القديس اثناسيوس الكبير
معلّم المسكونة
(+373م)
وسطه ونشأته
لا نعرف تماماً متى كانت ولادته. نعرف فقط أنها كانت في حدود العام 295م. كذلك لا نعرف أين كانت. ثمة ما يبعث على الظن انه ربما ولد في مكان ما بقرب مدينة الإسكندرية، مما يفسّر اُلفته بآباء البرية وتعلقه بمثالهم. أنّى يكن الأمر فالبادي انه كان قبطياً أكثر مما كان يونانياً. وقد أشار القدامى إلى السمرة غير العاجية لبشرته. كان يقرأ ويكتب ويعظ بالقبطية. هذا لا شك فيه. لم يعرض لاضطهاد المسيحيين في سنواته الخمسة العشر الأولى من حياته. حملة ذيوكليسيانوس قيصر على المسيحيين امتدت من السنة 303 إلى السنة 311م. ماذا كان وقعها عليه؟ لا نعلم بالتدقيق، لكن هناك من يميل إلى الربط بعامة بين تشبّت الشهداء بالإيمان وصلابتهم، من ناحية، وما أبداه أثناسيوس في صراعه ضد الآريوسية، من ناحية أخرى، من أمانة وصلابة وطول باع. فالواضح أن نفسه كانت مطبوعة على روح الشهادة للرب يسوع. وقد سرى عنه، عبر العصور، في هذا الشأن، قول جرى مجرى المثل الشائع يوم كادت الآريوسية تبلع العالم: "أثناسيوس ضد العالم. Athanasios contra mundum".
ماذا عن علمه وثقافته؟ لا نعرف الكثير. يبدو انه لم يتثقف بثقافة اليونانيين نظير كبار القديسين كباسيليوس الكبير والذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي. الكنيسة تعلّمها، بصورة خاصة، من الكأس المقدسة، من المعلمين المسيحيين وأوساط المؤمنين والدوائر الأسقفية في الإسكندرية حيث يبدو انه انضم حدثاً إلى حاشية القديس الكسندروس، أسقف المدينة. بعض معلميه، على ما أورد هو عبوراً، قضى في زمن الاضطهاد. هذا ربما فسّر حدّة روح الشهادة لديه.
وقد شاعت عن كيفية التصاقه بأسقف الإسكندرية، الكسندروس، رواية مفادها انه فيما كان الأسقف، يوماً، في دارته المطلّة على البحر، لاحظ، في المدى المنظور، على الشاطئ، حفنة من الأولاد يلعبون. كان واحد منهم يقف في الماء فيما كان رفاقه يتقدمون واحداً واحداً كما في زياح، فيصبّ عليهم الماء وينصرفون. فأخذ الأسقف يتساءل: ترى ماذا يفعلون؟ وبدافع الفضول أرسل في طلب الولد وسأله ماذا يعمل؟ لماذا يصب الماء على رؤوس الأولاد الآخرين؟ فاجابه: أعمدهم! وهل تعلم كيف؟ نعم! علّمتهم أسرار إيماننا ولقّنتهم الصلوات وكيف يستعدون لاقتبال المعمودية ثم عمّدتهم! الأولاد، بالمناسبة، كانوا وثنيين. فتعجب الأسقف واكبر ما فعله الصبي. وإذ مال إليه ورغب في تبنّيه استأذن والديه وضمّه إليه. وبعد سنوات قليلة أضحى مقدماً عنده كابن لأبيه وحافظ سره.
ملامحه:
كيف بدا للعيان ذاك الذي أبدى من الجرأة والصلابة ما ادهش العالم؟ كان نحيف البنية، قصير القامة. أعداؤه دعوه قزماً. وكان معكوف الأنف، صغير الفم، ذا لحية قصيرة محمرّة وبشرة تميل إلى السواد وعينين صغيرين.. وقد اعتاد أن يمشي بانحناءة بسيطة إلى الأمام ولكن برشاقة ولباقة كأنه أحد أمراء الكنيسة.
أثناسيوس وآريوس: أول الغيث!
