الذين عملوا السيئات من السقوط إلى المسيح. ولكنْ إذا ما أمكن الإنسان، بعد السقوط، مقاومة ناموس الخطيئة فلم يكن بإمكانه، لا باراً ولا آثماً، أن يتفادى الموت. لم تُعطَ الغلبةُ على الموت، عن تدبير إلهي، إلاّ للربّ يسوع وبه. وسيكون للأبرار، المؤمنين بالربّ يسوع، أن يقوَوا على الموت، في منتهى الدهور، إلى حياة أبدية، لأن "آخر عدوّ يُبطَل هو الموت" (1 كو 15: 26). عَامِلو السيئات أيضاً سيقومون ولكنْ إلى عذاب أبدي (مت 25: 46).
    ولله في إبقاء الموت إلى النهاية، وفق آباء الكنيسة، قصد ولطف وحكمة وتدبير. فهم يوردون لذلك ثلاثة أسباب:
    1. لكيما بالموت لا تكون للإثم فرصة أن يتخلّد.
    2. لكيما، بمعاينة الموت، يدرك الإنسان مرضه وحاجته إلى الله ليخلص.
    3. لكيما، إذا ما أَذَلّ الإنسانَ واقعُ الموت تاب إلى ربّه وتمرّس، بالتجارب، في حياة الفضيلة والكمال، فأمسى الموتُ له سبيلاً إلى الخلاص المحقّق بالمخلِّص، الربِّ يسوع المسيح، الذي لا اسمٌ آخرُ أُعطي لنا تحت السماء به ينبغي أن نخلص (أع 4: 12).
    على هذا يكون الموت، من جهة الشيطان، صنيعةً للقضاء على البشريّة، ومن جهة الله تدبيراً لخلاصها من حيث إنّ المسيح وطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور.
    ولكنْ، كيف استعبد الشيطان الجنس البشري بالموت؟
    أوقع الشيطانُ الإنسانَ، بالحيلة، في الخطيئة / المعصية فانحسم الإنسان وانقطع عن نعمة الله. إذ ذاك حلّ الموت. والموت أدخل الإنسان في دوّامة الخوف على الذات، والخوف على الذات دفع الإنسان باتجاه الخطيئة لأنّ الخطيئة قائمة في حبّ الذات، على قاعدة "داوني بالتي كانت هي الداء". الخطيئة صارت له بليّة وملاذاً معاً. هكذا صار الموتُ باعثاً على الخطيئة. على هذا النحو دخل الإنسان في حلقة مفرغة: الموت يدفعه، بقوة الخوف، إلى الخطيئة من حيث إن الخطيئة هي شوكة الموت (1 كو 15: 56)، ثمّ تُعمِلُ فيه الخطيئةُ موتاً وتلقيه في الموت. حلقة الوصل بين الموت والخطيئة كانت الخوف!
    هكذا استعبَدَنا الشيطان، في الحقيقة: بالخوف! من هنا قول الرسالة إلى العبرانيين عن الربّ يسوع إنّه "إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويُعتِق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14 – 15).
    لمّا كان الإنسان مكتَنَفاً بنعمة الله كان في سلام عميق، فلمّا خسر النعمة بالخطيئة / المعصية حلّ، في كيانه، الخوفُ والقلق. صار همُّه، في إطار الواقع الجديد، واقع الخطيئة والموت، حفظَ البقاء، أولاً وأخيراً. بات، في إطار منطق الخطيئة والموت، مستعداً لأن يُخضع ذاته "لأي شيء بتعبير الذهبي الفم "اجتناباً للموت". هذا جعله يُقبل على الخطيئة بالأكثر لأنّ للخطيئة، دائماً، جاذبيتها. نفسه تشتهيها لأنّها "جيِّدة للأكل وبهجة للعيون" (تك 3: 6). الخوف، في أعماقه، جعله، كيانياً، يهرب إلى الخطيئة. لكن الخطيئة لا تروي الغليل. النعمة تروي، أما الخطيئة فتُلقي بالخاطئ، بعد متعة عابرة، في فراغ. لذلك وُجد الإنسان قايينياً ملعوناً "تائهاً هارباً في الأرض" (تك 4: 12). ولكي يُقنِع نفسه بأنّ لحياته، في هذه الخلفيّة، معنى، أخذ يُقَارب الخطيئة بتفنّن. أعمَلَ فيها تصوّراً وتعاطاها كمَعين أحلامٍ وخيالات. إلى أرض الأوهام فرّ لأنّ الواقع المحسوس كان أقسى وأضنى من أن يتمكّن من مواجهته.
    في كل ذلك لم يكن الربّ الإله بعيداً عن الناس ولا ترك نفسه بلا شاهد في كل أمّة (أع 14: 16 – 17). كان له دائماً قطيعُه الصغير "الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا بِرّاً... تقوّوا من ضعف... عُذِّبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل... جُرِّبوا... طافوا... معتازين مكروبين مُذَلِّين. وهم لم يكن العالم مستحقّاً لهم..." (عب 11: 32 – 39).
    فيما عدا ذلك، فيما عدا البقية الأمينة، كانت عبادة الله ملتوية وكذا كانت سيرة المجتمعات والعالم.
    [/FRAME]


    يتبع
    ترقبوا المزيد

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  8. #8
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    في انتظار المزيد أخي سليمان...
    بركة الرب لتحل عليك لتزيدنا مما أعطاه لك الرب من مواهب...

