أنوارعلى العقل
المطران جورج خضر
السؤال الذي يطرحه بسطاء ومثقفون هو هذا: اذا كان العقل سيدا فينا كيف نصل الى كل ما يقوله الوحي؟ ليس المجال هنا لأعود الى ابن سينا والفارابي وابن رشد عند المسلمين أو الى توما الإكويني الذين انشغلوا بعلاقة الكتب المقدسة والفلسفة اذ الأجوبة كانت مختلفة عند هؤلاء. لذلك لن أطرح مسألة العلاقة بين الوحي والعقل. وفي المسيحية ليس الجواب واحدا بين المذاهب. فالكنيسة الكاثوليكية حددت في مجمع الفاتيكان الأول (١٨٧٠) ان العقل وحده يصل الى الله. والسعي الى العقل مستقلا عن اية قوة فينا ليس أمرا واردا في الكنيسة الأرثوذكسية. استقلالية العقل عن كل قوة أخرى فينا ليست واردة في فهمي للإيمان.
المشكّكون ينطلقون من ان لكل انسان ان يشاهد الحقيقة. اذا كان هذا صحيحا فلماذا يختلف البشر في كل شيء، لماذا يغير المرء رأيه بين فترة وفترة؟ الحقيقة قائمة في ذاتها وهي تبلغك بأدوات موضوعة فيك ولكن هل هناك وسيط واحد بينك وبين الحقيقة وهو العقل ام هو القلب ام تلاحما معا بحيث ينزل العقل الى القلب ليتطهّر فيه ثم يصعد الى مرتبته منقًى ويستطيع، اذ ذاك، ان يعرف؟
محاولة جواب عن هذا البحث ان الله لما "نفخ في أنف الانسان نسمة حياة صار ادم نفسًا حية" (تكوين ٧:٢). والنفس هي كل الكيان البشري الداخلي بما فيه الشعور والعقل والإرادة. واذا اتخذنا نظرية داروين عن نشوء الأجناس نرى ان ثمّة هوّة بين الحيوان والإنسان بحيث ان الروح البشرية في كل طاقاتها ليس ما يماثلها عند الحيوان. فالإنسان ناطق ليس بمعنى انه يقوم بالنطق أو الكلام ولكن بمعنى ان كلامه موحد ويقدر على التواصل مع انسان آخر ويُعمل عقله وتتلاحم كل هذه القوى فيه لتعبر عن الإنسان تعبيرا واحدا. فليس هناك تعبير منطقي بحت أو تعبير نفسي بحت ولكن كل هذه القوى تتفاعل وتتلقى العقل بمشاهدة النور وتنقل هذه المشاهدة كلامًا وسلوكًا ومواقف.
ورد عند بولس قوله:"صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير (اي المسيح) روحًا محييا. لكن ليس الروحاني اولا بل الحيوانيّ" (الترجمة الأميركية، البشري في الترجمة اليسوعية) وكلاهما خطأ. فاللفظ اليوناني Psychicos تعني النفسي أو النفساني. آدم وُلد نفسيّا أو نفسانيّا بمعنى الإنسان الطبيعي وروحانيّة الروح الإلهي تنزل عليه في ما بعد بالمسيح. لم يقل عاقلًا ولا ناطقًا بمعنى استعمال كلمات ملفوظة. تأكيد العهد الجديد اذًا هو ان القوّة الداخليّة التي تقابل الجسد ليست العقل ولكن النفس الحاوية العقل وأشياء أخرى معه (شعور، إرادة).
•••
قال الإغريق قديمًا ان العقل البشري تشوّهه الشهوات. ليس هو اذًا ميزان لا يختل. الإنسان لا ينطق فقط عن عقل بلوري محض. ينطق عن هوى أو عن غرض. في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي العقل ككل ملكاتنا الداخلية ضربته الخطيئة الجديّة (الجد الأول) فهو مصاب ككل طاقة أخرى في النفس. الإنسان ليس عقلا لكنه ذو عقل ولكن أمكننا أن نقول انه نفس لأنه يسع كل طاقاتها.
مرة ألحّ صديق لي في محادثة لنا دينيّة الى العقل. أجبته هناك ألوف من الأشياء نعملها بلا عقل جامد مغلق دون طاقاتنا الأخرى ثم أردفت: هل كان زواجك نتيجة عملية عقليّة؟
اذا كان الحق (هنا اؤثره على كلمة حقيقة) هو النورالذي قذفه الله في القلب، يتحرر القلب من نزواته اي يقولب الله نفسك لتتمكّن من المشاهدة اذ لا بد ان تدنو نفسك من الداخل الإلهي لترى. فاذا قلت للمؤمن هاتِ برهانك العقلي، يمكن ان تحاول بعض الأشياء وهنا يسند عقلك الرؤية ولكن في كثرة الأحوال لا تستطيع ان تفسّر ما يجري فيك تفسيراً كاملا.
