قد لا يأتي النوم من تلقاء ذاته. عشرون في المئة من الناس يعانون الارق في مختلف المجتمعات نتيجة لضغوط الحياة المتعددة. هذه النسبة ترتفع أكثر بين سكان المدن. ونشير الى ان حاجة الجسم الى النوم هي حوالى 8 ساعات تقريباً لدى الراشد ولكن هناك اشخاصاً قد يكتفون بأربع أو خمس ساعات فقط. ان الحاجة الى النوم ترتبط أيضاً بالعمر. فالرضيع يحتاج الى 16 ساعة يومياً مقابل 12 ساعة للطفل في عمر الرابعة و10 ساعات في عمر العاشرة. وينخفض عدد ساعات النوم كلما تقدم الانسان في العمر. وفي اختصار، يشكل النوم حاجة فيزيولوجية، فهو يوفر الراحة ويشحن الطاقة لليوم التالي، كما ان نسبة هرمون النمو ترتفع اكثر في بداية النوم واثناء فترة النوم العميق. وهذا شيء مهم جداً لتأمين النمو عند الاطفال.
كشفت الابحاث لعام 1999 (جامعات جنيف وليون وستانفورد) عن وجود خلايا عصبية مثلثة (نيرونات أو عصبونات) قابعة في العمق السفلي في عمق الدماغ هي المسؤولة عن النوم وحالات الأرق. وبعدما أحدث الباحثون جروحاً في المنطقة المذكورة لدى الفئران المخبرية، اكتشفوا ان هذه الحيوانات قد أصيبت بحال من الأرق الشديد والدائم. ومن نتائج الدراسة أيضاً ان المنطقة المذكورة تحتوي على عصبونات مثلثة (نيرونات) بنسبة 68 في المئة. بينما تكون الخلايا المتبقية ذات شكل مغزلي. ويبدو ان الخلايا المثلثة هي التي تحمل معها مفتاح النوم.
من الخطأ الاعتقاد أن الانسان يغط دائماً في نوم هادئ وعميق، فهناك اربع مراحل مختلفة للنوم، وبعضها يترافق مع ما نطلق عليه العاصفة الدماغية التي تلي فترة النوم العميق. وخلال هذه العاصفة، تحدث حركات سريعة في العينين واضطراب في التنفس وضربات في القلب وارتفاع في الضغط الدموي ونشاط كهربائي في الدماغ يتجاوز الحد المعروف في حالات اليقظة، وتظهر الاحلام أو المنامات. ويصف العلماء حال النوم هذه، بالنوم المضطرب او المتناقض PARADOXAL. والسؤال: لماذا هذه العاصفة الدماغية وما فائدتها؟
يفيد العلماء بأن هذه المرحلة تعتبر بمثابة تشكيل أو برمجة عصبية - نفسية شبيهة بعملية تنظيف للمواد المضرة والسامة في الجسم، والتي إنْ بقيت، تؤدي الى امراض مختلفة. ومن حسنات العاصفة الدماغية، أنها تؤدي الى اعادة تنظيم في عملية التواصل بين النيرونات (الخلايا العصبية) جاهزة للعمل والنشاط في اليوم التالي.
مشكلة العصر
أكثر من 50 في المئة من حالات الأرق تعود الى تراكم الضغوط والمشكلات النفسية: الخلافات الزوجية، النزاعات والاحقاد في مجالات العمل والعلاقات مع الآخرين، بالاضافة الى الهموم وانشغال البال والآلام الجسدية. ثمة اشخاص عصبيون وانفعاليون في طبيعتهم لا يمكنهم ان ينعموا بنوم عميق وهادئ (عامل تكويني ووراثي). وبحكم استمرار التوتر والضغوط المختلفة، يصير الأرق مزمناً مما يدفع بالمرء الى تعاطي الكحول والمنوّمات للسيطرة على القلق واضطراب النوم الذي يظهر في اشكال عدة: فهذا رجل عصبي وعدواني يصرّ باسنانه اثناء النوم، وهذا رياضي يستيقظ ليلاً بسبب التشنجات العضلية، وآخر ينهض من سريره مذعوراً، وطفل يبكي ويصرخ بسبب الكوابيس... ان هذه الامور ليست خطيرة في حدّ ذاتها ولكنها تشير الى حال نفسية او صحية غير سوية. هل يمكن ان نعيش من دون ان نأخذ قسطاً من النوم؟ النوم حاجة طبيعية، ويبدو ان المرء يستطيع ان يسهر ليالي عديدة ولكنه يصير في ما بعد عاجزاً عن بذل الجهد والتركيز. وتفيد الدراسات عن الجنود الذين يحرمون من النوم بسبب مهماتهم الميدانية، انهم يغرقون في النوم بعد طول عناء، مهما تكون الضغوط الخارجية. فالشخص المحروم من النوم يصير متوتراً او عدوانياً وعاجزاً عن التركيز والتفكير. وفي عام 1965 بقي الشاب الاميركي GARDNER 11 يوماً متواصلاً عن دون نوم، وظل محافظاً على هدوئه ونشاطه، كما ظهر ذلك في المؤتمر الصحافي. ولكن لم يعرف احد ان كان الشاب المذكور قد تعاطى المنشطات أم لا.