    من بعد انك أخي سأقوم بإرسال الموضوع إلى كل الأخوة برسالة خاصة لتتم قراءته..
    اذكرني صلواتك اخي

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  9. #9
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    أخي سليمان بعد أن أرسلت الموضوع للجميع أعود وأقتبس بعض ماجاء في موضوعك

    هنا يُشار، كما يُبدي آباؤنا (القدّيس ثيوفيلوس، القدّيس يوحنّا الدمشقي...)، إلى أنّ السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة. هذا وحتميّة الأكل من الشجرة، في الوقت المناسب، يتضمّن، استنتاجاً، أنّ الإنسان، متى نما في الروح، يصير قادراً على أن يعرف ما هو الشرّ، في عمقه الكياني، دون أن يختبره. طبعاً هذا غير ممكن بشرياً، لكن الروح هو الذي يجعل الأمر ممكناً. بهذا المعنى القدّيسون الذين امتلأوا من روح الربّ هم أكثر الناس معرفة بماهية الخطيئة وعمقها الكياني. هناك معرفة للخطيئة كفعل، هذه لم يكن آدمُ قبل السقوط ليعرفَها لو أقام في الطاعة لله. وهناك معرفة للخطيئة في عمقها الكياني، في بُعدها الروحي، هذا بالذات ما كان قد تسنّى لآدم أن يعرفه لو حفظ نفسه بالوصيّة، وبمعرفته له كان لُصوقُه بالخير لِيَقوى وانشدادُه لربّه ليتعزّز. هكذا كانت حرّيته، في الحقيقة، لِتتحقّق وتكتمل، من حيث إنّ تمام الحرّية هو الخيار الكياني العميق لحقّ الله ومحبّته بإزاء الشرّ في الكيان والكون.
    هكذا اعتلَّت الطبيعة البشريّة. بكلام القدّيس كيرلّس الإسكندري: "لمّا سقط الإنسان في الخطيئة وزلق في الفساد، هاجمت الملذّاتُ والنجاسةُ طبيعةَ الجسد، وانقشع، في أعضائنا، ناموس وحشي. أضحت، إذ ذاك، طبيعتنا موبوءة بالخطيئة عبر معصية الواحد، الذي هو آدم. به أضحى الجميع خطأة لا لكونهم شاركوا في التعدّي مع آدم، وهو ما لم يفعلوه البتّة، بل لكونهم من طبيعته، خاضعين لناموس الخطيئة... الطبيعة البشريّة، في آدم، اعتلّت وخضعت للفساد، بالمعصية، وبذا وطئتها الأهواء".
    شخصياً، تابا وسلكا، بعد ذلك، في بركة الله.إذ لمّا ولدت حوّاء صبيّاً أسمته قايين لأنّها قالت"اقتنيت رجلاً من عند الربّ"(تك 4: 1).لذلك حُسِبا صدِّيقَين ولهما ذِكْرٌ، بين الأبرار، في الكنيسة، في أحد الأجداد، قبل عيد الميلاد.
    على هذا يكون الموت، من جهة الشيطان، صنيعةً للقضاء على البشريّة،ومن جهة الله تدبيراً لخلاصها من حيث إنّ المسيح وطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور
    ولكنْ، كيف استعبد الشيطان الجنس البشري بالموت؟
    أوقع الشيطانُ الإنسانَ، بالحيلة، في الخطيئة / المعصية فانحسم الإنسان وانقطع عن نعمة الله. إذ ذاك حلّ الموت. والموت أدخل الإنسان في دوّامة الخوف على الذات، والخوف على الذات دفع الإنسان باتجاه الخطيئة لأنّ الخطيئة قائمة في حبّ الذات، على قاعدة "داوني بالتي كانت هي الداء". الخطيئة صارت له بليّة وملاذاً معاً. هكذا صار الموتُ باعثاً على الخطيئة. على هذا النحو دخل الإنسان في حلقة مفرغة: الموت يدفعه، بقوة الخوف، إلى الخطيئة من حيث إن الخطيئة هي شوكة الموت (1 كو 15: 56)، ثمّ تُعمِلُ فيه الخطيئةُ موتاً وتلقيه في الموت. حلقة الوصل بين الموت والخطيئة كانت الخوف!

    هكذا استعبَدَنا الشيطان، في الحقيقة: بالخوف! من هنا قول الرسالة إلى العبرانيين عن الربّ يسوع إنّه "إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويُعتِق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14 – 15).
    المسيحية، بإيمانها القويم، هي الوحيدة التي تستطيع من خلالها التعرف على الإنسان بشكل جيد...
    وتستطيع أن تعي خلقه وسقوطه ورسالته
    فلا يوجد دين، إن جاز إطلاق كلمة "دين" على المسيحية، استطاع أن يشرح سبب وجود الإنسان.. ومن ثم سبب وجوده على الأرض.. وإلى أين هو متجه..

    فهناك الملحدين الذين يروا فيه تطوراً لا أكثر لحياة أولية... لكنها نظرية فاشلة إذ يعتمدون على أن الخوف من الموت هو الذي جعل الإنسان أن يقول أن هناك إلهاً قد خلقه...
    ولكن من يقرأ الكتاب المقدس يرى أن اليهود بقوا حتى فترة قصيرة من تجسد الرب لا يعتقدون بالقيامة وحتى بعد التجسد كان هناك قوماً لا يؤمن بالقيامة... أي لم يعبد اليهود الإله الحقيقي طمعاً بالقيامة لأنهم لم يعرفوها إلا في القرون الأخيرة ما قبل تجسد الرب.


    وهناك الذين يقولوا أن الله خلقه ومن ثم سقط وتاب عليه الله ولا يستطيعوا أن يشرحوا لماذا الإنسان لم يعد إلى "الجنة بعد سقوطه"..
    ويقولون أن الله خلق الإنسان ليعبده... فهذا التصوير عن الله يجعل الله كائن سادي يحب أن يرى عبيده وهم مذلولين أمامه ولا يوجد في قلبه أي محبة... حتى لو كان هناك مواعيد لهذا العبد إلا أنه مع ذلك خلق لكي يعبد الله فقط... فهذا يوضح أن الله خلق الإنسان لا لأجل الإنسان بل من أجل أن يرضي غروره...
    ثم سقط الإنسان وبقي بعيداً عن الله... لماذا؟ لا جواب

    المسيحية هي الوحيدة، لأن الرب تجسد وعرفناه وتذوقناه ولمسنا، التي عرّفت الإنسان أن الله محبة.. ولأنه محبة أحب أن يشاركه محبته كائن آخر... فالله خلق الإنسان لا لأجل نفسه، فحاشاه أن يحتاج شيئاً أو أن يكون سادياً، بل لأجل الإنسان نفسه.. وهذا سر عظيم ما كنا عرفناه لولا أن الرب يسوع قد تجسد وعاش بيننا وصلب ومات وقام لكي نقوم معه..
    الإنسان لم يشترك في خطيئة آدم لكنه ورث عنه الطبيعة الفاسدة التي فسدت بإرادته هو (مرأة تلد طفلاً يكون مريضاً بالإيدز... ليس لأنه هو من مارس الخطيئة فانتقل المرض إليه بل لأنه ورث طبيعة جسد أمه الفاسدة المريضة بالايدز... والأمثلة كثيرة).. ولكن عودتها، الطبيعة البشرية، سليمة هي ليست في مستطاعه وكما أنها لا تفرض عليه فرضاً.. فكما هو سقط من تلقاء ذاته كان عليه أن ينهض من تلقاء ذاته... ولكنه لا يستطيع مهما فعل أن يعيد الصورة الإلهية المشوهة فيه بتلقاء نفسه..
    ولأن الله محبة أرسل ابنه الوحيد، المرسل والرسالة، لكي يخلصنا ويعطينا بموته وقيامته إمكانية الخلاص... وبعد هذا تبقى إرادة الإنسان في أن يخلص هي الحكم..


    موضوع رائع أخي سليمان وأرجو أن تزيدنا أكثر مما أنعمه الرب عليك...
    اذكرني في صلواتك

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  10. #10
    المشرف الصورة الرمزية بندلايمون
    التسجيل: Jul 2007
    العضوية: 987
    الإقامة: Athens-Greece
    هواياتي: music
    الحالة: بندلايمون غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,306

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء

    الحقيقة ما قريت غير أول جزئين (بسبب ضيق الوقت) بس أكيد رح كمل بعدين
    موضوع رائع أخ سليمان بجد بشكرك من كل قلبي وبصلي للرب يحفظك بكل خطوة من خطواتك

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب: الشيطان وحقيقة تحضير الأرواح - للأب اسبيريدون فيّاض
    بواسطة fadi-ad في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 2011-12-09, 08:06 PM
  2. الأيقونة البشريّة
    بواسطة maximus في المنتدى الليتورجيا
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 2010-10-17, 08:28 AM
  3. الفتاة المريضة
    بواسطة Elias في المنتدى قصص روحية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2010-07-11, 05:47 AM
  4. الدواء المعجزي
    بواسطة Nahla Nicolas في المنتدى المنتدى الطبي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2008-09-10, 08:36 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •