قراءة في موضوع الإصلاح
الأحباء في المسيح ، الإخوة أعضاء مجمع القديس أثناسيوس . و الأخوة الأحباء الأقباط ، و أخيراً أعضاء الكرسي الإسكندري و الأنطاكي الأورثوذكس. سلام المسيح يكون مع الجميع. أنا سعيد لوجود النقاش الذي دار بين الأخ أليكسيوس (Orthodox Antioch) ، و الأخ المحبوب مايكل ( New Man 4 jesus)
أحب أن أضع هذه المشاركة بعد صمت طويل اتجاه هذا الموضوع في انتظار مبادرة مكتوبة من الأنبا مكسيموس ، و التي ظهرت في كتابه الجديد. و لكن قبل ذلك أحب أن أنوّه عن مجموعة نقاط حتى يتسنى لنا أن نخرج بفائدة أو ثمر من النقاش.
أولاً : و هي موجهة للأقباط بالذات. يجب ألا يكون الخلاف الدائر بين مجمع المقطم و المقر الأنبا رويس في العباسية سبباً لأن نُسقِط على الناس أبسط حقوقهم الإنسانية ألا و هي الإحترام. إن الجدل الذي وصل مرحلة ( الردح ) من جهة الأنبا رويس فقط ، هو مشكلة يجب أن يعيد رعاة الكنيسة القبطية النظر في خطابهم هذا ، لأنه للأسف الشديد جداً صار لغة أبناؤه ، الكنيسة القبطية للأسف لا تعلم رعيتها اليوم أي قيم روحية من أي نوع ، و هو السبب الذي جعلها اليوم بلا هوية . و لما أتكلم عن الهوية فإني لا أقصد الألحان و النقوش و اللغة و هذه الأمور البسيطة ، بل الحضارة و الثقافة و الفكر . لقد صار القبطي يمارس ضد شباب الطوائف الأخرى نوعاً من الإستهزاء الشديد جداً و السبب هو إتباعهم نظرية ( أنتم الأعلَون) . لا دخل للخلاف اللاهوتي أو العقائدي بأي حال من الأحوال بالسلوك الفردي . لو دخلنا أي منتدى قبطي على الإنترنت أو حتى مجموعة Anba Maximus Lovers سنجد الأقباط يدخلون و يتكلمون بشكل يبلغ أحياناً مستوى الصفاقة. ظناً منهم إنهم يخدمون الله ( يو 16 : 2 ) . و الغريب في الأمر أن شباب المقطم ضربوا مثالاً متحضراً على احتمال هذا الكم من الصفاقة بعد حذف أي مشاركة ، و الرد بشكل مسيحي جداً.
ليست مسألة الإنتماء هو مرادف لشتم الآخر أو تكفيره ، و في نفس الوقت ليس الكلام باحترام هو موافقة على رأي الآخر . و لكن الأخلاق لا تحتاج ديناً كي يعرّفها ، فما بالك بالمسيحية التي لا تُحسَب دين. و مع ذلك ، فإن الأقباط الذين يدخلون في مثل هذه الحوارات لا يحاولون الإقناع بقدر محاولتهم تقديم فروض الولاء و الطاعة لشخص معين.
إن هذه الثقافة وليدة مصدرين :
1-ثقافة المجتمع الإقصائي ، و الذي لم يجد له بديل يناظره أو يواجهه في الكنيسة القبطية اليوم ، فدخل لها من خلال الذين يديرون مدارس الأحد ممن يفتقرون الأهلية .
2-الكبت الشديد الواقع على الأقباط بسبب وجودهم "كأقلية" ، و صراعهم الشديد من أجل انتزاع حقوق المواطنة من فك المجتمع العربي "الأكثرية". هذا الضغط المصاحب للإحباط ، مع انعدام المنابر وسط الإعلام الأوحد ، انعكس بدوره على أسلوب تعامل الأقباط " الأكثرية " مع أتباع المقطم " الأقلية" .
إن الخلاف الشخصي الدائر بين طرفي النزاع ، و أقصد الأنبا شنودة الثالث و الأنبا مكسيموس ، يجب ألا يكون سبباً لأن تُدار رحى حرب بين الشعب البسيط الذي لا ناقة له و لا جمل في هذه القضية. إن كان الأقباط – كما يقولون- يخافون على مصير أتباع مجمع المقطم ، فيجب أن يتعاملوا معهم برفق و يعطوهم دفء الحضن الأبوي الذي افتقروا له في الأصل لما تركوا الكنيسة القبطية. إلا إن عدم وجود هذا الدفء حتى في علاقة إكليروس الكنيسة القبطية بالأقباط ، جعل الأقباط يستبدلون المنطق الأخلاقي ، باللامنطق العنفي .
