من المعلوم أن " المعمدانية " واتباعها هم من أشد المتأثرين بمباديء وكتابات السيد جون كالفين ( 1509 - 1564 م ) الفرنسي المولد والذي كان احد اهم أتباع مارتن لوثر والمتأثرين به. ومن المعروف كذلك أن جون كالفن وعقيدته الكالفنية تؤمن بمبدأ " أن الذين سيخلصون قد سبق واختارهم الله من قبل إنشاء العالم " أو ما بات يُعرَف في المصطلحات اللاهوتية بـِ " الإختيار المسبق " وهو أصلاً قام على تفسير خاص لعبارة القديس بطرس " المختارين بمقتضى علم الله الآب " (رساله بطرس الاولى ). وهذا قام على إيمان كالفن بأن الإنسان الخاطيء هو شخص محطَّم القدرات ولا يمتلك أدنى مقدرة على النهوض.

وقد اعتبر السياسي والإقتصادي الألماني ماكس فيبر من أواخر القرن التاسع عشر في مقاله " الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " أن الكالفنية لعبت دوراً مهماً في ظهور العقلية الرأسمالية بسبب اعتبارها أن النجاح على الصعيد المادي هو دلالة نعمة إلهية واختيار مسبق للخلاص .

إن المعلوم أنه من اهم ما انتجته العقيدة الكالفنية هو المذهب الطهوري الذي ظهر في فكر المهاجرين إلى العالم الجديد " الأمريكيتين " الذين طهّروا - كما يعتقدون - الكنيسة من بقايا البابوية الكاثوليكية. يعتقد الطهوريون بوجود خطة إلهية شاملة للعالم، وأنهم شعب الله المختار المنوط بهم تخليص العالم من الجهل، وأنهم على علاقة تعاهدية مع الله ، وأن مجتمعهم يمثل كنيسة القديسين الأرضية وبناء مملكة الله على الأرض وإعادة بناء هيكل القدس.

بشكل أو بآخر فشل المعمدانيون على امتداد الأرض حيث يتواجدون في إثبات أن لا علاقة لهم بالسياسة المحلية والدولية ، ولا ننسى أن الواعظ " وخادم الرب " فرانكلين بيلي غراهام شبّه تنصيب بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة بتنصيب الملك داود ملكاً على قبائل إسرائيل!!!!!!!؟؟؟؟

وفي علاقة المعمدانية بالكالفنية وتشبعها بها وبأن المعمدانية هي الابن الشرعي للكالفنية وأفكارها نلاحظ أن:

د. جون جيل وهو من اهم المعلقين المعمدانيين على الانجيل، جون بونيا ، وخصوصاً سبيرجون " الملقب امير الوعظاء"، جورج وايتفيلد، وليم كاري، ادونيرام جدسون، وديفيد ليفنجستون، وكلهم كانوا كالفنيين .. ولا يوجد هناك مجال للشك بوجود انبعاث جديد للكالفنيه في حياه المعمدانيه اليوم. فالدكتور ايرجون كانر، رئيسLiberty theological seminary يقول:

في اوراق المعمدانيه الجديده، قرأت " انفصلت كنيسه اخرى عن الكالفنيه" وكالات الاخبار المعمدانيه بدأت تحقق هذا الامر المهم. وتم سؤال المرشحين لمكتب رئاسه المعمدانيين الجنوبيه " هل تعتبرون ان المذهب الكالفني يهددكم؟" لقد التقيت ب بمدير البعثات قبل شهر عند عودتي من احد الخطب. تحدثنا, اقترب مني وهمس لي " ان الحركه الكالفنية الجديده لن تذهب. انها تأخذ ببطء اهم الكنائس" ( حزيران/تموز 2006, صفحه 1)


بعد ما تقدم ، نجد أن أهم المعتقدات الكالفنية وتطوراتها المتلاحقة هي محور العقيدة المعمدانية ، فالمعمدانيون اليوم يعتقدون أنهم مخلصو العالم " جئنا لنعرّف الناس على الإنجيل " ، ولديهم في اللاوعي أو الوعي لا ادري فكرة أن كل من هو سواهم لا يعرف عن المسيح ولا عن الخلاص ما يعرفونه ، وعندما يتقدم الشخص ليرى ما يعرفونه لا يجد شيئاً جديداً بل بالأحرى يجد الكثير مما لا يعرفونه.

أتساءل هنا : كيف يمكن للروح القدس أن يعمل في المؤمنين وينتج أفكاراً متضاربة بينهم ؟ الكالفنيون والمعمدانيون واللوثريون وسواهم لا يتفقون بكل شيء .. هل هذا يذكركم بشيء " هلم ننزل ونبلبل لغتهم " ؟ هل يمكن للروح القدس ان يلهم الكنيسة افكارا متضادة ومتناقضة , واعني بالكنيسة هنا البروتستنت بقئاتهم المختلفة؟

ما قد لا يعرفه البعض عن " الكالفنية " المنسوبة للفرنسي جون كالفن ، والذي اعتمد فكر لوثر إلا انه اختلف عنه في فرضيته المعروفة " بالاختيار المسبق " أو " التعيين المسبق "، والتي تقول بأن الإنسان ميت روحياً ولا قدرة له على المساهمة بأي شكل في خلاصه، وأن الخلاص هو عطية مجانية من الله لأناس سبق أن اختارهم " مختارين مسبقاً "، وبأن الله اختار بحريته المطلقة، ودون اعتماد على إرادة الإنسان، أن يخلص البعض ويهلك البعض الآخر. ثم جاء "مجمع دورتريخت" (1619م) ليؤكد هذا الفكر المنحرف عبر قراره الشهير القائل :


God decides freely, and not based on any for-knowledge of
a believer’s faith, who will be saved, and who will be demned

وترجمتها : أن الله يقرر بحرية، وليس مبنياً على أى علم سابق لإيمان المؤمن، من سوف يخلص، ومن سوف يهلك.

وتوّج المجمع انحرافه بإدانة شخص متوفي يدعى Jacobos Arminios كان قد قال سابقاً :

" ان المسيح لم يمت فقط من أجل المختارين، ولكن من أجل كل البشر، الذين يمكن ان يخلصوا إذا استخدموا بطريقة جيدة النعمة الإلهية المقدمة لهم " !!! فما رأيكم أيها الأحباء ، وخصوصاً إذا علمتم مدى الاشمئزاز المعمداني من شخص أرمينيوس هذا وازدرائهم له .ويعتبره المجمع بأنه شخص " ابتعد عن لاهوت كالفن " !؟

ملاحظة : نحن لا نقبل بأفكار أرمينيوس ولكن نعرض هنا سبب رفض المجمع له ومن بعدها سنتطرق للموضوع من وجهة نظر أرثوذكسية.

.. اعتمد كالفن فيما يبدو على فهم قاصر للعديد من الآيات الكتابية كما في رومية : " الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم... والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضاً، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضاً، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضاً" وهناك كثير من الآيات تتحدث بشكل ما عن الاختيار المسبق، المشكلة ليست في الآيات ولكن في فهمها - وهذه مشكلة البروتستنت عموماً-.

هذه الفكرة التي هي لب وجوهر التعليم المعمداني تتناقض والحقائق الكتابية التي تؤكد حرية الإنسان في قبول ورفض عطايا الله وبالتالي دوره الأساسي في الخلاص ، صحيح أن الإنسان لا يخلّص نفسه وهذا مفهوم ولكن الإنسان يقبل أو يرفض خلاصه ولا يوجد من هو مختار مسبقاً لكي يخلص ومن هو مختار مسبقاً لكي يهلك . الإنسان نفسه يختار مصيره الأبدي بكل حرية.

فالإنسان خُلق لغاية الحياة الأبدية ولكنه امتلك الحرية الكافية ليقبل عطية الله له ولكي يرفضها، وقد رفضها بعدم طاعته.والأنبياء في العهد القديم لم يكونوا مسيَّرين بل كانوا قابلين وطائعين للمهام التي أوكلها الله لهم...

وهناك في الحقيقة فرق كبير بين أن يكون الله قد اختار أناساً معينين لكي يخلصوا وأناس لكي يهلكوا، إن في هذا قمة الافتراء على العدالة الإلهية التي تفترض حرية الشخص كشرط لها لكي تكون عادلة، إذ كيف سيحكم الله على من لا حول له ولا قوة في تصرفاته؟


الموقف الأرثوذكسي

نحن نرفض كلام "كالفن" ومجمع " دورتريخت"، لأن هذا يعنى نزع حرية القرار من الإنسان، ومن سوف يخلصون اختارهم الله بحريته وإرادته المطلقة، دون نظر إلى سبق علمه بإيمانهم وأعمالهم وسلوكياتهم التى سيعيشون بها. كذلك نعترض على كلام " ارمينيوس" الذى يقول بخلاص المختارين، ثم يفتح الباب قليلاً لمن يستخدمون النعمة حسناً.

ونحن نرى - حسب الكتاب المقدس والآباء القديسين - ان الخلاص مقدم للجميع، ولكنه لا يتم إلا بتوافق الارادتين: الإلهية والإنسانية، بالجهاد والنعمة معاً، وهذا متاح لكل الناس، فالله "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تى 4:2).