سنة 318م، وبناء لطلب الكسندروس، كتب أثناسيوس، وهو بعد في أوائل العشرينات من عمره، مقالتين إحداهما ضد الوثنيين والأخرى بشأن تجسد كلمة الله. تضمنت المقالتان لبّ الرسالة التي شاء الرب الإله لاثناسيوس أن يفتّقها وينقلها إلى العالم. وحدث في السنة 319 أن دعا الكسندروس إلى اجتماع لكهنته عرض فيه لوحده الأب والروح القدس في الجوهر، فلم يرق كلام الأسقف لاحد الكهنة الحاضرين، وهو آريوس، الذي اعترض وطعن في وحدة الجوهر الإلهي قائلاً: "إذا كان الأب قد ولد الابن فلا بد من أن يكون المولود ذا بداءة في الوجود، وهذا معناه انه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجوداً. ومعناه أيضا أن الابن اقتبل جوهراً من العدم". قول آريوس هذا استتبعه اعتبار الابن دون الأب ولو سما على الإنسان، ومن جوهر غير جوهر الأب، وان دوره بين الله والإنسان لا يتعدى دور الوسيط. وكل ما أُسبغ عليه من تسميات، كالسيد والمخلص والإله، إنما اسبغ عليه مجازاً، من باب التوسع. الكسندروس استفظع وحاول ردّ آريوس عن غيّه عبثاً. كثيرون، محلياً، تدخّلوا ولكن على غير طائل. آريوس عاند وتمادى. وقليلاً قليلاً بدأ أثناسيوس يلعب الدور الأبرز في الصراع. تكلم عن الكسندروس. واجه آريوس بقوة ودون هوادة. أما الكسندروس فأطال أناته على آريوس بما فيه الكفاية، ولما تبين له انه لم يعد هناك مجال للعلاج جمع أساقفة مصر وليبيا وحكم بقطع آريوس. كان الموضوع خطيراً. كل وحدة الله كانت مهددة. كل التدبير الخلاصي بيسوع المسيح أضحى بلا معنى. استقامة الرأي باتت في خطر!
من كان آريوس؟
كان آريوس ليبياً، راعياً لكنيسة بوكاليس. لا نعرف عنه الكثير. كتاباته أكثرها أتلف أو ضاع. كان حاد الذهن، ضليعاً في الفلسفة، خبيراً في الاستدلال المنطقي. وقد وُصف بأنه طويل القامة، نحيف، متنسك، واثق من نفسه، يتكلم كمن له سلطان. كان في الثالثة والستين حين قاوم الأسقف الكسندروس. وقد سبق له أن التصق، لبعض الوقت، بجماعة منشقة تمتّ إلى أسقف يدعى ملاتيوس بلبلت الكنيسة في الإسكندرية. وثمة من يقول انه كان رجل طموحات ويطلب المعالي، فلما خاب عن بلوغ سدّة الأسقفية الأولى على مصر، تحوّل إلى مقاوم ومعاند إثباتاً لنفسه. انّى يكن الأمر فقد تعاطى آريوس الحقائق الإيمانية كما لو كانت مسائل فلسفية. الموضوع بالنسبة إليه كان موضوع منطق واستنتاجات منطقية، على مذهب بعض التيارات الفلسفية في زمانه. ولكي يجعل آراءه على كل شفة ولسان نظم بعضها على الموسيقى فأضحت أغان ترددها العامة في كل مكان.
البدعة تنتشر
وشاعت البدعة هنا وثمة كان فيها ما يستهوي كثيرين تعاطوا المسيحية أو كانوا مستعدين لان يتعاطوها كفلسفة جديدة. وكثيرون سعوا إلى المزاوجة بين المسيحية وهذا التيار الفلسفي أو ذاك وفشلوا. عشرات الهراطقة تولّدت وعشرات المذاهب نشأت كان يمكن أن تودي بالكنيسة الفتية إلى التهلكة أو تجنح بها إلى الفساد لو لم يكن روح الرب حافظها وعاصمها. هذا إذن كان المناخ الفكري العام، آنذاك، لا سيما في أوساط المفكرين المسيحيين. فلما نزلت هرطقة آريوس إلى سوق الأفكار، وهي أسوا واخطر ما ظهر، تلقفها العديدون. تجدر الإشارة، على رأي بعض الدارسين، أن للآريوسية بصورة أساسية، علاقة بالغنوصية التي يبعد فيها الكائن الأعظم عن المخلوقات، وبالأفلاطونية الجديدة التي تبدو فيها الكلمة في وضع الوسيط بين الواحد والمتعدد، بين الروح والمادة، وبالمخفضين، أمثال أوريجنيس المعلم، الذين خفّضوا مرتبة الابن ومرتبة الروح القدس فقالوا بثالوث متدرّج غير متساوٍ في الجوهر الواحد. إلى ذلك احتضن آريوس وقدّمه عددٌ من المتنفذين نظير افسافيوس، أسقف قيصرية فلسطين، وافسافيوس أسقف نيقوميذية، العاصمة الشرقية للإمبراطورية قبل القسطنطينية، وبولينوس، أسقف صور، واثناسيوس أسقف عين زربة، وغريغوريوس أسقف بيروت، وماريس أسقف خلقيدونية. آريوس خرج من مصر إلى قيصرية فلسطين ومنها إلى نيقوميذية. ومن هناك اخذ يبث سمومه يميناً ويساراً فاحتدم الصراع. مصر، ليبيا، فلسطين، أسيا الصغرى وسواها كلها اضطربت. قطبا الصراع مصر ونيقوميذية. لكن شيئاً فشيئاً كل الأساقفة دخلوا في جدل فيما بينهم، دخلوا في صراع. والصراع طال الشعب. في بعض الأمكنة تحول الجدل إلى صدام فتضارب الناس وتقاتلوا وسالت الدماء. هكذا لاح في الأفق، بصورة جدية، خطر الحرب الأهلية، فكان لا بد للسلطة الحاكمة من أن تتحرك لتحسم الأمر وتضع حداً للجدل.