لا داعي للجدل العقيم ، و ليكن الحوار بشكل يُخجِل القيادات من الطرفين ... فلما كانوا يتبادلون الإتهامات ، فليكن – و أقولها و أنا محتار ! – الشعب مُعلِّماً لهم كيف يكون النقاش بين الفرقاء المسيحيين.
إن مفردات التكفير و التخوين و الشُّبهة التي يستقيها الأقباط من أنصاف المثقفين على البالتوك و على رأسهم القمص زكريا بطرس الذي عجز عن شرح سر التجسد للمسلمين فاستبدله بعقيدة نسطوريوس " المريحة" ( الأمر الذي أيضاً فضله الأنبا بيشوي حتى يتخلص من عبء عقائد الآباء كالتأله)، يجب ألا تدخل بيوتنا. و الإيمان بوجود الله و عمله في الخليقة يكفي جداً لنكون مطمئنين.
و لذلك ، فإن الملاحقة القضائية التي تقوم بها الكنيسة القبطية أمر يدعو للإستغراب خصوصاً إن الكنيسة القبطية أعلنت صراحةً في أكثر من موقف إنه القضاء لا دخل له و هو غير ملزم إطلاقاً في الشئون الكنسية ، هذا الكيل بمكيالين لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال دفاعاً عن أمور إلهية ، فيكفينا مهازل.
إن الفكر يواجه بفكر ، لا بقوة ، الأمر الذي بلغ تهديد الأنبا مكسيموس شخصياً و أسرته ... و هذا يجعلني مرة أخرى أتساءل ، ماذا لو كان الأقباط يمتلكون قوة "الأكثرية" ... هل كانوا سيطبقون شريعة : تعاليم الأنبا شنودة هي الحل ؟ و بمؤشرات التاريخ أستطيع أن أقول ، الحمد لله أن مصر يحكمها غير أقباط لأن الأقباط لو كانوا حكموها لكانوا حرقوا معابد الغير مسيحيين كما حدث في عهد ثيوفيلوس .. أو أخذوا بالقوة كنائس البطريرك " الرومي الملكاني المرتشي الحاقد الزنديق صاحب العقيدة الخلقيدونية "الطمثة" كما يقول ساويرس بن المقفع" كما حدث في التاريخ ، بل و كانوا قتلوا مكس ميشيل كما فعلوا بالقديس بروتيريوس بطريرك الإسكندرية ( 451 و 457) سحلاً .
ثانياً : حسمت بطريركية الإسكندرية الجدل الدائر بإعلان قداسة البابا ثيودوروس الثاني رسمياً عدم الإعتراف بمجمع المقطم الذي يفتقر أصلاً للخلافة الرسولية ، و لأني ابن البطريركية ، فإني أعرف توجهها الذي يتكلم عن عدم الدخول أصلاً في أي نقاش من أي نوع حول هذا الموضوع، و أنا أنتمي لهذه الكنيسة و بالتالي فإن هذا الإعلان يمثلني.
على كل حال دعونا ندخل إلى عمق رؤية الأنبا مكسيموس ، ما لها و ما عليها.














من كتاب الأنبا مكسيموس :
"ثم أن صفتيالكهنوتيةالتي صارت ليمن مجمع "الدياسبورا" المقدس لايحكم عليهاإلا مجمعالدياسبورانفسه وأيأحكام بخلافهذا لا تخرجعن كونها تطاولاًمرفوضاً علىحقوق مجمعمقدس آخر بشرعيةكنسية ودوليةبوثائققانونيةمعتمدة ومثبتةلا ينتقص منهاادعاءاتمرسلة بلادليل مهماكانت وظيفةمدعيه"
هذه حقيقة لا يمكن أن نختلف عليها ، فكيف نحكم على نظام بقوانيننا نحن؟ يعني مثلاً كيف نقول إن اللوثريين عندهم خطأ في سيامة النساء في حين إننا لسنا لوثريين و اللوثريون لم يدّعوا إنهم تابعين لنا.
و لكن المشكلة تكمن في إن الكنيسة القبطية تستخدم إصطلاح "أورثوذكس" و مجمع دياسبورا هذا يدعي أكثر و أكثر و يقول إنهم الأورثوذكس الأصليون Genuine Orthodox ( و هو تعدٍّ صريح على باقي الكنائس ). في حين إن كليهما لا يستخدمان هذه الإصطلاحات رسمياً ... فالكنيسة القبطية تابعة للكنائس الشرقية القديمة أو الأورثوذكسية الشرقية و لا تجرؤ أن توقع على أي وثيقة رسمية باسم الكنيسة القبطية الأورثوذكسية لأن تعبير أورثوذكس بشكل مطلق ينحصر فقط على كنيسة السبع مجامع المسكونية و هذا ما وقعت أيضاً عليه الكنيسة القبطية سنة 1990 ، و مجمع الدياسبورا ليس كنيسة أصلاً بل مجمع مكون من ثلاثة أساقفة كل منهم خارج عن كنيسة معينة لا تعترف بالأخرى!
و بالتالي فإن كل واحد منهم يحاول أن ينتقد الآخر من منطلق "الأورثوذكسية" !
الكنيسة القبطية انفصلت عن كل البطريركيات رسمياً لما اختار بعض أساقفة الإسكندرية تيموثيوس إيليريوس بطريركاً لهم سنة 457 كبديل للبطريرك الذي قتلوه (بروتيريوس). كذلك مجمع المقطم كل أساقفته خارجين عن مجموعات غير معترف بها أصلاً و لا حتى من أتباع التقويم القديم Old Calendarist .
لذلك فمسألة الشرعية هذه لا تُبحَث بهذه البساطة ، فمن أي منطلق كل واحد يدعي أورثوذكسيته ؟ هذا السؤال يحيرني. فأنا لا أؤمن بنظرية إن الأقدمية تُكسِب الشرعية إطلاقاً ، فالإحترام الشديد الذي تلقاه الجماعات البروتستانتية لدرجة إنها توصف "بالكنائس" رغم افتقارها للأسرار التي هي المرادف لكلمة كنيسة إنما هو نتيجة لأن هذه الجماعات ظهرت من فترة طويلة . و بالتالي فإن الفكرة التي شرّعت الإنشقاق الذي قام به أساقفة مصريون من ألف و خمسمائة سنة هي التي بدورها ستشرع وجود كنيسة المقطم حتى و إن كان منبعها مجموعة من المنشقين و الهراطقة .
و لدينا مثال مضاد ... الكنيستين الأورثوذكسية و الكاثوليكية لا يجرؤ مخلوق منهما على التشكيك في الخلافة الرسولية للآخر ، و السبب ببساطة هو إنه لم يكن هناك بطريرك أروثوذكسي لروما يكون خليفة لبطرس ، ثم جاء كرادلة لاتين مثلاً و اختاروا بابا لهم. و العكس صحيح ، فلم يقل الحبر الروماني بأنه هناك أسقف كاثوليكي للقسطنطينية ثم رفضه الأورثوذكس. لذلك فالكنيستان تدبان في عمق التاريخ بشكل موازٍ ، فروما هي روما و القسطنطينية هي القسطنطينية ، و التي معها أنطاكية و أورشليم و الإسكندرية من الكراسي الرسولية.

أما الكنائس الشرقية القديمة ، فصراحةً أنا أؤمن بعمل النعمة فيها لا لسبب عاطفي بل أيضاً لما لها من تاريخ يعود بصورة أو بأخرى للرسل من جانب ، و من جانب آخر هو اقتناعي بورقة الأستاذ فلوروفسكي عن عمل النعمة السري في أسرار الغير أورثوذكس كما شرح المغبوط أوغسطين و فيلاريت مطران موسكو ، و كما شرحت الرؤية السوية التي في مجمع الفاتيكان الثاني و التي تتكلم عن شركة سرية لهذه الجماعات مع الكنيسة الكاثوليكية (و أنا لا أتكلم عن مركزية الكنيسة الكاثوليكية هنا بل أتكلم عن فكرة الشركة السرية مع الكنيسة التي يراها المجمع الفاتيكاني هي المركز الذي تشترك معه الكنائس الأخرى بشكل سري).
إن حفاظ الجماعات اللاخلقيدونية على تعاليم الآباء بشكل غير مقصود ، و أنا أقصد الكلمة ، و هو عن طريق التمسك بالليتورجيا التي تعود لكيرلس الكبير ، أو الليتورجيات الأخرى ، بل و وضع الإعتراف الخلقيدوني في قسمة التناول يجعل عمل الله سارٍ بشكل يتوجب علينا ألا نضعه تحت مجهر العقل أو العقيدة.
