التعصب ينشأ من افتخار الانسان بأهل ملته. تاريخهم، يقول، افضل تاريخ. انهم عنده احسن الناس لأنهم اصيلون، موهوبون، متمدنون. يفتخر الانسان بقدمه ويستكبر على الآخرين. يحتقرهم أقال ذلك ام لم يقله تهذيبا. في الحقيقة يريد هذا الانسان ان يستقوي بمن يذهبون مذهبه ليحس انه ليس بوحيد. يحلم الارثوذكسي مثلا بالأمجاد الماضية مع انه لا يعرفها. يقول عندنا عظماء بين المفكرين (الواقع اننا اعطينا في هذه المنطقة قلة من المفكرين). يقول كان عندنا سياسيون كبار (الواقع ان كبار المناضلين السياسيين لم يكونوا منا او كان عددنا قليلا جدا). يقول: ظهر من بيننا من وضع نظريات سياسية، ولكن هل كان هؤلاء يعون انتماءهم الى الكنيسة الارثوذكسية وهل كانت نظرياتهم مستوحاة من كنيستهم؟

لا يحق لجماعة ان تنسب لنفسها مجدا بالمقارنة مع غيرها. هذا لا يحافظ على كرامة الآخرين. هذه الثرثرة الصالونية التي يتعاطاها ابناؤنا ضد اخوة لنا في المسيح او في الوطنية لا تليق بنا. نحن نكبر بعفة اللسان وبالتواضع. ولو شئنا ان نقارن انفسنا بالآخرين قد لا نجد المقارنة لصالحنا. كل الناس يبذلون في سبيل كنائسهم وكهنتهم وفقرائهم اكثر مما نبذل نحن ويبنون المعاهد والمعابد والمستوصفات بعدد اوفر. علينا ان نتشبه بسخائهم لا ان ننتقدهم تغطية لكسلنا.

الجماعات الدينية كلها فقيرة الى الله. وفيها من المآسي والضعفات الشيء الكثير.ليس من طائفة تتلألأ بالمجد. كلها تعسة بسبب من الفساد الذي يتأكلها. الواقع ان المجموعة الارثوذكسية يحق لها ان تفتخر اذا لم تنسب لنفسها مجدا عالميا باطلا، اذا صارت بالفعل كنيسة المسيح، اذا اعطت مجدا لله هذا الذي نقول له في القداس "لك ينبغي المجد والإكرام والسجود". المجد يمكن ان ننسبه تاليا الى الكنيسة الارثوذكسية لا الى طائفة تفتك بها خطاياها.

التائبون لا يعتزون بشيء فيهم لأن الرسول يقول: "من افتخر فليفتخر بالرب" (1 كورنثوس 1: 31). قبل هذا قال لأهل كورنثوس "ليس فيكم ... كثير من المقتدرين، ولا كثير من ذوي الحسب والنسب... وما كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقرا فذلك ما اختاره الله: اختار غير الموجود ليزيل الموجود، حتى لا يفتخر بشر أمام الله".

في الرسالة الثانية الى اهل كورنثوس يقول: "نحن لا نعرف احدا بعد اليوم معرفة بشرية" (5: 16). العائلات تموت روحيا اذا تبجحت بما عندها من مال او بما تعتبره قدما وأصالة. "فاذا كان احد في المسيح، فإنه خلق جديد". الأتقى بيننا والأقدر على المحبة هو اولنا ولو كان ينتمي الى عائلة صغيرة او وافدة او كان لا يملك شيئا ولا اسما.

التعصب العائلي والتعصب الجماعي كلاهما سيء. من ظن ان عائلته شريفة بماضيها او نفوذها يخدع نفسه لأن فيها الصالح والطالح. من ظن انه هو نفسه شيء يصبح لا شيء لأن فيه عيوبا كثيرة او قليلة. من آمن ان الرب هو كل شيء حظه كبير ان يصير شيئا.


جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)