علاج ووسائل أخرى؟
المشكلة القائمة في شأن المنومات والمهدئات انها لا تعالج عملية النوم في صورة مباشرة لكنها تساعد في وقف حال اليقظة والتوتر. لذا، هي غير كافية تماماً، تضاف الى ذلك حال الاعتماد التي تخلقها لاحقاً لدى الشخص. صحيح ان المهدئات من مركبات Benzodiazepine (مثل الاتيغان واللوكزتيانيل) تساعد في النوم والهدوء ويلجأ اليها ملايين البشر في العالم، ولكن مشكلة الارق تبقى قائمة، وكذلك مشكلة الاعتماد وزيادة الكمية.
ان المهدئات المذكورة لا تعمل مباشرة على مستقبلات Gaba الخاصة بالنوم وبالنيرونات المثلثة. لذا، حاول بعض العلماء اليوم ان يدرسوا مادة الهستامين Histamine التي قد تؤدي دوراً ما في ميكانيزم اليقظة. وكما نعلم، فإن الاطباء يصفون غالباً أدوية مضادة للهستامين من أجل معالجة الحساسية. ومن المواد الحديثة في هذا المجال، نذكر ميندتونين. ويبدو ان العديد من الاميركيين يتناول هذا المركب لمقاومة الارق لأنه لا يتطلب وصفة طبية. وهذا العقار يعتبر موازياً لهرمون تفرزه الغدة النخامية وهو يساعد في النوم وتنظيم الساعة البيولوجية.
على القارئ ان يدرك ان هناك وسائل اخرى غير الدواء يمكن استخدامها للتخفيف من حال الارق. ومن هذه الوسائل نذكر:
- الغذاء: امتنع عن تناول القهوة والشاي والكولا وما شابه، وكذلك عن اللحوم الحمراء في الفترة المسائية، ولتكن وجبة العشاء خفيفة تحتوي مثلا على اللبن القليل الدسم والفاكهة مثل التفاح او العسل، وليكن ذلك قبل النوم بساعتين. امتنع أيضاً عن تناول الكحول لأنها تؤدي الى اضطراب النوم وحدوث الكوابيس.
- تجنب الجدل والشجار والنقاش الحاد مع الآخرين في الفترة المسائية، وحاول ان تكون هادئاً وتعلّم ان تؤجل التفكير بهمومك الى الغد. وانت ممدد على سريرك، حاول ان تغمض عينيك، وتضع همومك في كيس، وعليك ان ترمي به في مجرى النهر (تخيّل ذلك المشهد كأنه حقيقي يجري امامك).
- لا تقرأ كتباً عملية او صعبة او مزعجة، ولا تمارس الرياضة العنيفة في الفترة المسائية لأن ذلك يثير الجسم ويحول دون تحقيق النوم والراحة. حاول أيضاً ان تذهب الى الفراش في ساعة محددة، فهذا الامر يساعد الجسم في ضبط الساعة البيولوجية.
- تجنب الضوضاء والوسادة السميكة او الصلبة. ويبدو ان المرء يستطيع ان يتكيف مع صوت المكيف، بعكس صوت الدراجة النارية التي تلهب الاعصاب. ومن الناس من يعتادون على الضوضاء، وقد يجدون صعوبة في النوم في جو من الصمت والهدوء.
- تعلم الاسترخاء، فهو يساعدك في ازالة التوتر والارق، لكن الاسترخاء الجسدي لا يكفي، فهناك الاسترخاء النفسي الذي يعني السلام داخل النفس وطرد الهموم والتوكل على الله.
- وأخيراً، ينصح اختصاصيو العلاج النباتي باستخدام بعض الأزهار والأعشاب لمقاومة الأرق والتوتر مثل زهرة الناردين وزهرة الكافا. وفي صيدليات أوروبا العديد من هذه الاعشاب والازهار التي اظهرت فائدتها وتخلو من الآثار الجانبية.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
لأنك أنت يارب سوف تضيء شمعتي أيها السيد الرب إلهي إجعل هكذا ظلمتي نورا
رد مع اقتباس
المفضلات