مجمع نيقية
بلغت أصداء الصراع الناشب أسماع قسطنطين الملك فتنبه وتخوف. لم يدرِ تماماً ما الذي كان القوم يتجادلون في شانه. استعان ببعض أصدقائه ومستشاريه العارفين أمثال هوسيوس، أسقف قرطبة. وبعد التداول معهم استقر رأيه على الدعوة إلى مجمع يضم أساقفة المعمورة يكون دورهم بصورة أساسية، أن يحددوا له موقف الكنيسة الجامعة من المسائل المطروحة وهو يلتزمه ويكفل فرضه بالقوة. همّ قسطنطين الأول كان الحفاظ على الهدوء والنظام ووحدة الإمبراطورية.
على هذا الأساس، تقرر أن يكون مكان الاجتماع مدينة صغيرة تدعى نيقية، وهي ازنيق الحديثة، في القسم الشمالي من أسيا الصغرى، على بعد أميال قليلة من مدينة نيقوميذية، كما وجّهت الدعوة إلى الف وثمانمائة أسقف لحضور المجمع، ووضعت وسائل النقل الرسمية في تصرفهم. لا نعرف تماماً عدد الذين لبّوا. في تراثنا انهم 318 على عدد الخدام الذين تمكن إبراهيم الخليل بهم من فك اسر ابن أخيه لوط، في سفر التكوين(14:14).
التأم المجمع في 14 حزيران سنة 325م. عدد كبير من الكهنة والشمامسة رافقوا الأساقفة. ستة أساقفة وكاهنان أتوا من الغرب. والباقون كانوا شرقيين. بعض الذين حضروا كانوا معترفين حملوا في أجسادهم سمات الآلام لاجل اسم الرب يسوع: بولس أسقف قيصرية ما بين النهرين، ذو اليدين المحروقتين المعطوبتين، وبفنوتيوس الصعيدي المقلوع العين اليمنى والمعطوب الرجل اليسرى، وبوتامون الهرقلي الأعور. كما حضر أساقفة عُرفوا بقداسة السيرة كسبيريدون القبرصي ويعقوب النصيبيني. القديس أثناسيوس الكبير كان رئيس شمامسة ورافق أسقف الإسكندرية الكسندروس وتكلم باسمه. من رأس المجمع؟ لا نعرف تماماً. ربما هوسيوس أسقف قرطبة وربما افستاتيوس أسقف إنطاكية. في خطبة افتتاحية، دعا قسطنطين الملك الحاضرين لإزالة أسباب الشقاق من بينهم وتوطيد السلام.
عرض آريوس أفكاره، فتصدى له الفريق الأرثوذكسي. أثناسيوس، ولو شماساً، كان الأبرز في الرد على آراء آريوس والتصدي لحججه وتبيان عطبها. ساد اللغط. تبلبلت الآراء. احتدم الجدال. اقترح هوسيوس وضع دستور إيمان يكون أساساً للإيمان القويم. في ضوء تعاليم الآباء، جرى اعتماد نص يشكل أساس دستور الإيمان النيقاوي القسطنطيني الذي نتلوه اليوم. الفريق الآريوسي تقزّم. استبانت مفسدة آريوس جلية للعيون. حكم المجمع بقطع آريوس. تبنى قسطنطين الملك قرارات المجمع واصدر قراراً، على ما ورد عند المؤرخ سقراط، قضى بحرق كتب آريوس وحذّر من يقتنيها سراً ويروّج لها بالموت. انقضّ المجمع بعد حوالي سبعة أسابيع من انعقاده، يوم الخامس والعشرين من تموز.
يومها ظُنّ أن ملف آريوس طوي وان الكنيسة استراحت والإمبراطورية استكانت إلى وحدتها من جديد. ولكن أثبتت الأيام أن ما جرى لم يكن سوى حلقة من مسلسل الآلام التي حلّت بالكنيسة الجامعة وبالقديس أثناسيوس الكبير كرمز لها، إن لم يكن رمزها الأوحد، على امتداد سنين طويلة.
