باسم الآب والإبن والروح القدس, إله واحد آمين.
هنا في القبر الفارغ، قبري، أتذكر.. وقد بدأت أفهم كل شيء..
تعبنا من المسير.
ونفد الطعام والشراب لدينا،
كذلك الصبر.
ولمّا كنا قد اقتربنا من بئر يعقوب،
قررنا أن نستقي منه ونرتاح،
ولو كلفنا ذلك النوم في العراء وفي منطقة غير محببة بالنسبة لنا، فالسامريون، سكان تلك المنطقة، هم أعدائنا القريبين.
العدو القريب نتبادل الحقد والكراهيّة معه أكثر من العدو البعيد.
وقد يكون أعداء الإنسان أهل بيته..
السامريون كفار برأينا، لأنهم تعاملوا منذ مئات السنين مع الغرباء المحتلين، وعبدوا الأصنام مثلهم مع عبادة الله. وهم لا يعترفون مثلنا بالكتب المقدسة.
وبينما نرتاح عند حافة بئر يعقوب قرب مدينة سيخار السامريّة،
والشمس قاربت من المغيب،
لمحنا جرّة ماء.
شربنا منها بنهم.
ماؤها العذب ذكّرني بعذوبة خمرة قانا الجليل..
ترى مَن نسي جرّته هنا؟!..
وفجأةً، صرخ نيقوديمس،
وكأنه لقي كنزاً:
طعام.. طعام!..
يبدو أن هناك من ترك طعامه أيضاً.
لقد رأينا في الطرف الآخر للبئر خبزاً وزيتوناً وعنباً!..
أكلنا وشربنا،
وغفت عيوننا.
وعند الفجر نهضنا لنتابع المسير، فمررنا بمدينة للسامريين.
المدينة غافية وكأنها كانت ساهرة في ليلة عرس طويلة قد انتهت لتوّها.
عند مدخل المدينة، رأينا رجلاً، كأنه خارج من القبور، يصرخ بشدة كمن يهذي: "ما لنا ولك يا يسوع الناصري أجئت قبل الزمان لتعذبنا؟"..
حالما سمعنا كلمة يسوع اقتربنا من الرجل.
سأله نيقوديمس بحذر: هل تعرف يسوع؟..
سكت الرجل وجَحِظَت عيناه, وأجاب بعنف:
نعم لقد مرّ من عندنا.. وانتزع مني صديق عمري.
لقد كنا، هو وأنا، نعيش في القبور سعيدين.
ونأكل خرنوب الخنازير ونحن سعيدين.
لقد طردونا من مدينتهم لأننا صديقين سعيدين.
وجاء يسوع أخير وسرقه مني..
دعاني أنا أيضاً لاتّباعه،
لم أستطع..
نظرته مليئة بالحب والحنان والرحمة، ولكنها مُتطلبة!..
لَم أستَطع!..
صديقي شجاع أكثر مني، تركني وتَبعه، عادَ إلى الحياة،
أما أنا فقد اخترت أن أبقى هنا في القبور..
ولكن أين يسوع الآن، سأل نيقوديمس،
فردّ الرجل بعنفٍ شديد:
"جميعكم كذبة..
لصوص..
اغربوا عني يا كفار"..
يبدو أن كلمة "كافر" أو "كفّار" هي أقوى شتيمة في المجتمعات الدينيّة..
تركَنا الرجل وعاد إلى قبوره.
أما نحن، نيقوديمس وأنا، فتابعنا المسير بحثاً عن يسوع.
استيقظت سيخار، مدينة السامريين،
مشرقة الوجه،
ممتلئةً من الجديد،
حالمة،
كأنها طفلٌ قد ولد لتوّه.
رأينا الناس يتهافتون إلى بيت امرأة، عُرفت بسمعتها غير الحميدة لأنها تعاشر ضابطاً وثنياً، كما كان لها خمسة أزواج.
تبعنا الناس،
دخلنا البيت معهم،
استضافنا عند العتبة، غريبٌ مثلنا، حليق الذقن، وسيم الطلعة، قوي البنية، مشتت النظرات، يبدو أنه الضابط الوثني.
سألناه عن يسوع، فكرّر علينا كلمات الخارج من القبور،
وبالهذيان نفسه: "لقد كنا صديقين سعيدين.. جاء يسوع أخير وسرقها مني"..
وبينما يكرّر كلماته،
وبلهجة جنونيّة،
رمقتنا امرأة بنظرة سريعة تدعونا إلى الدخول، يبدو أنها صاحبة البيت.
دخلنا.
طلبت المرأة من الرجل الوسيم أن يكفَّ عن ادعاءاته، فتركنا ومضى.
سألناها عن يسوع،
فأجابت بسرعة البرق:
إنه المسيح..
التقيت به أمس عند بئر أبينا يعقوب.
كان جالساً لوحده، دون تكلف عند حافة البئر لما أتيت إليه لأستقي.
كانت الساعة حوالي الظهر.
