التعلق المرَضي بالعائلة ببيوتها وفروعها آفة من آفات الجبل اللبناني ما نجا منه الارثوذكس. في التحرك الديني تعترض العشيرة بين المؤمن الفرد والكنيسة. ففي المفهوم المسيحي ما من فاصل بينك وبين الكنيسة وما من جامع. انت بالمعمودية تصبح عضوا في عائلة الله بلا واسطة. كذلك ابوك وامك واخوك لا يوحدونك بالجماعة المؤمنة. انت مباشرة عضو فيها.

واذا كان العلمانيون لهم حضورهم الكامل في الكنيسة وفعلهم وشهادتهم وخدمتهم فالمؤمن اخو المؤمن بالمعمودية واقتبال جسد المسيح. وليس احد منا اخاً لمن ولدته امه الا من حيث انه يبدي له المحبة باعتباره انسانا مولوداً من الله. وقد قال في ذلك الإنجيل: "اما الذين قبلوه (اي المسيح) وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكّنهم ان يصيروا ابناء الله، فهم الذين لا من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل بل من الله وُلدوا" (يوحنا 1: 12 و13).

ان يسوع ما اولى اي اهمية للعائلة التي كان ينتمي اليها. "وجاءت امه واخوته (اي اولاد يوسف من زواجٍ سابق) فوقفوا خارج الدار، وارسلوا اليه من يدعوه. وكان الجمع جالسا حوله، فقالوا له: ان امك واخوتك في خارج الدار يطلبونك. فأجابهم: من امي ومن إخوتي؟ ثم اجال طرفه في الجالسين حوله وقال: هؤلاء هم امي وإخوتي، لأن من يعمل بمشيئة الله هو اخي واختي وامي" (مرقس 3: 31-35).

اخوتك بالمسيح هم اقرب اليك ممن ولدتهم امك. اجل عليك ان تحب اقرباءك لأنهم اول من تتناولهم بالانتباه والخدمة. اذ ذاك، من كان قريبا اليك بالجسد تجعله اخا لك بالرب. وهذا تعاون على الخير. من الطبيعي ان تذهب محبتك الى من كان حولك ولكن بلا تعصب ولا تحيز فلا تناصر نسيبا لك ان كان على خطأ ولكنك تنصحه او تلومه ولا تجعل رابطة الدم اقوى من الرابطة الانسانية.

ان الرباط العائلي اذا تشدد على حساب العدل فهو القبلية بعينها. والقبائل هي دائما ضد القبائل وتستعلي وتستكبر. والعائلية هي القوقعة فترى الفضائل كلها بانسبائك ولا تراها بالقوة نفسها عند الآخرين وتنشئ هكذا فئوية حقودة تفتخر بما لها من مجد مزعوم. انك في الواقع تعتز بهذا اللحم الفاني. وقد يكون ذووك من اسوأ الناس. أما قرأت قول الشاعر: "وان الذي بيني وبين بني ابي/ وبين بني أمي لمختلف جدا/ فإن نهشوا لحمي وَفَرْتُ لحومهم/ وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا"؟

ما ترجمة ذلك في حياة الرعية؟ الرعية المثالية ترى افرادا ولا ترى عائلات. والفرق فيها ليس بين هذه الأسرة وتلك ولكن الفرق بين المؤمن الحار والمؤمن الفاتر، بين القاهر والمقهور وفي العيلة يتراكم الصالح والطالح، النقي والدنس، المشاغب والمسالم. وفي مجلس الرعية لم نأت في القانون على تمثيل العائلات فنحن لسنا مجلس بلدية ولكننا مجتمع كنسيّ. ومجلس الرعية لا تتمثل فيه العائلات اصلا. وان رضخت لهذا هنا وثمة فمن باب تسليمي بالضعف البشري. وعلينا ان نسعى لنغلب الضعف البشري.

ليس في الرعية من تمثيلٍ ففي الكنيسة لا يمثل احدٌ احدا ولكن المحب للمسيح يأتي الينا بالطاقات الحقيقية التي يحمل. وقد لا تحمل عائلة قدرة روحية فيها ويكون "تمثيلها" مؤذيا. اذا كنت انت في الحق فالحق الذي فيك يعطي الحياة الجديدة.


جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)