في البدء كان تسليم القلب لله واذا آمنت تعقل ليس انك تعقل اولا ثم تؤمن. قال لي الناس غير مرة: اثبت لنا وجود الله. قلت لا أستطيع لأني أبدأ منه. هو دليلي. ولست أصل إليه بأدلة قاطعة. لا يحتاج الرب الى أدلّة ليكشف ذاته لك ولا تحتاج انت الى أدلة لتعانقه. هناك فهم داخلي تقول عنه المسيحية انه نعمة من لدن الخالق. والكتاب يقول: "الله يريد أن جميع الناس يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا" (١كورنثوس ٤:٢). هذا تأكيد كتابي أن الله يُنزل نعمته على كل البشر وان ثمّة من يتقبّلها لأن نفسه في حالة التقبل للنور ونفس أخرى ليست في حالة التقبّل ولا أحد يختزن سرّ ذاته ولا سر الآخرين ولنا نحن المؤمنين ان نشهد فتصل الشهادة أو لا تصل. انت رأيت وسمعت وتقبّلت فارتضيت وأطعت فعشت الحياة الجديدة فكأنك انتقلت منذ الآن الى وجه الله. وهناك من لا يزال في حاجة الى ان يلمس المخلّص عينيه لتنفتحا ويُبصر.
•••
انت تسلم لله من شيء تحرك في نفسك وربك منشئه فيك. يقول القديس مكسيموس المعترف الذي عاش في فلسطين وغالبا ما كان عربيا انك تقرأ الله في الكون الذي كون كل شيء فيه بالكلمة الذي كان من البدء. فإن الكون كلمات. ويقول يوستينوس الفيلسوف الشهيد النابلسي (القرن الثاني) ان الله قبل العهد الجديد زرع كلماته في الخلق وفي الفلسفة اليونانية. كانت نوعا من التجسّدات الإلهية قبل ان يُتمّم الله تجسّد ابنه في الخلق. ويستنتج مكسيموس ان الروح القدس في كل مكان واذا حاولت إيضاح فكره يكون قد قال ان الروح الإلهي مبثوث في كل مكان. عليك اذًا ان تفتّش عنه في هذا أو ذاك من البشر المسيحيين منهم وغير المسيحيين، ان تفتش عنه في الأفراد كائنين من كانوا. ومكسيموس شجب اليهودية من حيث هي نظام ديني لكنه لم ينكر وجود الروح القدس في الأفراد اليهود (*).
لك ان تشاهد انت هذا الروح في كل البشر الذين حولك ان كانوا أتقياء وتراهم يتصاعدون الى الحق. لا يعني هذا ان يسوع الناصري يتجلّى لهم بإنجيله اذ هناك أساليب لله يتكشف بها لمن أحبّهم. وبهذا المعنى ليست الكنيسة محصورة بالمعمّدين لكنها تمتدّ الى كل من اصطفاهم ربّهم برحمته ويمكن أن يكونوا من الموحّدين أو من الهندوس والبوذيين ويوضح الله في اليوم الأخير من هم له وله كل من لمسهم بروحه ووضع فيهم كلمته حسب اختياره.
يبقى ان ثمة تبشيرا أو دعوة اذا اعتقدت ان ما انت مؤمن به هو الطريق المستقيم على أساس ان الناس أحرار وانهم قد يرون ما أنت راءٍ على الّا تدين أحدا ولا تصدر أحكامك على الطرق الأخرى ولا على إنسان لا يدين بما انت تدين. لذلك لا تحكم انت على أحد في الطريقة التي يسلكها وتعايشه بالمحبة والسلام والمحبة هي ذروة الكشف والسلام يلازم الحرية.
هذا يشرط تعايش أهل الأديان. فلا تقتل أحدا ولا تقمع أحدا ولا تفرض عليه عيش أو احكاما من عندك ولن يقول الله رأيه في دين أحد منا في اليوم الآخر لكنه يدين الشخص من حيث هو شخص. ولا تحكم على أحد لأن الخالق لم يخوّلك أن تصدر هذا الحكم وهو الذي يتراءى لكل مخلوق في اليوم الآخر وينتشله من العذاب ان لم يكن من المحكوم عليهم بالعذاب.
"لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاءاذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم" (رومية ١٤:٢). انت يحكمك ضميرك فإن كنت خالص المودّة لله يراك له ويقول لك هذا في اليوم الذي يدين الله سرائر كل إنسان. ومن بعدها يأتي هذا المجد.
الحواشي ليست من النص الأصلي وإنما زيادة مني...
(*) المثل هنا على اليهود ولكن المعنى يتوسع لكي ينطبق على كل العقائد والأديان كونها نظام ديني إذ هي ليست من الإله الحقيقي... وكذلك ينطبق على معتنقي هذا الإيمان أو ذاك كونهم أشخاصاً...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات