جدرانٌ هجرها الطّلاء واستقرّت في زواياها شباك العنكبوت الحريريّة، الخاوية من العناكب الّتي غادرتها منذ بضعِ سنواتٍ.
ساعةُ حائطٍ مُعلّقةٌ على إحدى تلكَ الجدرانِ أعلَنت عقاربُها الاستسلام، وتوقّفت عنِ الدوران،
وكأنَّ استمرارَ الزَّمنِ خارجَ هذهِ الجدران لن يُغيَّرَ من واقعِ الحال داخلها.
أمّا بابُ الغرفةِ الخشبي فقد تآكلَت زواياهُ…
وملأت الشُّقوقُ حوافُه…
فَبدا بائساً
مُتلهفاً للمسةِ يدٍ تُحدِثُ عليهِ بِضعَ نقراتٍ تَبُثُّ الأملَ في كيانِ تلكَ الغرفة.

حدَّقَت عيناها في كُلِّ هذهِ الأشياءِ الَّتي بدَت غريبةً عنها
وكأنها تراها لأوَّل مرَّةٍ
وتجلَّت أمامها مرارةُ الحقيقةِ…
حقيقة حياتها البائسة عبرَ سنينَ طويلةٍ.
عشعشَ الضجرُ خلالها في غرفتها
ونفسِها
وملَّت أُذناها من استقبالِ صدى صوتها عبرَ الجدرانِ
فجعلَت منَ الصّمتِ حليفاً لها…
وآثرَت إغلاقَ مُقلتيها
والهروبِ إلى عالمِ الخيالِ
عوضاً عن التحديقِ في واقِعها البائس
والغرقِ في وحدتها القاتلة.

كُلُّ تلكَ الصُّورِ تتابعَت أمامي عبرَ مُقلتَي تلك العجوز المسكينة الَّتي كانت موضوعَ درسنا السريري لمادةِ "العصبية" حيثُ تمَّ نقلُها إلى المشفى بعدَ أن وُجدَت غائبةً عنِ الوعي في غُرفتها إثرَ جلطةٍ دماغية.
لم يكفِّ زملائي الطلاب، والطبيب المشرف، عن التّذمرِ من صمتِها وعدمِ تجاوبها مع محاولاتهم الحثيثة لإجراءِ الفحصِ السَّريريّ لها.
أما أنا فقد تابَعتُ التَّحديقَ في أخاديدِ وجهها، وسافَرتُ عبرَ نظراتها الكئيبةِ إلى عالمها المظلمِ. حيثُ كانت الوحدةُ سبباً في كسوفِ شمسهِ، ممّا ولّدَ فيها رغبةً قويِّةٍ بالفرارِ من الحياة…
أطلقْتُ العنانَ لخيالي الّذي سرحَ بي بعيداً… ولم أشعر إلا بصديقتي تلفظُ اسمي، وتنظرُ إليَّ بغرابةٍ لتنتشلني من غمرةِ أفكاري وتُعيدني إلى الواقعِ، حيثُ كان الدرس السريريّ الّذي لم يبدأ فعلياً قد انتهى…
ألقيتُ نظرةَ وداعٍ على تلك العجوزِ
ثُمَّ غادرْتُ الغرفةَ
لكنَّ صورةَ وحيدةَ ظلَّت قابعةً في ذاكرتي ترفضُ أن تتلاشى…
صورةُ عينين ملأتهما الدموعُ الُتي رفضَتِ الانسيابَ بعيداً
وهجرانهما
كما هجرتهما رؤيةُ أشخاصٍ كثيرين عبرَ سنينَ طويلة.