الظروف السياسية
لم ينشغل باهتماماته الخاصة في قليل أو كثير، ولكن ما كان يشغله هو الكنيسة والشعب. غريغوريوس كبابا حاول أن يكيف دور الكنيسة مع ظروف المجتمع الذي تعيش فيه، وفي نفس الوقت يطهرها من الفساد الدنيوي.
كان عصره مملوء بالإضطرابات، وكأن الله قد أعد الشخص المناسب في الوقت المناسب.
عاصر البابا غريغوريوس فترة عصيبة بالنسبة لروما، فكما نعلم أن آخر إمبراطور روماني عُزل سنة 476 م، وفي ذلك الوقت كانت أغلب الإمبراطورية الغربية يحكمها ملوك ألمان . (1)
تحولت إيطاليا من مملكة غوصية إلى مقاطعة في الإمبراطورية الرومانية واستنفذها الحرب، غزاها اللمبارديون المتوحشون، وهم شعب تيوتوني غزا إيطاليا عام 568 م، وتوالت هجماتهم على إيطاليا، هؤلاء كانوا لا يزالون وثنيين وبعضهم أريوسيين، قاموا بحرق الكنائس وذبح رجال الدين، ونهب الأديرة، والاعتداء على الراهبات، وتحويل الحقول إلى براري قاحلة . (2)
تأثر غريغوريوس بالآلام والخراب الذي حل بواسطة كل من الحروب الغوصية Gothic Wars التي أثارها جوستنيان الأول ليعيد تأسيس السيطرة على ريف إيطاليا والغارات على إيطاليا بواسطة اللامبارديين Lombards الذين منذ عام 586 م كانوا يحاصرون المدن ويخربون الأرياف ويرعبون قلوب الكل.
بعزيمة قوية واجه غريغوريوس نقص الموارد، والتشويش الذي ساد على الشعب، ونقص الطعام، ونزح فيض من اللاجئين على روما. اهتم بإشباع احتياجات الشعب، وأكثر من هذا دخل في حوار مع اللامبارديين، وأقام سلامًا بينهم وبين إيطاليا، بالرغم من أن اتخاذ قرارٍ كهذا مستقلاً أثار غضب الإمبراطور المقيم في القسطنطينية.
تعرضت روما إلى السلب مرارًا وتكرارًا، وانتشرت فيها الأوبئة، وعمتها المجاعات.
كانت أوربا كلها في حالة من التشويش مع فوضى سياسية. لقد ظن كثيرون ومنهم غريغوريوس نفسه أن نهاية العالم على الأبواب. فقد جاء في إحدى عظاته:
"أي شيء يمكن في هذا الوقت أن يبهجنا في هذا العالم؟ نرى البلية في كل مكان، نسمع المراثي في كل موضع. المدن خربة، والقلاع مهدمة، والحقول أقفرت، بقيت قلة قليلة في المدن، وحتى هذه القلة المسكينة من البشرية كانوا مطحونين. الكوارث الصادرة عن العدل الإلهي لم تنقطع، لأنه لم يقدم أحد توبة وسط الكوارث. البعض أُخذ إلى السبي، وآخرون تُبتر أعضاء من أجسامهم وآخرون يُقتلون. ما هذا يا إخوة، حتى يمكننا أن نقتنع بهذه الحياة؟ إن كنا نحب عالمًا كهذا لسنا نحب أفراحنا بل جراحاتنا. ها نحن نرى ما قد صارت إليه تلك التي كانت سيدة العالم... لنحتقر قلبيًا العالم الحاضر ونتمثل بأعمال الأتقياء ما استطعنا ". (3)

______
Carole Straw: Gregory the Great, University of California, L.A. 1988, p. 2.
Schaff: History of the Christian Church, 1986, p. 212
Schaff: History of the Christian Church, 1986, p. 212-213