إنني أفضل القدوم إلى البئر في مثل هذه الساعة من النهار، لأكون وحدي، فأتجنّب أصابع اتهام الناس لي، لأنني تزوجت مرات عدّة، وأعاشر الآن غريباً وثنياً.
الناس عندنا، ككل البشر، ينظرون إلى القذى في عيني، كما قال يسوع، ولا يرون الخشبة التي في عيونهم.
ألم يتعبّدون هم أيضاً لآلهة غريبة، فلماذا أكون أنا فقط في قفص الاتهام؟..
لماذا أدعى أنا بالذات خاطئة وهم يحسبون أبرارا؟..
طلب مني ماءً ليشرب.
تمنّعت.
خفت أن يسرد لي قصة إيليا لما تحدى شعبنا في عبادته البعل مع الله، وانتصر إيليا أخيراً.
إن اليهود يسردون هذه القصة عندما يلتقون بالسامريين، إن التقوا بهم!...
عندما قال لي: "اذهبي وادعي زوجك"،
ظنت أنه من هنا سوف يبدأ عظته عن إيليا.
لقد مللت الوعظ!..
وفجأة
أخذ يقرأ لي تاريخ حياتي،
ولكن ليس كالآخرين بتجريمٍ وتذنيبٍ وملامة،
بل بحنان وحب ورحمة.
لقد دخل كلامه العذب إلى قلبي،
فشعرت أنه قد فجّر فيّ ينبوعاً من الصدق والحق والاستقامة.
لم أعد أخجل من نفسي.
لقد تصالحت مع نفسي.
تصالحت مع تاريخي الحافل بالكبوات والعثرات والخطايا.
لم أقل له حين كشف عن ضعفي: دعك وشأنك.. كما كنتُ أفعل حين أُلام.
تجاوزتُ نفسي وسألته، وأنا التي لم تصلي أبداً طيلة حياتها:
كيف أصلي؟..
أين أصلي؟..
لماذا أصلي؟..
لمن أصلي؟..
فحدثني عن الصلاة بالروح والحق..
يا ألله!.. كم كان حديثه عذب..
صوته،
يداه،
نظراته!..
هل يوجد بين البشر من مثله؟!..
إنه أجمل بني البشر،
أُفيضَ اللطف على شفتيه،
لذلك مسحه الله بطيب البهجة،
إنه مسيح الله..
انطلقتُ، بعد أن امتلأتُ من روحه القدوس، وأخبرت الناس أنني التقيت المسيح.
دعوتُه إلى بيتي، ودعوتُ جميع الناس وقلت لهم أنه صالحني مع نفسي،
فما كنت أخجل منه، أعلنت توبتي عليه بشجاعة أمامهم.
لبّى دعوتي وجاء إلى بيتي.
وكان جميعهم عند ركبتيه،
يسمعون كلامه العذب بإصغاءٍ مرهف.
صلينا معاً،
بالروح والحق.
غفر لنا.
شفى مرضانا.
وأشبعنا من ملكوت الله..
وكأشعة الشمس عند المغيب، غاب عنا،
لعله يذهب إلى مدينة أخرى،
ربما إلى مدينة وثنيّة هذه المرة.
إن همّه الوحيد هو أن يعاين كل إنسان خلاص الله.
هنا في القبر الفارغ، قبري، أتذكر.. وقد بدأت أفهم كل شيء..
إن يسوع لم يميّز بين إنسان وآخر.
يذهب إلى عند السامريين،
وحتى إلى عند الوثنيين أيضاً.
أذكر مرةً، لمّا خرجنا من عند سمعان الفريسي،
أقبلت إليه امرأة كنعانيّة وثنيّة، لا تؤمن بالله مثلنا،
فسجدت عند قدميه تسأله حاجةً.
تمنّع في البداية،
فألحت،
فلبّى حاجتها.
إن همّه الوحيد هو أن يعاين كل إنسان خلاص الله.
أتساءل!..
هل فعل يسوع عند الأمم ما فعله عندنا أو عند السامريين؟..
أي إلقاء كلمة الله،
حب
وحنان
ورحمة،
أشفية
وعلامات خلاص..
لمَ لا؟!..
وأنا أتساءل أيضاً:
ما معنى أن رسالة يسوع هي أن يعاين كل إنسان خلاص الله؟..
ما معنى هذه الشموليّة؟..
هل هناك فروقات جذريّة في نظر يسوع بين شعب وآخر؟
هل هناك شعب مختار؟
ودين مصطفى؟
هل أراد يسوع أن يؤسس ديانة ترتصف إلى جانب الديانات؟
أم ديانة تُلغي بقية الديانات؟
أو أقلّه تحتويها؟..
هنا في القبر الفارغ، قبري، أتذكر.. وقد بدأت أفهم كل شيء..
تأملات سطرها الأخ يوسف الرامي
أدعوكم أن تذكروه بصلواتكم
وأن تغفروا لي زلاتي
أخيكم الخاطئ وأحقر خَدَم الرّب
سليمان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات