(PL 54: 340-341)

يا لقوة الصليب العجيبة
يا لمجد الآلام الذي لا يوصف

أيها الإخوة، عندما ننظر إلى المسيح المرتفع على الصليب، لا نفكرْ فقط في الصورة التي ظهرتْ لعيون الخطأة الذين قيل لهم على فم موسى: "وتكون حياتك أمام عينيْك، ويملأك الرعب ليل نهار، ولاتأمن على حياتك". لم يقدرْ هؤلاء أن يروْا شيئا في صليب المسيح، سوى خطاياهم. وقد ملأهم الرعب والخوف، لا لأن الإنسان يجب أن يبرر بالإيمان، بل لأن ضمير الخاطئ سوف يبقى دائما عرضة للعذاب. وأما نحن فلْنستقبلْ بعقلنا الذي ينيره روح الحق، وبقلب حر نقي، مجد الصليب المالئ بنوره السماء والأرض. ولْننظرْ بعين الروح لنفهم معنى كلام يسوع، لما تكلم على آلامه الوشيكة فقال: "اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج. وأنا إذا رفعْت عن الأرض جذبْت إلي الناس أجمعين" (يوحنا 12: 31-32).
يا لقدرة الصليب العجيبة. يا لمجد الآلام الذي لا يوصف: إذ تتجلى فيه محكمة المسيح، والحكم على العالم وقدرة المصلوب. لقد جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما فتحْت ذراعيْك النهار كله إلى شعب غير مؤمن مخاصم، فقبلك العالم كله وعرف جلالك واعترف بك. لقد جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما حكمت العناصر كلها حكما واحدا على خطيئة منْ صلبك، فأظلم نور السماء، وتحول النهار ليلا، واهتزت الأرض على غير عادة، وأنكر الكون كله ما صنع الأثمة. جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما انشق حجاب الهيكل، وتباعد قدس الأقداس عن الأحبار غير المستحقين: لما صار الرمز حقيقة، والنبؤة ظهرتْ، والإنجيل حل محل الشريعة.
جذبْت كل شيء إليك، يا رب: فبعد أن كانت العبادة تتم في هيكل واحد في اليهودية بالصور والرموز، صار يحتفل علنا وصراحة بالسر في الشعوب والأمم كلها. الآن، زادتْ رتبة اللاويين مجدا، وكرامة الشيوخ مهابة، ومسحة الكهنة قداسة. لأن صليبك هو مصدر جميع البركات وسبب جميع النعم. به تعطى للمؤمنين القوة في الضعف، والمجد في المهانة، والحياة في الموت. الآن كفتْ جميع أنواع الذبائح الجسدية، وغدتْ كل أنواع القرابين قربانا واحدا، هو قربان جسدك ودمك. لأنك أنت الحمل الحقيقي الذي تحمل خطايا العالم. ولهذا فيك تمتْ جميع الأسرار. وكما أن الذبيحة واحدة لجميع الأضاحي، كذلك سيكون الملك واحدا لجميع الشعوب.