ننتظر في السبت العظيم المقدّس يوم الفصح العظيم ونمتد إليه، يبقى أن شرط رؤيتنا إياه هو: "أن يصمت كلُّ جسد بشري... ولا يفتكر في نفسه فكرا ارضيا" . هذا التحذير من الفكر الأرضي، الذي تُسمعنا إياه ترتيلة الدخول الكبير في القداس الإلهي، يذكّرنا -في آخر يوم قبل الفصح- بأن التوبة، كما ذقنا معانيها طيلة الأسبوع، هي التي تمكّننا وحدها من التأهب لاستقبال الفصح العظيم .


الفرح والسلام في خدمة القيامة

القيامـة عيد الفـرح والسلام . هـاتان الكلمتان تتكرران مرارا في كل خدمة لأحد القيامة، فيشيع معـهـا، في قلب المؤمن، شعور بالغبطـة والارتيـاح. فالقانون الذي يرتل في أحد القيامة يقول: "لتفرح السمـاوات ولتـتهلـّل الأرض بواجب اللـياقـة، وليُعيِّد العالم كله الذي يُرى والذي لا يُرى، لأن المسيـح قد قام سروراً مُؤبـداً" (قانون 1: 3). وأيضا: "إن داود جدّ الإله قد رقص تُجاه التابوت الظلي، وأما نحـن، الشعــب المُقدس للـه، فاذ قد أبصرنا نجاز تلـك الرمـوز فـلنسرَّ سـرورا إلهيـا، لأن المسيح قد قام بما انـه على كل شيء قدير" .

إن هذا الفرح يشمل كل الخليقة، ويعمّ كل المسكونـة. ذلك أن خطيئة آدم الأول دخلت الى العالـم، وسبّبت الموت لجميع النـاس، وزرعت بالتالي الحزن والاكتئاب في جميع القلـوب. لكن قيامة آدم الجديد (المسيح) بدّلت الحزن بالفرح، ونثرت السلام بدل الانفصال والبُعـد والفرقـة في أرجاء العالم كلـه. فقد تمّت المصالحة بين اللـه والإنسان، وعادت حياة الله تسري في نفس كل من آمن بأن المسيح مات ثم قام: "يا مُخلِّصي، يا من هو القـربان الحي غير الذبيح بما انه إلـه، لقد قرَّبتَ ذاتك للآب باختيارك، ولما قمتَ من القبر أقمتَ معـك آدم وذريته كلهـا" (قانون 6: 3).

"هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنفرح ونتهلل به" (مزمور 18: 24)، لأن المسيح، الذي قام وانتصر على الموت، هدم أبواب الجحيم، وجعل الإنسان نفسه منتصرا على الموت: "إننا معيِّدون لإماتة الموت ولهدْم الجحيم ولباكورةِ عيشةٍ أُخرى أبدية، متهلّلين ومسبِّحين من هو علَّةُ هذه الخيرات، أعني به إله آبائنا المبارَك والمُمجَّد وحده" (قانون 7: 3).

فبعد القيامة لم يعد للموت من سلطان على الإنسان: "فأين شوكتكَ يا مـوت؟ أين انتصاركِ يا جحيم؟ قام المسيح وأنت صُرعتِ ، قام المسيح والجن سقطت، قام المسيـح فانبثَّت الحياة في الجميع. قام المسيح ولا ميت في القبر، قام المسيح من بين الأموات فكان باكورة للراقدين" (عظة الفصح للقديس يوحنا الذهبي الفم) .

لا يفرح المؤمن فقط بانتصار المسيـح على الموت، بل أيضا من الإيمان ببقاء المسيـح مع المؤمنـين الى الأبد بسبب القيامـة: "يا ما أشـرف، يا ما أحب، يا ما ألدَّ نغمتـك أيها المسيـح، لأنك قد وعدتنـا وعدا صادقـا بأنك تكون معنا الى نجاز الدهر، الذي نحن المؤمنين نعتصمُ بــه كمرساةٍ لرجائنا، فنبتهـج متلّلهـين" (قانون 9: 3) .

إن ثمرة هذا الفرح هي السلام. فالمسيح القائم من القبر أعطى السلام لنسوة: "وفيما هما منطلقتـان لتخبـرا تلاميـذه إذا يسوع لاقـاهما وقـال سلامٌ لكما" (متى 28: 9)، ولتلاميذه: "ولما كانت عشيـة ذلك اليـوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلـقـة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهـود جاء يسـوع ووقـف في الوسط وقال لهم سلامٌ لكم" (يوحنا 20: 19). فالكلمة الذي تجسد في آخر الأزمنة، ومات، وقام، وهب العـالم السلام، فبمـوتـه وقيـامتـه أعطانا حيـاة جديدة لا يسودها المـوت: "ولئن كنـتَ نـزلت الى قبـر يا مـن لا يمـوت، إلا انك درست قـوة الجحيم، وقمتَ غالبا أيها المسيح الإلـه، وللنسوة حاملات الطيب قلتَ افرحنَ، ولرسلك وهبـتَ السلام، يا مانح الواقعـين القيـام" (قنداق العيد) .