قول أثناسيوس
التركيز في دفاع أثناسيوس كان على تراث الكنيسة وتعليمها وإيمانها كما سلّمه السيد وكرز به الرسل وحفظه الأباء. في مقابل ميول مناهضيه العقلانية قدّم قديسنا الإيمان على العقل. أرسى أسس الفكر اللاهوتي القويم كما لم يفعل أحد من قبله. من هنا فضله ومن هنا تسميته في تراثنا ب " أب الأرثوذكسية" أو كما دعاه القديس غريغوريوس اللاهوتي "عمود الكنيسة".
كلمة الله، عند آريوس مولود فهو إذن مخلوق، من نتاج مشيئة الأب السماوي. عند أثناسيوس، كلمة الله مولود ولكنه غير مخلوق لانه نابع من جوهر الأب لا من مشيئته. هو منه كالشعاع مع الضوء. ليس فقط أن كل ما للابن هو للأب بل كل ما للأب هو للابن أيضا. كل ملء اللاهوت هو في الابن كما في الأب. الواحد لا ينفصم عن الأخر. من رآى الابن فقد رآى الأب في آن. ليس الأب من دون الابن ولا الابن من دون الأب. كما الضوء والشعاع واحد، الأب والابن واحد. لذلك لم يكن هناك وقت أبدا لم يكن فيه الابن موجوداً وإذا كان الأب والابن واحداً فالأب مميز عن الابن والابن مميز عن الأب. ثم وحدانية الأب والابن في الجوهر مرتبطة بتجسد الابن وبالتالي بخلاصنا لان الذي اتخذ بشرتنا واتحد بها إنما أعطانا أن نتحد به وان نتخذ الوهته. من هنا كلام القديس بطرس في رسالته الثانية(4:1) عن صيرورتنا "شركاء الطبيعة الإلهية"، وكلام القديس أثناسيوس نفسه عن كون: "الله صار أنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً". لو لم يكن الابن من جوهر الأب لما كان بإمكانه أن يجعلنا على مثال الأب. وكما الابن كذلك الروح القدس. الروح القدس أيضا من جوهر الأب وإلاّ ما أمكنه البتة أن يؤلهنا، أن يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية.
الموضوع، بالنسبة للقديس أثناسيوس، كان موضوع الخلاص برمّته. قول آريوس يتعدى كونه مجرد رأي لان اقتباله معناه ضرب المسيحية في الصميم. فلا مجال للمساكنة أو المهادنة. الزغل في الآراء في هذا الشأن، قضاء على الكنيسة. أثناسيوس وعى دقة المسألة وخطورتها حتى العظم، فأتت حياته، في كل ما عانى على مدى ست واربعين سنة، تعبيراً عن تمسك لا يلين بكلمة حق الإنجيل والإيمان القويم.
أثناسيوس بطريرك
إثر انفضاض مجمع نيقية، عاد الكسندروس الإسكندري إلى دياره فسام أثناسيوس كاهناً وسلمه مقاليد الإرشاد والوعظ وشرح تعاليم المجمع النيقاوي. ثم بعد ثلاث سنوات رقد الكسندروس(328) فاختير أثناسيوس ليحل محله. لم يكن الاختيار من دون صعوبات. أثناسيوس كان له مناهضوه، لأسباب عديدة بينها أسباب شخصية كفتوته. كان في الثلاثين يومذاك. ثم أن البعض اعتبروه متصلباً قاسياً تنقصه المرونة في التعاطي مع الآخرين. أنّى يكن الأمر فقد ورد أن قديسنا لجأ إلى أحد الديورة هرباً من الأسقفية لكنه رضخ بعد للأمر الواقع.
أولى مهام أثناسيوس كرئيس أساقفة على الإسكندرية وتوابعها، كانت استعادة الوحدة والنظام في ابرشيته الشاسعة التي عانت لا من الهراطقة الآريوسية وحسب بل من جماعة ملاتيوس المنشقّة أيضا وكذلك من الانحطاط الخلقي وانحلال الانضباط الكنسي. وعلى مدى سنوات جال أثناسيوس في كل الأنحاء المصرية، حتى الحدود الحبشية، يسيم الأساقفة ويختلط بالمؤمنين الذين اعتبروه إلى النهاية أباً لهم. كما تفقّد الأديرة، حتى التي في برية الصعيد، وأقام لبعض الوقت في دير القديس باخوميوس(15 أيار). باخوميوس كان يقّدر أثناسيوس كثيراً، وقد سماّه أب الإيمان الأرثوذكسي بالمسيح.
أقام أثناسيوس الأسقف في شيء من الهدوء يرعى شعبه سنتين. ثم انفجر الصراع مع الآريوسية من جديد وعلى اخطر مما كان قبل مجمع نيقية.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس

المفضلات