بعد أن اعترفت الفتاة بحالتها الروحية الفاترة وعدم إحساسها بالله , نظرت في بعيون ساهمة تنتظر من أبيها الروحي أن ينفخ في قلبها الجاف نبضة حياة . تركز حديثه إليها عن محبة الله الفياضة وأحضانه الأبوية وعطاياه التي بلا حدود . وبعد حديث مسهب يلين الحجر رفعت عينيها وقد امتلأتا ببلادة وقالت " لا أظن أن الله يحبني , فأنا لم أتذوق منذ طفولتي محبة من أحد " .


تمثل هذه الفتاة نموذجاً للنفس الجافة التي لم تسر فيها عصارة الحب منذ الطفولة . فالقلب الذي لم يجد حضناً دافئاً ويثير فيه أحاسيساً جميلة من النشوة والسعادة يظل كيانه غالباً عطشاناً إلى ماء لا يدرك كهنه لأنه لم يتذوق من قبل , فلا هو قادر أن يستمتع بمحبة يقدمها له آخر , لأنه لا يثق أنه محبوب من أحد ولا هو قادر بالتالي أن يفيض بالحب على أحد , لأن كيانه أساساً محروم من النبع .

إن الجوع عند الإنسان أن " يُحِب ويُحَب " عميق جداً لذلك فإن لم يشبع فيه منذ الطفولة لا يكون مهيأ بفهم العلاقة المسيحية بينه وبين الله , لأنها مبينة على الحب المتبادل كما أن علاقاته بلآخرين تغدو غير خصيبة بالأحاسيس الإنسانية , وغير ممتدة الجذور بالتواصل العميق والمتين , لأنها تخلو من صدق الحب اللازم لكثير من احتياجات حياة سعيدة . هذا ما أكده أحد العلماء إذ قال " لا خلاف في أن إبداء المحبة وتلقيها يعطيان المرء شعوراً بالإنتماء مما يوفر له إحساساً بالإطمئنان , وهو أمر ضروري لإمتلاك الثقة , ومن دون الثقة لا نقوى على مواجهة الحياة " .
لذلك على الأب والأم أن يعرفا ما يجب أن يقدماه لإسعاد أبنائهم , عليهم أن يسألوا خبراتهم الشخصية في صحة ما قاله واحد من كبار المفكرين " إن أسمى سعادة في الحياة في التيقن من أننا محبوبون " . لعلهم بذلك يدركون أن الجوع النفسي أخطر من الجوع الجسدي , تأثيره أبطأ ولكن ضرره أكبر .
لذلك علينا أن نلتفت إلى أهمية إطعام أولادنا بالحب قبل الخبز .

تعلم لغة الحب ...
إن الذي لا يجيد التعبير عن حبه لا يحب .
لذلك تعلم كيف تعبر عن حبك وإياك أن تظن أن إبداء العواطف هو للضعفاء فقط .