بينما الجماعات المنشقة التي ظهرت في القرن الماضي يجب ألا نتعامل معها إنها كلها في سلة واحدة.
إن قول الأنبا مكسيموس إن مجمعه يكتسب شرعية دولية أمر جيد ، و لكن الشرعية الدولية لا قيمة لها من المنظور الكنسي ، و أنا عندما أتحدث عن اللاهوت الأورثوذكسي أو كلمة " أورثوذكس" كما حددتها الكنيسة الجامعة التي أنتمي لها و التي يستمد كل طرف أورثوذكسيته بالتمحك فيها (تارة بالإتفاقيات الخريستولوجية كالكنيسة القبطية التي لطالما قالت ذلك علناً، وتارة بأسماء البلاد التي ينتمي لها أساقفة مجمع الدياسبورا كروسيا و اليونان ...!)
أو على الأقل كما تُقر الإتفاقيات المتبادلة و مجالس الكنائس العالمية و الشرق الأوسط. من هذا المنطلق أستطيع أن أوضح بجلاء إن مجمع الدياسبورا ينقصه الكثير جداً كي يقول إنه اورثوذكسي.
فالخلافة الرسولية ليست العودة إلى الرسل ، بل بالإحتفاظ بخلافة غير منقطعة عن الرسل ، و الإنقطاع يأتي بسبب الإنشقاق أو الإنفصال. فمجمع الدياسبورا فيه واحد ينتمي للسريان اليعاقبة ، و واحد قادم من "الكنيسة الروسية خارج روسيا" و التي انضمت رسمياً إلى الكنيسة الروسية الأورثوذكسية بعد انشقاق دام 70 عاماً لظروف سياسية تخص النظام الشيوعي و موقف الكنيسة منه. و الأسقف المذكور هو أفتيميوس ، لا ينتمي للأسف لكنيسة روسيا بل إنه لأسباب لا أعرفها ، ليس في شركة معها. و كذلك لدينا تيموثيوس أثناسيو الذي هو بدوره يأتي من مجمع عمره خمسين عام فقط و ليس له قضية ليدافع عنها حتى قضية التقويم القديم . فالتقويم القديم له كنيسة اسمها
Greek Orthodox Church in resistance
و لهم دير في آثوس اسمه
Esphegmenou و كلاهما ليسا هراطقة بل يُستخدم معهم تعبير Schisma و هو تعبير يجعل الفريقين في اليونان يتبادلان بشكل عملي الإعتراف ببعضهما على الأقل على مستوى الشعب الذي يراه المجمعان إنه لا ناقة له و لا جمل بقضية التقويم.

ملكي صادق ، رئيس أساقفة الدياسبورا أيضاً لا يمكن قبوله كراعي أورثوذكسي على الإطلاق ، فهو كان من الكاثوليك القدامى ثم انتقل للكنيسة الروسية خارج روسيا التي تكلمنا عنها سابقاً ، ثم تركها و عاد تعميده عند مجمع "أورثوذكس حقيقيين" ، و هو أيضاً غير معلوم الجذور ، و أخيراً ترك هذه و تلك و أسس مجمعاً، ألا و هو الأورثوذكس الأصليين .

و بمجيء رئيس أساقفة لمنطقة الشرق الأوسط ، هذا يعني عدم الإعتراف رسمياً بكل الكراسي الرسولية و كل كهنوت في هذا النطاق. فلا يوجد أسقفان في منطقة واحدة. فلو قيل إن رئيس أساقفة " الأورثوذكس الأصليين" لا يتنازع مع بابا الإسكندرية "سواء من منظور اللاخلقيدونيين أو الأورثوذكس" فهذا عبث ، لأنه لا يوجد عمل أسقفي موازي في مكان واحد .
الشوام في مصر مثلاً لا يمكن أن يطالبوا بأسقف تابع لأنطاكية ، بل هم يتبعون بطريرك الإسكندرية لأنهم في حدوده.
فإما أن يعترف رئيس أساقفة مجمع الأورثوذكس الأصليين ( الأنبا مكسيموس) في الشرق الأوسط ببابا الإسكندرية ، أو يرفضه ، لكن لا يقول إنه هناك عدم اعتراف متبادل ثم يقول إنه لا ينازعه على لقب بابا كرسي مرقس الرسول ، هذه مراوغة سياسية بشكل بحت.