واستمر هذا الفكر المنحرف إلى العصر الحديث الذى نعيش فيه، بدليل وروده فى كتاب "علم اللاهوت النظامي" - من إصدار دار الثقافة المسيحية عام 1971م - الباب الثامن - حيث يقول: "أن الله سبق فعيّن كل ما يحدث، سواء كان حدوثه اضطرارياً أم اختيارياً، وسواء كان صالحاً أم شريراً، أي أن كل الحوادث على الإطلاق داخلة فى قصد الله، ولابد من وقوعها ( مبدأ القدرية والتسيير ). إن الذين سبق فعرفهم، عرفهم بمسرة مشيئته، وبمقتضى القصد والنعمة، لا لأجل أعمالهم التى سيعملونها. وإن المؤمنين يؤمنون لأنهم معينون لذلك. إن الاختيار غير مبني على الأعمال الصالحة مطلقاً.. إن الاختيار هو مجرد مشيئة الله. إن الله باختياره للبعض لم يظلم الذين لم يختارهم، لأن الاختيار هو من أعمال الرحمة، التى هو غير مُلزم بها، ولذلك هو متروك لاستحسانه تعالى. فإذا شاء أن يصنع إحساناً خاصاً مع المختارين، فلا يكون قد ظلم بذلك غير المختارين. إن الله فى إجراء عدله لا ينظر إلى الوجوه، ولكن فى إجراء رحمته، يسوغ له أن يختار من يشاء ويرفض من يشاء. إن اختيار الله للبعض، من أعمال إرادته المطلقة" (علم اللاهوت النظامي- دار الثقافة المسيحية 1971م - الباب الثامن).

إن الذين نادوا بعقيدة "سبق التعيين" يرون أن الله خلق الناس وحدد للبعض وجهة الخلاص، وللآخرين وجهة الهلاك بإرادته المطلقة دون دور للإنسان!!

وهذا بلا شك، طعن فى عدالة الله، إذ كيف يختار هذا للهلاك الأبدى، والآخر للحياة الأبدية - بإرادته تعالى وحده، دون تدخل من الإنسان؟!

إساءة تفسير بعض الآيات والاكتفاء بالآية الواحدة ،والآيات التى يتصور البعض أنها تتحدث عن سبق التعيين، يجب أن نفهمها فى إطار سبق المعرفة، كما قال الرسول بولس فى رومية (رو 29:8،30): "الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم...".

وحين قال الرسول بولس: "اختارنا فيه (أي فى المسيح) قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة، إذ سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرة مشيئته" (أف 4:1-5)... فهو لا يعني سبق التعيين بالإرادة الإلهية، المطلقة والمنفردة، ولكن بمقتضى سبق معرفة.

وينطبق هذا على قول الرسول: "نلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذى يعمل كل شئ حسب رأى مشيئته" (أف 11:1)، لأن رأي مشيئة الله سيتحدد بناء على سبق معرفته بموقف الإنسان حين يولد ويسلك دروب الحياة. وذلك بدليل قوله بعد ذلك: "إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذى فيه أيضاً إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس" (أف 13:1).. فالله يعمل فينا بروحه القدوس حينما نقبل كلمة الله بإرادتنا الحرَّة، ونتجه نحو الخلاص بالمسيح!

وهذا ما جاء فى تسالونيكي: "قبلتم الكلمة فى ضيق كثير بفرح الروح القدس، حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون... من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب..." (1تس 6:1-8). هناك موقف إرادي من الإنسان، بلا أدنى شك!

فالله لم يحتم عليه شيئاً، لا يهوذا ولا اليهود ولا بيلاطس، فالقرار نبع منهم، ولكن الله يخرج من الشر خيراً.

لهذا نصيغ الأمر هكذا: "الله يعرف ولكنه لا يفرض"فالإنسان كائن حرّ مريد، يقرر ما يراه لنفسه، من جهة الكثير من قرارات الحياة الأرضية، أو قرار المصير الأبدي.


هل تقبل أن تكون مسيَّراً ومن ثم تُحاكم على قراراتك ؟

هل في هذه الأفكار روح كتابية ومسيحية ؟ هل الروح القدس يلهمهم ( خصوصاً أنه ليس الجميع يؤمنون بالمثل ) ؟؟؟

ألا يذكركم هذا بقول الله في العهد القديم " هلمّ ننزل ونبلبل لغتهم " ؟!!؟




مقتطفات من مناظرة علنية بين تجمع معمداني والكنيسة الارثوذكسية الانطاكية